رسائل “الدم والنفط”.. هل قررت الإمارات خلط أوراق “التحالف” في العمق الحيوي للرياض؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين
تعيش محافظة حضرموت (شرقي اليمن) أياماً عصيبة، حيث تحولت “هضبة حضرموت” الاستراتيجية إلى ثكنة عسكرية مفتوحة، تنذر بمواجهة دامية قد تعيد رسم الخارطة العسكرية والسياسية للبلاد.
حيث لم تعد حضرموت، المحافظة التي ظلت لسنوات “ملاذاً آمناً” بعيداً عن التشظي اليمني، بمنأى عن العاصفة. ففي تطور دراماتيكي متسارع، باتت الهضبة النفطية (المسيلة) مسرحاً لتحشيد عسكري غير مسبوق، حيث دفع “المجلس الانتقالي الجنوبي” بتعزيزات ضخمة قادمة من خارج المحافظة، قوبلت باستنفار قبلي واسع يقوده “حلف قبائل حضرموت”، وسط توقف لعمليات إنتاج النفط في شركة “بترومسيلة”.
هذا التصعيد، الذي يأتي تزامناً مع تعيين “سالم الخنبشي” محافظاً جديداً، يشي بأن المعركة تجاوزت البعد المحلي لتصبح انعكاساً لصراعاً أكبر تحاول من خلاله الإمارات الداعم الوحيد للمجلس الانتقالي بتفجير الموقف في “الخاصرة الشرقية” لليمن للضغط على السعودية في ملفات إقليمية أخرى تتراجع فيها مثل السودان- كما يقول محللون سياسيون.

غزو “الضالع ويافع” واستنفار “الهضبة”
تشير المعلومات الميدانية التي حصل عليها “يمن مونيتور” إلى وصول ما يقارب 6 ألوية عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، مدججة بالعتاد الثقيل، قادمة من محافظات (الضالع، لحج، وعدن) وتمركزت في محيط المنشات النفطية ومناطق ساحل حضرموت؛ وسيطروا بشكل كامل على ميناء “الضبة النفطي.
واعتبر “حلف قبائل حضرموت” هذه التحركات بمثابة “غزو” يستهدف هوية المحافظة وثرواتها. وقال وكيل محافظة حضرموت ورئيس حلف قبائلها، الشيخ عمرو بن حبريش العلي إن المجلس الانتقالي الجنوبي يشن “غزوا خارجيا” على المحافظة عبر استقدام حشود عسكرية من محافظة الضالع، ويافع، وردفان (معاقل الانتقالي)”.
وأكد بن حبريش في مقابلة تلفزيونية أن قبائل حضرموت سيطرت “استباقياً” على حقول نفط المسيلة لحمايتها، كاشفاً عن دعم إماراتي مباشر للقوات التي تحاول اجتياح المحافظة الغنية بالنفط.
وأكد الشيخ هشام الكثيري، القيادي في الحلف في تصريحات متلفزة، “أن القوات القادمة لا تتبع وزارة الدفاع ولا المؤسسة العسكرية الشرعية، بل هي مجاميع مناطقية بامتياز، والحضارم اتخذوا قرار الدفاع عن الأرض والنفس”.
وشدد الصحفي عبدالجبار الجريري على أن تحركات قبائل حضرموت وسيطرتها على الهضبة النفطية جاءت كإجراء دفاعي بحت لحماية المنشآت الحيوية في “المسيلة” ولم يتم تسجيل أي أضرار فيها، نافياً صحة السرديات التي يروجها المجلس الانتقالي بوصم القبائل بـ”الإرهاب” أو التبعية للحوثيين، ومعتبراً إياها مبررات “سخيفة” ومكررة استخدمت سابقاً في عدن وسقطرى وشبوة لفرض مشاريع فوضوية بقوة السلاح بعيداً عن منطق الدولة والحوار.
وفصّل الصحفي والناشط السياسي صبري بن مخاشن القوات القادمة، ومشيراً إلى أنها 12 لواء عسكري وقال إنها خليط غير متجانس تم سحبه من جبهات القتال المباشرة مع الحوثيين، حيث تم رصد لواءين من “ألوية العمالقة” سحبا من بيحان، ولواءين من قوات “حراس الجمهورية” تم استدعاؤهما من المخا، إضافة إلى قوات من “دفاع شبوة” وألوية من الحزام الأمني في لحج كانت ترابط في جبهات كرش.
واعتبر “بن مخاشن” أن تجميع هذه القوات يعيد للأذهان سيناريو حرب صيف 1994 بكل أركانه، من تحالف عسكري قبلي (يافع والضالع) مدعوم بفتاوى دينية تكفر أبناء حضرموت وتصفهم بالخوارج لشرعنة “غزو” المحافظة ونهب ثرواتها.
من جهته قال الشيخ الكثيري إن: “أي فرض أو محاولة فرض عسكرية بالقوة، أو محاولة فرض واقع سياسي بالعصا العسكريه مرفوض تماماً.. لذا فإن أبناء حضرموت قد اتخذوا موقفهم في المشروع السياسي وهو الحكم الذاتي، وأنشأوا الذراع العسكري للدفاع عنه.”

ضرورة خروج القوات المستقدمة من الخارج
وقالت مصادر قبلية لـ”يمن مونيتور” إن الوساطة القبلية التي بعثها المحافظ الجديد التقت بقيادة “الحلف” وطلبت الانسحاب من المؤسسات النفطية، ووافق الحلف على ذلك مقابل انسحاب كل القوات القادمة من خارج المحافظة. مع الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار ليوم آخر.
وضمن جهود التهدئة دعا “سالم الخنبشي” للتهدئة، لكن الصحفي عبدالجبار الجريري قال: “بينما كان المحافظ الخنبشي يتحدث عن التهدئة عبر التلفزيون، كانت الأرتال العسكرية تدخل المكلا في نفس اللحظة.. نخشى أن يكون حديثه مجرد غطاء للتحركات العسكرية على الأرض بدلاً من ترجمته فعلياً بوقف التحشيد.”
وقال الشيخ الكثيري إن “القوات التي أحكمت قبضتها على قطاع 14 (بترومسيلة) أفرادها وضباطها بل وقياداتها ينتمون إلى النخبة الحضرمية.. هم حضارم ومرقمين وشرعيين وليسوا متمردين على الدولة إطلاقاً”.
ويتفق موقف الحلف مع الموقف السياسي للأحزاب في حضرموت حيث أصدرت “منسقية الأحزاب السياسية” في حضرموت (تضم المؤتمر، الإصلاح، الناصري، ومكونات أخرى) مع رفض الحزب الاشتراكي المشاركة، بياناً عاجلاً في ساعة متأخرة ، أعلنت فيه ترحيبها بمبادرة المحافظ الجديد للتهدئة، لكنها أعلنت “رفضها القاطع” لاستقدام أي قوات من خارج المحافظة، معتبرة ذلك تهديداً للسلم الأهلي.
التوجه نحو الحدود السعودية.. هل هي الإمارات؟!
من جهته أشار الصحفي الجريري إلى أن الحشود القادمة التي أرسلها المجلس الانتقالي الجنوبي لا تستهدف فقط السيطرة على المنشآت النفطية في “بترومسيلة” التي يسيطر عليها حالياً حلف قبائل حضرموت، بل رُصدت تحركات لقوات اتجهت نحو مدينة “دوعن” ومنطقة “رأس حويره”، في مؤشر على نية واضحة للتقدم نحو وادي حضرموت (مقر المنطقة العسكرية الأولى) ومناطق حدودية حساسة مع المملكة العربية السعودية.
وأعلنت قوات المجلس الانتقالي يوم الثلاثاء، نيتها السيطرة على مقر المنطقة العسكرية الأولى وتحشدت في تخوم مواقعها المتقدمة في وادي حضرموت.
وقال الجريري ” أي تفجير للوضع العسكري في وادي حضرموت أو (دوعن) سيمس بشكل مباشر الأمن القومي السعودي نظراً للقرب الجغرافي والحدود الطويلة.”
ولفت الصحفي الحضرمي إلى أن “القوة الوحيدة القادرة على إجبار هذه القوات على العودة هي المملكة العربية السعودية”.
يرى الدكتور عادل المسني، الباحث في العلاقات الدولية، أن ما يجري هو “صدى للخلاف المكتوم بين قطبي التحالف (السعودية والإمارات)”.
ويشير المسني إلى أن “السعودية خرجت من الصراعات الإقليمية بنفوذ أقوى، وعززت علاقتها بواشنطن وطهران، مما شكل ضغطاً على النفوذ الإماراتي الذي يرى في تفجير الوضع في حضرموت (والسودان أيضاً) وسيلة لخلط الأوراق وإرباك المشهد أمام الرياض”.
ووفقاً لهذا التحليل، فإن الانتقالي (المدعوم إماراتياً) يسعى للسيطرة على “الوادي والصحراء” لإكمال سيطرته على الجنوب، وهو ما تعتبره الرياض “خطاً أحمر” يهدد أمنها القومي المباشر على الحدود.
وتعد حضرموت كبرى محافظات اليمن مساحة (تمثل ثلث مساحة البلاد) وتمتلك شريطاً ساحلياً طويلاً ومخزوناً نفطياً استراتيجياً (حوض المسيلة). ظلت المحافظة منقسمة عسكرياً بين “المنطقة العسكرية الثانية” في الساحل (نخبة حضرمية مدعومة إماراتياً) و”المنطقة العسكرية الأولى” في الوادي (جيش وطني محسوب على الشرعية). يحاول المجلس الانتقالي منذ سنوات السيطرة على الوادي لطرد قوات المنطقة الأولى، وهو ما ترفضه السعودية وقبائل الوادي التي ترى في ذلك تهديداً لنسيجها الاجتماعي وأمنها. يأتي التصعيد الحالي كجزء من محاولة فرض أمر واقع.



