كتابات خاصة

في ذكرى الاستقلال

في الذكرى الثامنة والخمسين للاستقلال المجيد في الثلاثين من نوفمبر 1967م، وخروج اخر جندي بريطاني من عدن، نحن بحاجة للمراجعة، والاجابة على السؤال

هل انجزنا الاستقلال الكامل؟

أي استقلال سنحتفل به اليوم، وما زلنا نخوض حروب للتحرير، ومازال عدد شهدانا وجرحانا يتضاعف، منذ الوهلة الاولى لخروج المستعمر من ارضنا الطاهرة، تقاتل رفاق الكفاح المسلح، في حرب اهلية، لم تتوقف الى يومنا هذا، حرب مهما تغير فيها الشعار والراية، نتيجتها واحدة هي التنافس في ازهاق الارواح، وانتهاك كرامة الانسان الوطني، واضعاف بنى الدولة، وتدمير مؤسساتها، وتحطيم انجازات الاسلاف، حرب تعيدنا لنقطة الصفر.

ومن الصفر نبدأ نعيد مآسينا بتكرار سمج لنكباتنا وخيباتنا، احتفال كهذا لا يحتاج لأهازيج والتفاخر بطرد المستعمر، بل ما نحتاجه هو المراجعة الحقيقية لتجربة الاستقلال، مراجعة الذات الوطنية، وماذا يعني الاستقلال وكيف يتعزز ليصبح مفهوما حضاريا ومسيرة وطن يرتقي لمصاف الحداثة والمعاصرة؟

صحيح ان في مثل هذا اليوم خرج اخر جندي بريطاني، ولكنه عاد برداء وطني، ويحمل فكر أيديولوجي، ويفتش في التناقضات السياسي، والخلافات التي يفترض اننا قد ارتقينا لتجاوزها، بمبدأ التعدد السياسي والتنوع الفكري، عاد لينخر المجتمع والنخب السياسية بالتصنيفات والهواجس من الاخر المختلف، مما سمح لأعداء الاستقلال والتحرر، من اثارة النزعات والصراعات، وتغذيت الحروب وتدمير كل ما هو وطني، وتمزيق المجتمع وتفتيت الوطن.

الاستقلال لا معنى له دون تعزيز الوحدة الوطنية، وتدعيم الدولة الوطنية، وتتكاثف الجهود في النضال من اجل تعزيز القرار السيادي، وبسط نفوذ الدولة على كل شبر من ارض الوطن، وعلى كل مفردات حياتنا وجنبات وطننا، الارض والسماء والبحر، بقرار سيادي نابع من الثوابت الجامعة، التي تعزز فينا الهوية الوطنية والعربية والاسلامية، تلك الهوية التي ان فرطنا فيها فقد فرطنا بتاريخ عريق وحضارة متعاقبة متجذرة في عمق هذا التاريخ وهي فخر للامة.

تفريطنا بالقرار والسيادة، هو تفريط  بالاستقلال، لتعود الهيمنة تستعمرنا وتخترقنا، من خلال العمل على التناقضات، والاستقطاب من اجل تعزيز التنازعات البينية، فالمستعمر  يختار ادواته بعناية مصالحه،  من القوى التقليدية المتعصبة ادوات ما قبل الدولة، لهدف تدمير أي فكرة تنشأ تؤسس لدولة جامعة، دولة المواطنة والحريات والعدالة، دولة النظام والقانون الذي سيضبط الاختلاف ويحكم الخلاف، ويعزز الاستقرار السياسي لكي يرتقي البلد اقتصاديا، والاستقرار يبدأ من استقرار الذات، والتسامح والتصالح ، لنتطهر من الاحقاد والثارات وتراكمات الصراعات والحروب، فالتسامح والتصالح يصنع سلام، والسلام يصنع دولة محترمة و وطن يستوعب كل الاطياف والافكار والاعراق، ويلملم الجغرافيا ويضبط ايقاع التعدد السياسي والثقافي والعرقي.

القوى المسيطرة على العالم اليوم هي قوى كبرى، كبرى في حجم التحالفات التي شكلتها، في اقاليم فيها ما يفرقها اكثر مما يجمعها،  فالقليل مما يجمعها هو الذي جعل منها قوة كبرى تنافس للسيطرة على العالم الضعيف والممزق، وهي سماتنا كعرب ومسلمين، وارض جالبه للتدخلات الخارجية، وساحه لمعاركها العبثية ، تمزقنا وفق مصالحها وتلعب بنا كما تشتهي، وتعيد رسم حدودنا كما يحلو لها، صرنا لعبة يتسلون بنا ومحل تجارب لأسلحتهم ومخططاتهم، وهذا ما يوفر لهم فرص نهب ثرواتنا وخيراتنا وتدمير مقدراتنا وتعطيل مقومات دولنا.

ولن نكون قوة كبرى الا بمعان سامية للمواطنة الصالحة التي تتجلى بممارستنا لواجباتنا بنهج يؤمن فيه كل واحد منا بان له دور في تدعيم اسس ومفهوم الاستقلال للوطن وهو يؤدي واجباته بأمانة الضمير الوطني وتعظيم الانجاز ليبقى الوطن حرا مستقلا وسيدا كافيا لنفسه وعفيفا عن غيره في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية وغيرها وكل ذلك لا يتأتى الا اذا وقف كل واحد منا عند حدود مسؤولياته وواجباته الوطنية حاملا لراية الانجاز، مستلهما من نضالات الاسلاف وتاريخنا العريق و عظمة الحضارة، ومسيرة النضال ضد المستعمر التي وحدت كل القوى بكل اطيافها توجهاتها في جبهة كفاح مسلح، وفكر تحرري كانت عدن منارته، فكر يحمل هم الامة العربية والاسلامية ويقودها للنهضة والعلو، فكر ارعب المستعمر، وترك عدن وترك خلفه فتنة لتفكيك هذه الجبهة الصلبة التي كانت تجمع كل القوى السياسية بكل توجهاتها وتعددها الفكري والثقافي، كانوا جميعا في خنق واحد، فككتهم الفتنة  وعطلت بناء الدولة الوطنية المنشودة، وتاه  البعض عن فكرة الاستقلال والتحرر، لينبهر بنموذج صنع لذلك، بهرجة من الاضواء الملونة، وابراج اسمنتية خالية من الروح الانسانية والكرامة والتسامح والسلام، فيها الانسان هو البضاعة الارخص، والاستقلال وهم والتحرر مصيدة بمعايير مقلوبة.

علينا ان نستعيد ذواتنا ونستعيد استقلالنا لنستعيد وطننا وارادتنا وسيادتنا وحريتنا وكرامتنا، استقلال مجيد بإذن الله ، إن غداً لناظره قريب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى