في يومهم العالمي.. معلمو اليمن حياةٌ بين جحيم غياب المرتبات ومرارة التهميش والاعتقال!

يمن مونيتور/ من إفتخار عبده
في العام الحادي عشر للحرب في اليمن، يقف المعلم في ” يومه العالمي”، والذي لا ينال فيه إلا مزيدا من الحسرة والندامة، يقف متحسرا على سنين مضت كانت مليئةً بالإهمال والتهميش، مليئةً بالخذلان، يترقب مستقبلًا مجهولًا لا يدري في أي زاوية من زاوية التهميش سيرميه الوضع المعيشي، ولا يعلم ما هي المرارة القادمة التي تفتح فاها لتلتهمه.
ويعيش ما يزيد عن 200 ألف معلمٍ يمني في أوضاع معيشية معقدة؛ نتيجة استمرار الحرب الدائرة في اليمن؛ إذ لا يزال أغلب المعلمين بدون رواتب منذ عشرة أعوام خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما لم تنتظم رواتب المعلمين في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
ويتصدر المعلم في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية قائمة المعاناة، من خلال الحرمان من الرواتب، والمضايقات التي يتلقاها والتي تصل إلى مرحلة الاختطاف والتغييب خلف القضبان.
لم تعد مهنة مشرفة
بهذا الشأن يقول محمد، أحد المعلمين في محافظة صنعاء” اسم مستعار” مهنة التعلم لم تعد مشرفةً لأصحابها كما كانت في السابق، هذه المهنة في الوقت الحالي أصبحت مُهينةً لنا من جميع النواحي، أصبحنا نتحسر على حلمِ الطفولة الذي كنّا نحلمُ به أن نصبح معلمين ومربيي أجيال، ذاك الحلم الذي كنا نراه نجاةً وعزًا لنا أصبح لعنةً تطاردنا في هذه الحياة”.
ويحاول آلاف التربويين ومن ضمنهم “محمد” العمل في المدارس الخاصة كمحاولة للبقاء على أمل العودة إلى الحقل التربوي الحكومي، ويضيف لـ يمن مونيتور ” المدارس الحكومية لا تصرف مرتبات، والتعليم في المدارس الخاصة، متعبٌ ومهينٌ بالشكل الذي لا يمكن أن يعرفه إلا معلمٌ عاش الوضع نفسه وتجرعَ الويلاتِ نفسها على مدى أيام السنة الدراسية”.
وبحسرة بدت واضحةً على وجهه أثناء حديثه وهو يروي معاناته، يتابع”في كل صباح أعيش في قلق كبير د، أخرج من البيت باكرًا لألحق البصمة؛ لأني أمشي للمدرسة على قدمي، لا استخدم الموصلات العامة؛ لأنها ستكلفني الكثير إذا أردت أن أعتمد عليها”.
ويصف التربوي محمد نفسه بأنه سعيد الحظ كون مرتبه يبلغ 90 ألف ريال والذي يتقاضاه من إحدى المدارس الخاصة في صنعاء، رغم أنه لا يكفي لسد حاجات أسرته، كونه يسكن في منزل إيجار تصل قيمته في الشهر 50 ألف ريال يدفعها من الراتب، وما يتبقى منه يتوزع على بعض المستلزمات التي لا تغطي الأدنى منها، وهذا ما اضطره إلى العمل في باص إيجار خلال الفترة المسائية حتى ساعات متأخرة؛ لتوفير قيمة الخبز لأبنائه.
وأردف” أعمل حتى الساعة العاشرة ليلًا وفي الكثير من الأيام لا أجد إلا قيمة أجرة الباص لا أكثر، وعند العودة بعد العاشرة أقوم بتحضير الدروس استعداد للتعليم في اليوم التالي”.
وأشار إلى أن” المعلم في المدرسة الخاصة لا مكانة له، ينفذ الأوامر دون اعتراض على الخصم من مرتبه ولا على تكثيف الحصص عليه في اليوم الواحد، أو على الأنشطة التربوية التي يتم تكليفه بها من قبل المشرفين الحوثيين، موضحًا” التذمر من المعلمين أصبح شائعاً سواء من قبل المشرفين الحوثيين أو من قبل مدراء المدارس، فإذا طالب المعلم برفع المرتب ولو ( 5 آلاف ريال) كبدل مواصلات يتم رفضه واستبدال غيره، أو إذا تغيب لأسباب قاهرة، بمعنى أن المعلم كالآلة لا يُعامل على أنه إنسان على الإطلاق”.
واختتم” هذه المناسبة لا تزيدنا إلا حسرة على ما آلت إليه أحوالنا، نحن بهذا اليوم نخبر أنفسنا أنه كان يفترض أن نكون بأفضل حال مما نحن عليه اليوم، ـ على الأقل- كان يتم النظر لنا بعين الاحترام من قبل الجميع، لا بعين الشفقة من قبل البعض والاشمزاز من قبل البعض الآخر”.
النازحون أشدُ مرارةً
وليس المعلمُ في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في مأمن عن المعاناة، فهنا صفحات طويلة من المأساة التي تسطرها يوميات معلمين لا يستطيعون مواجهة ظروف الحياة نتيجة غياب مرتباتهم وحرمانهم من العلاوات والتسويات.
وليد غالب عبده، معلم نزح من محافظة المحويت إلى مديرية المعافر في محافظة تعز مطلع العام 2017م ليبدأ رحلة معاناة مريرة، يقول” لم أكن يومًا أتوقع أن يأتي زمنٌ أشعر فيه بالحرج حين يسألني أحدهم عن مهنتي، فأجيب: “أنا معلم” كانت هذه الكلمة يومًا ما تُقال بكل فخر، مرفوعة الرأس، لأنها ترمز للعلم والمعرفة، ولمنارات النور في ظلام الجهل، لكن واقع اليوم جعلها تُقال بتنهيدةٍ حزينة، وكأنها اعترافٌ بحالٍ لا يُحسد عليه”.
