حين يغيب الدواء.. تراجع التمويل يضع عشرات المراكز الصحية في مأرب على حافة الإغلاق

يمن مونيتور/وحدة التقارير/عبدالله العطار
في الوقت الذي تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية في اليمن، تتراجع مظلة الدعم الدولي التي أبقت القطاع الصحي في محافظة مأرب، لسنوات، قادرًا على الصمود أمام الضغوط المتزايدة.
ومع انحسار التمويل، لم تعد الأزمة مجرد أرقام في تقارير المانحين، بل تحولت إلى واقع ينعكس في رفوف الأدوية الفارغة، والكوادر الصحية التي تواصل عملها بإمكانات شحيحة، والمرضى الذين يجدون أبواب المراكز الصحية مفتوحة، لكنها عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من العلاج.
ومع اتساع الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات، يلوح خطر فقدان واحدة من أهم شبكات الرعاية الصحية الأولية في المحافظة.
توقف الدعم… وتراجع الخدمات
بدأت آثار تراجع التمويل الإنساني تظهر بوضوح في عدد من المراكز الصحية بمحافظة مأرب، بعد توقف الدعم التشغيلي الذي كانت تقدمه منظمات دولية، وهو ما أدى إلى نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتعتمد هذه المراكز، منذ سنوات، على التمويل الخارجي لتغطية نفقات التشغيل، بما في ذلك توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وحوافز الكوادر الصحية، الأمر الذي جعل استمرارها مرتبطًا باستمرار التمويل.
مرضى يدفعون ثمن الأزمة
داخل بعض المراكز الصحية، تبدو الحركة أقل من المعتاد، ليس لانخفاض أعداد المرضى، وإنما بسبب غياب الخدمات التي كانت تستقطبهم.
ويقول المواطن عمر عبدالعزيز إن المرضى لم يعودوا يجدون حتى أبسط الأدوية داخل المراكز الصحية.
وأضاف: “إذا احتجت إلى محلول وريدي، أو دواء للحمى، أو حتى مستلزمات طبية بسيطة، فلن تجدها داخل المركز، وكل شيء أصبح يُشترى من الصيدليات الخاصة، وهذا يرهق الأسر التي لا تملك ثمن العلاج.”
ويؤكد مواطنون أن نقص الأدوية أجبر كثيرًا من المرضى على اللجوء إلى القطاع الخاص، رغم ارتفاع تكاليف العلاج، فيما فضّل آخرون تأجيل العلاج أو الاستغناء عنه.
مكتب الصحة: المنظمات كانت تغطي 90% من خدمات الرعاية الأولية
أوضح مدير عام مكتب الصحة العامة والسكان بمحافظة مأرب، أحمد العبادي، أن المنظمات الدولية كانت تتحمل الجزء الأكبر من تشغيل المرافق الصحية.
وقال إن تلك المنظمات كانت تغطي نحو 90% من خدمات الرعاية الصحية الأولية، من خلال توفير الأدوية والمستلزمات الطبية والحوافز التشغيلية للعاملين.
وأضاف أن المنظمات بدأت، منذ مارس/آذار 2025، إيقاف الدعم عن عدد من المرافق الصحية، ما أدى إلى تأثر 62 مرفقًا صحيًا، كان بعضها مهددًا بالتوقف الكامل.
وأشار إلى أن مكتب الصحة تدخل للإبقاء على عدد من هذه المرافق عاملة، عبر استمرار بعض الكوادر في العمل بصورة تطوعية، غير أن هذه المعالجات تبقى مؤقتة، ولا يمكنها تعويض غياب التمويل على المدى الطويل.
أكثر من 30 مركزا صحيا مهددا بالإغلاق
وبحسب إدارة الإعلام والتثقيف الصحي في مكتب الصحة، فإن أكثر من 30 مركزا صحيًا ما تزال تواجه خطر الإغلاق، ويعمل فيها نحو 150 من العاملين والعاملات في القطاع الصحي.
ولم تحصل هذه المرافق، وفق المكتب، على حلول تمويلية مستدامة حتى الآن، كما لم تُتخذ أي معالجات لأوضاعها، رغم استمرار الحاجة إلى خدماتها، خاصة في المديريات التي تفتقر إلى بدائل صحية قادرة على استيعاب أعداد المرضى.
خدمات تمس حياة الآلاف
لا يقتصر تأثير الأزمة على نقص الأدوية، بل يمتد إلى خدمات تُعد من أهم البرامج الصحية، وفي مقدمتها خدمات الصحة الإنجابية، ورعاية الحوامل، والولادة الآمنة، وبرامج التغذية، والرعاية الصحية الأولية للأطفال، وهي خدمات يعتمد عليها آلاف السكان والنازحين بصورة يومية.
ويحذر عاملون في القطاع الصحي من أن توقف هذه البرامج سيؤدي إلى زيادة الضغط على المستشفيات العامة، ويهدد بتراجع مؤشرات صحة الأم والطفل، في ظل محدودية البدائل المتاحة.
مأرب.. احتياجات متزايدة وتمويل يتراجع
تمثل مأرب إحدى أكثر المحافظات اليمنية استضافةً للنازحين، وهو ما ضاعف الطلب على الخدمات الصحية خلال السنوات الماضية، ودفع المنظمات الإنسانية إلى توسيع تدخلاتها في القطاع الصحي.
إلا أن تراجع التمويل الإنساني خلال الفترة الأخيرة انعكس بصورة مباشرة على تلك التدخلات، لتجد السلطات الصحية نفسها أمام تحدي الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات بإمكانات محلية محدودة.
ومع استمرار تراجع التمويل الإنساني، تبدو المراكز الصحية في مأرب أمام سباق مع الزمن؛ فكل يوم يمر دون تدخل يعمّق أزمة نقص الدواء، ويقرب المزيد من المرافق من التوقف، في محافظة تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، وتعتمد شريحة واسعة من سكانها على خدمات الرعاية الصحية المجانية.
وبين محدودية الإمكانات المحلية وتراجع التزامات المانحين، يظل مستقبل هذه المراكز معلقًا على استجابة عاجلة تعيد إليها القدرة على أداء رسالتها، قبل أن يتحول إغلاقها من احتمال قائم إلى واقع يهدد حق الآلاف في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.




