توافق مشلول وقرارات معلّقة.. هل ينجو المجلس الرئاسي اليمني من أزمته؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين
بعد أيام من أزمة داخلية كادت أن تعصف بالتماسك الهش لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، اجتمع أعضاء المجلس في العاصمة السعودية الرياض ليصدروا بيانًا يقرر مراجعة جميع التعيينات الصادرة عن المجلس منذ إعلانه.
هذا القرار يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الحل: هل هو مخرج مناسب من الأزمة، أم مجرد مدخل لتوسيع نطاق الصراعات المستقبلية داخل هذه الهيئة القيادية المثقلة بالتناقضات؟
جذر الأزمة.. صراع الصلاحيات والنفوذ
تتضح جذور الأزمة الأخيرة في التضارب حول صلاحيات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وأعضائه، خاصة عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. وشكاوى سابقة لعضو المجلس طارق صالح من “الإقصاء”.
في حين تنص المسودة القانونية المنظمة للمجلس على أن حق إصدار التعيينات في المناصب العليا يقع في يد الرئيس، فإن خطوات الزبيدي بتعيين عدد من أنصاره في مؤسسات الدولة تعتبر غير قانونية.
المثير للاهتمام هو أن البيان الأخير أشار إلى قرارات العليمي والزبيدي معًا، ليتم مراجعتها على قدم المساواة. هذا التساوي في المراجعة يُنظر إليه على أنه محاولة لإضعاف سلطة رئيس المجلس، الذي لم يعلق على قرارات الزبيدي السابقة. ومنح البيان تعيينات العليمي 90 يومًا للمراجعة، وقرارات “الزُبيدي” مراجعة عاجلة دون تحديد مدة معينة من قِبل الفريق القانوني.
وتدخلت السعودية ودول أوروبية للضغط من أجل وحدة المجلس، مما يعكس رغبة إقليمية في استمراره كواجهة شرعية أمام المجتمع الدولي، حتى لو كان هشًا.
وقبل الاجتماع، صدرت بيانات لثلاثة أعضاء مدعومين إماراتيًا يطالبون بالمساواة في القرارات وعدم التفرد بها، وهو ما تحقق عمليًا عبر مساواة قرارات الرئيس بقرارات نائبه. ويعتبر مراقبون أن هذه الخطوة أضعفت هيبة رئيس المجلس الذي لم يعلّق على أكثر من 11 قرارًا أصدرها الزبيدي في مواقع تعيين حصرية لرئيس الجمهورية.
- الانفصال من الداخل: الزُبيدي يُعيد تشكيل الدولة اليمنية خارج صلاحياته ثلاثة سيناريوهات متوقعة
- منظمات إعلامية يمنية تدين اقتحام مسلحين تابعين للمجلس الانتقالي مكتب نائب وزير الإعلام في عدن
حل مؤقت لأزمة أكبر
يرى الصحفي صلاح السقلدي أن البيان يمثل معالجة لأزمة طارئة، لكن أصل المشكلة مرتبط بالتسوية السياسية الشاملة. ويصف ما حدث بأنه تكريس لثقافة “الابتزاز والتصعيد”؛ حيث يقود التصعيد الداخلي إلى اجتماعات مع الوسطاء الإقليميين، ثم صدور قرارات ترضي الأطراف.
وقال الدكتور عبد الوهاب التويتي، الباحث والمحلل السياسي، إن القرارات التي ظهرت من خلال اجتماع المجلس الرئاسي ليست ناتجة عن المجلس ذاته، بل عن “الوسطاء” في المملكة العربية السعودية، مشيرًا إلى أن المجلس الرئاسي عبارة عن كيانات مختلفة يمتلك كل عضو قواته السرية ويرفض ضمها تحت وزارتي الدفاع والداخلية.
وأضاف أن مراجعة القرارات السابقة منذ عام 2022 ستكشف للشعب اليمني “مدى هشاشة هذا المجلس ومدى عدم شفافيته في التعامل مع القرارات السيادية”.
وقال السقلدي: إن تدخل السفراء الأخير يؤكد أن الدولتين الراعيتين للمجلس مهتمتان بالحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المجلس، ليس لأنه يحقق أهدافه، بل لأنه يمثل الواجهة الشرعية الوحيدة أمام المجتمع الدولي.
اللائحة وغيابها: أزمة إدارية وسيادية
إحدى النقاط المحورية في الأزمة هي غياب اللائحة المنظمة لمهام وصلاحيات المجلس. هذا الفراغ الإداري، كما يصفه المحلل عبدالله دوبلة، جعل المجلس يعمل “بلا سقف ولا مرجعيات”، مما أدى حتمًا إلى الصراع والفوضى. وقال عضو مجلس القيادة فرج البحسني إن عياب اللائحة جعل وكأن “قوى خفية” تديره.
