تحليل معمق- من الشراكة إلى التفرد.. كيف يحوّل المجلس الانتقالي جنوب اليمن إلى ساحة نفوذ مطلق؟

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
يشهد جنوب اليمن، وتحديداً العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الحيوية المجاورة، تحولاً جذرياً يهدد بقاء التعددية السياسية ومبدأ الشراكة الذي قامت عليه هياكل الدولة للحكومة المعترف بها دولياً. فبدلاً من الالتزام بتوافقات “اتفاق الرياض” و”مجلس القيادة الرئاسي”، يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم من دولة الإمارات، في استراتيجية منهجية لـ “تجريف الحياة السياسية” وإقصاء القوى المنافسة.
يُظهر هذا التحليل أن سيطرة الانتقالي لم تعد مجرد صراع نفوذ، بل تحولت إلى عملية هيكلية تهدف إلى تصفية الخصوم أيديولوجياً وسياسياً (كحزب التجمع اليمني للإصلاح)، والاستيلاء بالقوة على الموارد الاقتصادية والمؤسسات الحيوية كشرط مسبق لفرض مشروع الانفصال. إن هذا السلوك لا يقوّض فحسب مسار المرحلة الانتقالية الهش، بل يضع التعددية في الجنوب أمام تهديد وجودي، في ظل صمت دولي يُفسَّر على أنه “حصانة عملية” ممنوحة للمجلس في إطار أولويات مكافحة جماعة الحوثي.

السيطرة الفعلية وتفكيك الشرعية من الداخل: استراتيجية “دولة الظل”
شهد المسار السياسي اليمني تحولاً محورياً بعد اتفاق الرياض في 2019 وإعلان نقل السلطة في 2022. كان الهدف النظري لهذه الاتفاقيات هو إنهاء “الحرب دخل معسكر الحكومة الشرعية” والتحالف العربي، وتوحيد الجهود ضد الحوثيين. إلا أن تحليل سلوك المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات يوضح أن دخول في هياكل الدولة الشرعية لم يكن بهدف الشراكة الحقيقية، بل كان يمثل استراتيجية لاستيعاب السلطة والتحول من صراع تكتيكي إلى سيطرة هيكلية فعلية.
هذا ما يمكن تسميته باستراتيجية “الاحتواء المشترك القسري”، حيث يهدف المجلس الانتقالي إلى تفكيك الشرعية من الداخل عبر احتلال المناصب الوزارية والأمنية، مع الحفاظ على القوة الذاتية العسكرية والأمنية، وبالتالي شل قدرة مجلس القيادة الرئاسي على العمل كقيادة موحدة فعالة. لقد أفضى هذا المسار إلى احتفاظ المجلس الانتقالي بالسيطرة على معظم الهياكل السياسية والعسكرية والاقتصادية الرئيسية في عدن والمحافظات المجاورة.
والشهر الماضي أصدر عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي عدة قرارات تعيين هي من صلاحية رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وتدخلت وساطة دولية لوقف القرارات ومراجعتها على قدم المساواة مع قرارات رئيس مجلس القيادة منذ 2022م، وهو ما يؤكد أن سلطة المجلس الانتقالي أصبحت “سلطة أمر واقع”، فحتى صلاحية رئيس المجلس “رشاد العليمي” هي أقل من سلطة عيدروس الزُبيدي أو متساويتان لذلك خلال السنوات الماضية كانت معظم التعيينات في العاصمة المؤقتة والمحافظات الجنوبية الأخرى لأعضاء في الانتقالي حتى لو تنافى ذلك مع الكفاءات.
هذه السيطرة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل تفكيك الشرعية من الداخل عبر بناء “دولة الظل”. ففي سلسلة من العمليات الموثقة، قامت فصائل المجلس الانتقالي الجنوبي بالاستيلاء القسري على مقرات ومؤسسات حيوية من الموانئ إلى أراضي وعقارات الدولة، وساحات شركة النفط، ومقرات هيئة النقل البري، بل وتعدت إلى الاستيلاء على حرم جامعة عدن. هذه التحركات لا تهدف إلى مجرد التخريب، بل إلى فرض الأمر الواقع المؤسسي والاقتصادي، وتجفيف موارد الحكومة الشرعية المركزية وضمان أن تتبع الإدارة المدنية والمالية العليا للسلطة الموازية التي يديرها المجلس الانتقالي.
