من سمر “نبهان” إلى “قصائد المطارح”: مأرب تستلهم تاريخها الأدبي لمواجهة التشويه الثقافي

يمن مونيتور/ مأرب/ من عبدالله العطار
بين ركام الحرب وضجيج النزوح، تنهض مأرب كمدينة لا تكتفي بصمودها العسكري في وجه جماعة الحوثي المسلحة، بل تعيد للكلمة مجدها وللثقافة صوتها الأصيل. هنا، حيث اشتعلت المعارك ذات يوم، تتوهج القصيدة اليوم، وتولد المواهب من رحم المعاناة لتكتب بالفن ما عجزت البنادق عن قوله.
الكلمة… سلاح آخر في وجه الحرب
في السنوات الأخيرة، شهدت مأرب حراكًا أدبيًا لافتًا، توجته فعاليات ومسابقات شعرية، كان أبرزها مسابقة “قصائد المطارح” التي جمعت شعراء وشاعرات من مختلف المحافظات اليمنية، وحولت رمزية “المطارح” من ميدان للمقاومة إلى فضاء للإبداع والإلهام.
يقول الشاعر مسعد عكيزان لـ”يمن مونيتور”: “الحرب لم تقتل فينا الشعر، بل جعلت القصيدة أكثر صدقًا وجرأة، وصارت الكلمة وطننا المؤقت ووسيلتنا لحماية الوعي من التشويه”.

جذور ثقافية عميقة
يؤكد عكيزان أن الأدب، وخاصة الشعر، لم يكن طارئًا على مأرب، بل هو جزء من نسيجها الاجتماعي منذ القدم. فالأدب الشعبي ظل حاضرًا في حياة الناس من خلال الأمثال والقصص والأساطير، فيما واصل الشعر دوره كجنس أدبي فاعل يلامس هموم المجتمع ويعبر عن تحولات الزمن.
ويشير إلى أن الشاعر المأربي لم يكن منعزلًا عن الحراك العربي، بل تفاعل مع المدارس الحديثة في الشعر العربي، وضرب مثالًا بالشاعر علي مهدي الشنواح الذي مثّل تجربة رائدة في الحداثة الشعرية منذ ستينيات القرن الماضي، وخلّف خمس مجموعات شعرية فصيحة بنظام التفعيلة، منها “الأقنان والعواصف” و”لحن الحب والبنادق” و”الأموات يتكلمون” و”سمر على منارة نبهان”، و”أوراق من أبجدية الحب”.

مأرب.. منبر الشباب والشاعرات
اليوم، تعج منصات التواصل الاجتماعي بأصوات شعرية مأربية شابة، إلا أن كثيرًا منها ما زال في حاجة إلى طباعة نتاجه في دواوين تحفظ هذا الإرث الإبداعي وتقدمه للأجيال القادمة.
ويستحضر المثقفون إرث آل القردعي الثلاثي الشعري (علي ناصر، وجار الله، وأحمد)، الذين اقترن شعرهم بثورة الدستور ومناهضة حكم الإمام يحيى، وظل شعرهم حيًا في الذاكرة الوطنية حتى اليوم.
“مأرب اليوم ليست فقط مدينة النفط والمعارك، بل مدينة الحرف والقصيدة، فيها شباب يحملون القلم كما يحمل غيرهم السلاح”، يقول عكيزان.
الثقافة تنهض من جديد
من جانبه، يؤكد مدير مكتب الثقافة في مأرب علي بقلان لـ”يمن مونيتور” أن النشاط الثقافي شهد ازدهارًا غير مسبوق خلال سنوات الحرب، حيث نظّم المكتب معرض الكتاب لدورتين متتاليتين إلى جانب عشرات الصباحيات الشعرية والفعاليات الأدبية المتنوعة.
ويضيف أن المحافظة تحتضن اليوم أربع إذاعات محلية وعددًا من القنوات الفضائية، منها قناة “سبأ” الجديدة، التي خصصت مساحات واسعة للثقافة والفنون، لافتا إلى أن المكتب دعم خلال سنوات الحرب فعاليات ثقافية كثيرة، بينها مهرجانات شعرية وأماسي أدبية، بمشاركة واسعة من الشباب والنساء.
نزوح المثقفين خلق مشهدًا جديدًا
بدوره، يقول الباحث والمهتم بالشأن الثقافي عبدالله شداد لـ”يمن مونيتور” إن مأرب تحولت خلال العقد الأخير إلى ملاذ للمثقفين والكتاب القادمين من مختلف المحافظات، ما أسهم في ازدهار المشهد الثقافي والفني فيها.
وأشار إلى أن “المرحلة فرضت لونًا ثقافيًا جديدًا يغلب عليه الطابع الثوري والحماسي، فظهرت أغانٍ وشيلات وألبومات فنية لاقت انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل”، مشيرًا إلى أن إقامة معارض الكتب والندوات الفكرية جاءت كإحدى ثمار هذا التلاقي الثقافي الفريد.
ويختم شداد بدعوة الجهات الرسمية إلى تبني جوائز سنوية لتشجيع الإنتاج الأدبي والفني ودعم الأندية الثقافية، مؤكداً أن ذلك سيضاعف من أثر هذا الحراك الإبداعي الواعد.

القصيدة… جدار ضد الانكسار
رغم كل ما واجهته من حرب ونزوح، استطاعت مأرب أن تخلق توازنًا نادرًا بين الدفاع عن الوجود وصون الذاكرة، وأن تثبت أن القصيدة ليست ترفًا في زمن الحرب، بل جدارًا منيعًا يحمي الروح من الانكسار، ويعيد للأرض صوتها وللثقافة مكانتها.
كما أنها، أثبتت أن الثقافة لا تُهزم، وأن القصيدة يمكن أن تكون وطنًا حين تضيق الأوطان. في هذه المدينة التي تتقاطع فيها البنادق والكتب، لا يزال الحرف يقاوم ليحفظ للذاكرة اليمنية بريقها، ويقول للعالم إن من رحم الألم يمكن أن تولد القصيدة، ومن بين الدمار يمكن أن تنهض مدينة اسمها مأرب… مدينة لا تموت لأنها اختارت أن تكتب نفسها بالكلمة.