ويضيف لـ” يمن مونيتور” أنا معلم نازح، تركت محافظة المحويت التي كنت معلمًا فيها مطلع العام 2017م، بسبب ظروف الحرب والنزوح، لأجد نفسي أواصل رسالتي التربوية في مديرية المعافر بمحافظة تعز، لكنني أعيش وضعًا إنسانيًا ومهنيًا مأساويًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى”.
وأردف” منذ مطلع العام الجاري 2025م، توقفت رواتبنا بشكل شبه كامل، وهي في الأساس رواتب مجمدة لا تشمل أي علاوات أو زيادات كما هي الحال مع زملائنا المعلمين الثابتين، لا يزال راتبي 62 ألف ريال، كما كان في العام 2014م”.
ويعمل المعلم وليد في الميدان التربوي منذ العام 2004م، ووجد نفسه عاجز عن توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، واضطر للعمل في مدرسة أخرى، براتب يعادل راتبه الحكومي.
ومضى قائلًا” مؤلم أن يمر يوم المعلم، هذا اليوم الذي خُصص لتكريم المربين وصناع المستقبل، دون أن نشعر به، لقد مرّ علينا هذا اليوم مرور الكرام، لأننا ببساطة مشغولون بالبحث عن أي عملٍ يوفر لقمة العيش لنا ولأطفالنا، كأن الفرح والاحتفاء لم يعد لهما مكان في حياتنا”.
في السياق يقول، عبد الرحمن المقطري” أمين عام نقابة المعلمين بتعز” يأتي اليوم العالمي للمعلم ومعلمو اليمن يعيشون وضعًا مأسوايًا في شمال اليمن وجنوبه، يتقاسمون الجوع والحرمان بسبب توقف صرف مرتباتهم حتى في مناطق سيطرة الحكومة والتي كان المعلم يحصل على مرتبه وإن كان لا يسد حتى ثلث الحاجات الضرورية من مأكل ومشرب وسكن ودواء”.
المعلمون أكثر شريحة مسحوقة
وأضاف المقطري لـ” يمن مونيتور” رواتب المعلمين في اليمن هي رواتب زهيدة جدا وخاصة موظفي عام 2011 تلك التي بالكاد تكفي قيمة كيس من الدقيق، والكثير من المعلمين من لا يحصلون على حقوقهم الأساسية كحصولهم على العلاوات السنوية والتسويات أو البدلات مثل بدل طبيعة عمل من التي لا يحصل عليها حوالي 8 ألف معلم ومعلمة في محافظة تعز وحدها”.
ويرى المقطري أن هناك مشكلة أخرى تتمثل بعدم صرف مرتبات المعلمين النازحين من محافظات سيطرة الحوثيين إلى محافظات سيطرة الحكومة الشرعية والذين لم يستلموا مرتباتهم منذ نهاية العام الماضي 2024م بالإضافة إلى عدم صرف علاواتهم وبدل غلاء المعيشة أسوةً ببقية زملائهم في المناطق المحررة.
ولفت إلى أنه” في النصف من العام الدراسي الماضي أضرب المعلمون بعد أن استنفدوا كل وسائل المطالبة بتحسين وضعهم المعيشي وكانت من ضمن مطالب المعلمين التي رفعتها النقابة حينها: انتظام صرف المرتبات شهريا: وصرف العلاوات والتسويات والحوافز، ورفع الحد الأدنى للأجور وتنفيذ قانون التأمين الصحي لكنه لم يتم الاستجابة لذلك من قبل الدولة”.
وأكد”حتى الآن المعلمون لم يتسلموا رواتب ثلاثة أشهر وهي: يوليو- أغسطس- سبتمبر، ويبدو الأفق مسدودًا، ولكنا سنظل نعمل من أجل تحقيق هذه المطالب المشروعة للمعلمين، ونجدها فرصة رغم ما هو حاصل من بؤس أن نهنئ المعلمين في اليمن عامة بهذه المناسبة، ونأمل أن ينالو حقوقهم كاملة”.
مناشدات عاجلة
بدوره يرى أمين المسني، رئيس نقابة التربويبن اليمنيين التعليمية بتعز أن المعلمين هم أكثر شريحة مسحوقة في الواقع وأكثر شريحة مهمشة من قبل الحكومة، خرجوا مطالبين بتحسين وضعهم المعيشي فقطعت عنهم رواتبهم التي كانوا يعتاشون منها” مشيرا إلى أن الجوع والفقر والمرض أصبحوا يهددون حياة المعلم لأنه معتمد على راتبه وهو المصدر الوحيد له.
وناشد المسني رئيس مجلس القيادة والحكومة بالنظر بعين الاهتمام للمعلم وحقوقه وكرامته، قائلًا:” أعطوا المعلم حقه، ولا تكونوا طرفًا في معاناته وتدمير العملية التعليمية” داعيًا الاتحادات العربية والعالمية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات المختصة بشؤون المعلم والتعليم، وحقوق الانسان، إلى التضامن مع المعلم اليمني في يومه العالمي”.
كما وجه رسالته إلى جميع المعلمين والمعلمات اليمنيين، بأن” اتحدوا فالصمت مذلة، وكرامة المعلم فوق كل اعتبار؛ فالمعلم لا يقل مكانة وأهمية عن الجندي في الجبهة، وهو أساس البناء ورقي الأوطان وتطورها،” مطالبا الجهات الإعلامية وكل الناشطين بالوقوف إلى جانب هؤلاء الجنود المجهولين والمتعمد تهميشهم.