إن الهدف من هذا الاستيلاء المؤسسي هو بناء شرعية إدارية موازية داخل مؤسسات الدولة واقتصاد موازي يعتمد عليها. إن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية (عبر “التدوير الوظيفي” ودمج الموالين) والاستيلاء على المؤسسات الإعلامية الرسمية يشير إلى أن المجلس الانتقالي يسعى لإنشاء دولة ظل تدير الجنوب. تصبح الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تتبع وزارة الداخلية/الدفاع الموحدة، أداة للتفرد السياسي للمجلس الانتقالي في المحافظات الجنوبية، مما يمثل مساراً للبناء الموازي للشرعية.

“التجريف والإقصاء”: تصفية الخصوم أيديولوجياً
تُعدّ حادثة الهجوم على فعالية نسوية تابعة للتجمع اليمني للإصلاح في المكلا، حضرموت، في نهاية سبتمبر/أيلول نموذجاً حاسماً على استراتيجية التجريف الممنهج للحياة السياسية. فبدلاً من السماح بنشاط سياسي مرخص وقانوني، قامت عناصر مسلحة موالية للمجلس باقتحام القاعة ورفع أعلام الانفصال، ما أكد أن الدافع هو سياسي وأيديولوجي صريح يهدف إلى تصفية الوجود السياسي للقوى التي تمثل امتداداً لمبدأ الوحدة.
يتوازى هذا القمع الميداني مع خطاب التجريد المتطرف المستند إلى الأيدولوجيا، حيث وصف القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي عمرو البيض، نشاط حزب الإصلاح بأنه “تدخل أجنبي في الشأن الجنوبي”، في محاولة لتصفية هوية الخصم وتجريده من وطنيته، وتحويل الخصومة السياسية إلى صراع وجودي يحرم الطرف الآخر من حقه في العمل السلمي.
إن التجريف الذي يمارسه المجلس الانتقالي الجنوبي لا يستهدف الإصلاح وحده وإن كان على رأس قائمته، بل هو يقوم بعملية إقصاء منهجي للقوى السياسية والمجتمعية التي لا تتفق مع الأجندة الانفصالية أو للمجلس الانتقالي. هذا التجريف لا يقتصر على المنافسة السياسية المشروعة، بل يتخذ طابع القوة والقمع. ويشمل:
أولاً: الإقصاء الممنهج للقوى المنافسة، والإصلاح في مقدمتها، واعتباره “تدخلاً أجنبياً” في الشأن الجنوبي. هذا التوصيف يحول الخصومة السياسية إلى صراع وجودي يحرم الخصم من حقه في الوجود والعمل السلمي.
وصف حزب وطني بأنه “كيان أجنبي” يعكس محاولة تضييق للأفق الوطني والقومي. ويمثل إعادة إنتاج لـ “عقلية الوصاية” التي مارستها سلطات سابقة، حيث يَنظر المجلس الانتقالي كما كانت تلك العقلية إلى التعددية كتهديد يجب محوه.
ثانياً: السيطرة على الفضاء المدني والإعلامي إذ يشترط حصول تراخيص من هيئة تابعة للمجلس الانتقالي للعمل في المحافظات الجنوبية، بهدف تكميم الأفواه وفرض رواية أحادية. وجرى الأسبوع الماضي اقتحام مقر مؤسسة “عدن الغد” واعتقال رئيسها فتحي بن لزرق قبل أن يفرج عنه لاحقاً بسبب انتقادات وجهت لقيادات في المجلس.
ثالثاً: ربط الإقصاء السياسي بضرورة الاستحواذ الاقتصادي والمالي. فبناء دولة انفصالية مستدامة يتطلب السيطرة على الموارد الحيوية، كالنفط والموانئ. إن السيطرة الفعلية على المؤسسات المالية والاقتصادية هي شرط مسبق لضمان الاستدامة المالية للدولة الجنوبية المقترحة، وبالتالي، فإن التجريف الاقتصادي يسير جنباً إلى جنب مع التجريف السياسي.
الدوافع المركبة: السيطرة الاقتصادية كشرط لاستدامة الانفصال
لا تقتصر دوافع الانتقالي على التفرد بالقرار السياسي فحسب، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بضرورات الاستدامة الاقتصادية لمشروع الانفصال المنشود. فبناء دولة قابلة للحياة يتطلب سيطرة مطلقة على الموارد، خاصة في المناطق النفطية.