ويُتهم بعض أعضاء المجلس، بمن فيهم الزبيدي والعليمي، برفض إقرار هذه اللائحة لأنهم يرون أنها قد تحد من صلاحياتهم ومكاسبهم على الرغم من أن الفريق القانوني سبق أن قدمها للمجلس. هذا التركيز على تقاسم المكاسب أدى إلى تحويل الهدف الرئيسي، وهو مواجهة الحوثيين، إلى هدف ثانوي.
يذهب آخرون بعيداً إلى الأساس لوجود المجلس الرئاسي، حيث يرى النائب في البرلمان عبد العزيز جباري، أن “بداية الخطأ عندما تم مصادرة القرار السيادي اليمني وإجبار الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي على الانسحاب من المشهد”.
وقال جباري إن فرض أشخاص “ليس للشعب اليمني رأي فيهم أو قرار” هو “سابقة خطيرة” أدت إلى الوضع الحالي.

التوافق المشلول والعقبات القادمة
يؤكد الخبراء أن القرار لا يحل مشكلة، بل قد يكون سبباً في شلل عمل المجلس ومنتجاً “لمزيد من المشكلات”.
ويرى الصحفي والباحث عبد العزيز المجيدي أن الفشل في توحيد القوات يعكس اختلالًا كبيرًا في ميزان القوى. وقال: “منذ تأسيسه، لم يتم تنفيذ أهم بند في اتفاق نقل السلطة، وهو توحيد القوات العسكرية والأمنية تحت عقيدة وطنية واحدة”. هذا الإخفاق في الجانب الأمني والعسكري يعكس اختلالًا كبيرًا في ميزان القوى ويسمح لفصائل مثل المجلس الانتقالي بالاستقواء على الرئاسة.
وأضاف أن قرار التوافق على القرار، بينما قد يبدو محاولة لإصلاح المنظومة، لكنه سيؤدي إلى تعطيل عمل المجلس بشكل أكبر. فإذا أصبح كل قرار يتطلب توافقًا جماعيًا، فإن آلية اتخاذ القرار ستكون بطيئة ومعقدة، مما يجعله “منتجًا للمزيد من المشاكل والتأزم” ويصرف انتباهه عن قضايا اليمنيين الأساسية مثل مواجهة الحوثيين وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ويؤكد الصحفي بلال محمد ما ذهب إليه المجيدي، بأن الوضع في المرحلة القادمة سيكون سيئًا للغاية “كل طرف سيكون مقيدًا، ولن يستطيع أي طرف إصدار أي قرار تعيين إلا بموافقة الجميع، مما سيؤدي إلى المحاصصة دون أي معيار وطني في التوظيف”.
وأشار إلى أن “هذه البيروقراطية ستعيق عمل المجلس الرئاسي وتزيد من تعقيد اتخاذ القرارات في ظل ظروف صعبة تعيشها اليمن، بما في ذلك تدهور الأوضاع الاقتصادية وعدم دفع رواتب الموظفين”.
التأثير الإقليمي: القوة المحركة
وتتقاطع آراء السقلدي والمجيدي ودوبلة عند التأكيد على الدور المحوري للقوى الإقليمية. فالأزمة، بحسب السقلدي، أبرزت انقسامًا واضحًا بين مجموعة مؤيدة للإمارات وأخرى للسعودية، مع غياب القرار المستقل لأعضاء المجلس.
ويشير المجيدي إلى أن المجلس منذ البداية كان نتاج تسوية إقليمية هدفها تفكيك مؤسسة الرئاسة وتحويلها إلى مراكز نفوذ متنازعة.
أما دوبلة فيرى أن التدخلات الخارجية لا تنفصل عن الأزمة، فالدول الأربع (السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة، بريطانيا) هي التي تحدد مسار كثير من السياسات اليمنية، ويمكنها إن أرادت أن تنظم العلاقة داخل المجلس.
مستقبل غامض لمجلس مثقل بالتناقضات
في المحصلة، لا يمثل بيان الرياض نهاية الأزمة، بل هو مجرد فصل جديد في صراع مستمر على السلطة والنفوذ داخل اليمن. إن غياب الإطار القانوني الواضح وتعدد الولاءات يجعل المجلس الرئاسي كيانًا هشًا، تزداد مشاكله تعقيدًا مع كل تدخل إقليمي.
وما لم يتم إقرار لائحة حقيقية توحد الصلاحيات وتلزم الأطراف، وتوحد القوات بسرعة دون شروط، فمن المرجح أن تظل هذه الهيئة محصورة في دوامة من التنازع الداخلي، بعيدة عن تحقيق أهدافها الأساسية في مواجهة الحوثيين وتحسين حياة اليمنيين، وتخضع لابتزاز القوة الذي دائما ما يستخدمه المجلس الانتقالي الجنوبي لتمرير قراراته.