ويسيطر المجلس الانتقالي على معظم الموانئ جنوبي اليمن بما في ذلك ميناء عدن الاستراتيجي، كما يسيطر على معظم آبار النفط في حضرموت وشبوة. وتُعد السيطرة على الموانئ والنفط الأداة الرئيسية للمجلس الانتقالي لتجسيد مساعيه الانفصالية، حيث يرى أن هذه الموارد هي ملك للجنوبيين ويجب أن تكون تحت إدارة جنوبية خالصة. وكانت تُشكل معظم إنتاج الحكومة من النفط الخام القابل للتصدير قبل 2022.
ولترسيخ تلك السيطرة يحاول المجلس الانتقالي احتكار تمثيل سكان المحافظات الجنوبية بالحديد والنار، وتفكيك أي قوى محلية سياسية أو مجتمعية من خارج رحمه لتمثيل مطالب وتطلعات الناس. فالانتقالي هو واحد من المكونات اليمنية الجنوبية وحتى وقت قريب كان أحدثها (تأسس في 2017)، وفشل أكثر من مرة في جمعهم تحت مظلته. لذلك لجأ للقوة المسلحة للسيطرة على شبوة في عام 2022 وضغطت الإمارات والمجلس الانتقالي على “رشاد العليمي” لتمرير تلك السيطرة على المحافظة الاستراتيجية.
لذلك فإن استهداف حضرموت -كما في حادثة المكلا ومحاولات النفوذ الكامل على مديريات الوادي- يأتي في سياق التنافس الجيوسياسي والجهوي، يهدف من خلالها إلى تفكيك أي قوى محلية أو حزبية قد تعيق سيطرته على الموارد، مستغلاً ضعف سلطة الشرعية في تلك المناطق.
هذا ما يُعرف باستراتيجية “التفتيت الداخلي”، حيث يهدف المجلس إلى منع نشوء مراكز قوة منافسة في المحافظات الغنية لضمان عدم وجود منافس سياسي/اقتصادي يمكن أن يعرقل إعلان انفصال دولته.
قمع الحريات الإعلامية: نمط ممنهج للترهيب
يُعد القمع الذي يتعرض له الصحفيون والإعلاميون في مناطق سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي نمطاً ممنهجاً يهدف إلى “تكميم الأفواه وترهيب الخصوم”. ووثقت تقارير حقوقية هذا النمط عبر آليات متنوعة:
الأولى، الاستيلاء على النقابات: قامت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالاستيلاء على مقر نقابة الصحفيين اليمنيين في عدن، مما اضطر النقابة للعمل “سراً خوفاً من الانتهاكات”. وأسس المجلس الانتقالي نقابة موازية لكل نقابة مهنية مثل “نقابة المحامين الجنوبيين، نقابة الصحفيين الجنوبيين، نقابة الصرافين الجنوبين، ونقابة المعلمين الجنوبين، ونادي القضاة الجنوبي الثانية”.
الثاني، الاعتقال التعسفي والرقابة المؤسسية: وثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال تعسفي، مثل حالة الصحفي فهمي العليمي الذي اعتقلته قوات الحزام الأمني وأُجبر على التعهد كتابياً بعدم العمل لأي منفذ إعلامي دون موافقة من “الهيئة الوطنية للإعلام الجنوبي”. هذا يشير إلى تحول الرقابة العسكرية إلى رقابة إدارية وقانونية تفرض الولاء الأيديولوجي على المهنيين.
انتهاكات موثقة: وثقت منظمات في عام 2024 أن المجلس الانتقالي كان مسؤولاً عن 265 انتهاكاً شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، مما يثبت أن الانتهاكات هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية تصفية المعارضة.
التهديدات الاستراتيجية لسلوك المجلس الانتقالي
تُعد ممارسات المجلس الانتقالي الجنوبي دليلاً قاطعاً على فشل نموذج “حكومة المناصفة” المتمثل في مجلس القيادة الرئاسي وحكومة الشراكة. كان النموذج يهدف إلى احتواء الخلافات عبر الاندماج السياسي والأمني، إلا أن المجلس الانتقالي استخدم هذا الاندماج لتحقيق السيطرة الفعلية وتفكيك المؤسسات من الداخل.
بقمع الأنشطة السياسية المرخصة، والاستيلاء على المؤسسات الحكومية والمالية، يُثبت المجلس الانتقالي الجنوبي أنه لم يلتزم بروح الشراكة. لقد نجح المجلس في شل أو تجميد عمل المؤسسات التي لا تتوافق مع أجندته، مما أدى إلى تحويل مجلس القيادة الرئاسي إلى مجرد غطاء سياسي لواقع الانقسام العسكري والاقتصادي. هذا الفشل يرسل رسالة إلى جميع الأطراف المتنازعة بأن الاتفاقيات السياسية مجدية فقط كوسيلة لتعزيز الموقف العسكري، وليس كإطار لإدارة التنوع، مما يقوض أي مسعى مستقبلي لمفاوضات سلام شاملة.
أما النتيجة الأخطر لاستراتيجية التجريف السياسي التي يمارسها المجلس الانتقالي فهي فقدان ثقة الجمهور في العملية السياسية والديمقراطية كأداة للتغيير السلمي. عندما تُمنع القوى المعتدلة والمعارضة من العمل السلمي المنظم (كما حدث لحزب الإصلاح في المكلا)، فإن هذا يدفع الأطراف المتضررة والمجتمع المدني إلى التفكير في وسائل أخرى للمقاومة غير السياسية أو ربما المسلحة.
كما أن خطاب وسلوك المجلس الانتقالي الجنوبي يمكن يشعل صراعاً ومواجهات وحرباً أهلية -خاصة في حضرموت- لا يمكن أن يستفيد منها أحد سوى الحوثيين. إذ أن إعادة إنتاج “منطق القوة والإقصاء” الذي ساد في فترات الاستبداد السابقة يهدد بتعميق الانقسامات الاجتماعية والجهوية داخل الجنوب. وبدلاً من استعادة دولة مستقرة، فإن التفرد بالسلطة وزرع بذور الفرقة يؤدي إلى تشرذم داخلي جديد، قد يفتح الباب أمام عودة تنظيمات إرهابية أو توسع للنفوذ الحوثي في مناطق الضعف.
ثمن الصمت الدولي
رغم الإدانات المحدودة، مثل إدانة السفارة الأمريكية لحادثة المكلا، يغلب على المجتمع الدولي الصمت أو الاكتفاء بالبيانات العامة حول الحاجة إلى “الحوار” و”الشراكة”. وهذا الغياب للرد الدولي الحاسم على الانتهاكات الجسيمة (قمع الحريات المدنية، الاعتقالات التعسفية الموثقة) يُفسر من قبل المجلس الانتقالي كضوء أخضر عملي لمواصلة “التجريف”.
يعود غياب الرد الدولي إلى مبرر أن القوى الغربية والإقليمية تنظر إلى المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة ضرورية لمواجهة الخطر الأكبر المتمثل في جماعة الحوثي، ولتأمين الملاحة في باب المندب. هذا التركيز على الأمن ومكافحة الإرهاب يخلق مفاضلة استراتيجية بين الأمن والتعددية توفر للمجلس الانتقالي “حصانة عملية” للتفرد بالسلطة ويغذي تصرفاته ويهدد بتقويض أسس أي عملية سلام مستدامة في اليمن. إن فشل المجتمع الدولي في مساءلة الأطراف التي تنتهك حقوق الإنسان وتقوّض العملية السياسية المدعومة دولياً، يشجع على المزيد من الانتهاكات ويعمق أزمة الشرعية في الجنوب.
إن استمرار “تجريف” التعددية في الجنوب لن يقود إلى الاستقرار، بل إلى تشرذم أعمق وصراع أهلي داخلي جديد يهدد بتعقيد عملية السلام الشاملة. بناءً على هذا التقييم، يجب على الأطراف الفاعلة اتخاذ إجراءات حاسمة من دمج قوات المجلس الانتقالي ووضعها تحت مضلة وزارتي الداخلية والدفاع وحتى ذلك الحين على مجلس القيادة الرئاسي تفعيل آليات المحاسبة الداخلية على التشكيلات الأمنية المتورطة في قمع الأنشطة السياسية والمدنية، وإنهاء توفير الغطاء المؤسسي للمجلس الانتقالي في ظل استمراره في فرض نفسه كسلطة أمر واقع.
كما يجب على الضامنين الإقليميين (السعودية والإمارات) ربط أي دعم سياسي أو عسكري مستقبلي للمجلس الانتقالي بالالتزام الصارم ببنود الشراكة المنصوص عليها في اتفاق الرياض، واتفاق نقل السلطة..
أما المجتمع الدولي والهيئات الأممية فيجب عليها إنهاء سياسة الصمت المشروط والاعتراف بأن التعددية والديمقراطية الهشة في الجنوب هي ضحية الأولوية الأمنية. ويتوجب إنشاء آلية دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة التي تقوم بها قوات المجلس الانتقالي لكسر حلقة الإفلات من العقاب.



