آراء ومواقف

هل يمكن أن تحدث مجاعة عالمية؟

مصطفى ناجي

أعادت الحرب الروسية في أوكرانيا السؤال حول امكانية حدوث مجاعة عالمية بسبب نقص في الحبوب سيما وما تزال الذاكرة البشرية مع المجاعات طرية وشبح الجوع يلوح في أكثر من بلد. والمجاعة لا تأتي وحدها بل تأتي مصحوبة؛ مسبوقة او بالتأكيد متبوعة، بجملة مشاكل وجودية كالحرب والأوبئة وانهيار للنظم السياسية والاجتماعية.

لكن هذه الحرب تحديدا تطرح هذا السؤال بشكل ملح. والمؤسف ان شبح المجاعة هذا يهدد البلدان التي بالكاد خرجت من نير هذا التهديد وما تزال تعتمد كلياً أو بنسبة كبيرة في وارداتها من القمح على روسيا أو أوكرانيا أو عليهما قسراً.

بلدان كثيرة تنتج الحبوب خصوصا القمح والذرة والأرز. وأكبر منتج للقمح والذرة هي الصين ووهي ثاني منتج للأرز عالميا لكن سكانها البالغ عددهم مليار واربعمائة يلتهمون هذه الحصة الإنتاجية لذا لا تدخل الصين في عداد المصدرين. بالطبع هناك أمريكا وكندا أستراليا والبرازيل ودلو اخرة أوروبية بنسب اقل. وهذه دول منتجة للحبوب ومصدرة أيضا.

الا ان كل من روسيا وأوكرانيا هما بلدان خصيبان وينتجان الحبوب؛ قمح وذرة وأيضا السلجم وعباد الشمس بكثافة عالية ويصدران بدرجة رئيسة لدرجة ان ثلث بلدان افريقيا تعتمد عليهما كلياً في واردات الحبوب وبعضهما يعتمد جزئياً وكذلك بلدان أخرى في جنوب آسيا وجنوب غرب آسيا أي شبة الجزيرة العربية.

هذه الحرب التي تقود إلى تعطيل الزراعة واحراق المحاصيل وتقييد تصدير الحبوب والزيوت ولأنها تدور الى اللحظة في اهم موانئ أوكرانيا تلقي بضلالها على الطعام وتهدد بخلق ازمة غير مسبوقة.

تمثل روسيا وأوكرانيا ثلث مصدري القمح في العالم. وهناك كمية كبيرة جاهزة للتصدير من الموانئ الأوكرانية لكن ابتزازا روسياً هو الحائل دون وصول هذا القمح. تسيطر روسيا على موانئ اوكرانيا والتي يمر عبرها القمح الى البحر الأسود وبالتالي الى العالم. مقدار ما كان يخرج من هذه الموانئ هو 7مليون طن شهرياً. وقد استولت روسيا على بعض المخازن واعادت استخدام قرابة 400 ألف طن من هذا القمح لصالحها.

وبدائل هذه الموانئ امر معقد تقنيا لأنه ينبغي ان يمر براً عبر قطارات الى رومانيا او بولندا وأكبر قدرة للنقل هي 2 مليون طن شهريا. فضلا عن ان المساحة بين قضبان السكك الحديدية الأوكرانية لا تتطابق مع السكك الحديدية الأوروبية الأخرى ولهذا ينبغي معالجة هذا الاشكال الفني بأنشاء شكك موازية الى أقرب الموانئ وهذا يتطلب بعض شهور.

ونقطة أخرى هامة هي ان هذه الحرب تدور او تقترب من اهم حقول انتاج الحبوب في أوكرانيا أي في الجزء الشرق والشرق جنوبي من البلاد. (انظر الصورة)

لكن هذه ليست الازمة الوحيدة. هناك ارتفاع في الأسعار اجمالا وارتفاع في تكاليف الشحن أيضا.

وقبل هذا هناك إشكالية بنيوية في مسالة الطعام في العالم نوجرها بالتالي:

زيادة في عدد البشر من قرابة اثنين مليار في بداية القرن الماضي الى قرابة 8 مليار نسمة الآن. لكن هذه الزيادة كانت أيضا مصحوبة بتحسن في نوع الحياة وارتفاع الطبقة الوسطة وارتفاع الطلب على اللحوم والالبان. حليا البشر بهذا العدد يحصلون على لحوم وحبوب أكثر مما كانوا قبل عام 1960.

الارض التي استصلحت لزراعة الحبوب من عام 1960 لم تتوسع كثيرا (من قرابة 580 مليون هكتار الى 670 مليون هكتار) بينما ارتفع معدل الإنتاجية بشكل مهول.  (مرفق الصورة)

تنتج الصين كل كمية الحبوب حاليا من عشر اراضيها فقط لكنها تملك نصف عدد السدود الضخمة في العالم.

هناك ازمة كونية تتمثل بزيادة حرارة الأرض بسبب التلوث وسوء استخدام الموارد وهلج الإنتاج وبالتالي انتاج تقلبات مناخية عاصفة تتمثل ببرودة شديدة في الشتاء واتلاف المحاصيل ويقابلها اما امطار غزيرة جارفة (قبل عام تعرضا مناطق في المانيا وبلجيكا لأمطار وسيول وفيضانات جرفت كل ما هو امامها في وقت وجيز) او جفاف شديد وعادة يكون الصيف ملتهبا يهدد الغابات والمحاصيل بالحرائق (العام الماضي انتشرت حرائق من تركيا الى رومانيا الى تونس والجزائر وجنوب فرنسا). الحرائق في الغابات الروسية أكثر من أي بلد الى درجة تشكيل وزارة معنية بهذا الامر. والفيضانات ستنال من سدس سكان الأرض في الأعوام القريبة القادمة وتضرب القوس الصحراوي من الدمام إلى نواكشط او أوروبا وامريكا. ناهيك عن فيضانات الجنوب الاسيوي.

ما يزال الإنتاج العالمي من الحبوب أعلى من الاستهلاك (مرفق الصورة) لكن المشكلة هي ان 80% من الذرة ونصف القمح يقدم طعاما للحيوانات التي تربى لإشباع حاجة الناس من اللحوم. كما ان نصيب كبير من الذرة المزروعة في أراض كانت غابات وازيلت هو لإنتاج الوقود الحيوي.

بمعنى اخر انه لا مشكلة في الانتاج. بل انه لا مشكلة في زيادة البشر (بالمطلق) انما المشكلة في سوء السياسات. والمجاعة لا تأتي دون خلل في السياسة وليست عارضا طبيعيا كما قد يتصور البعض. ناهيك ان التحسن في الظروف المعيشية خلق عادات غذائية هي سمة اجتماعية أكثر من كونها احتياج فسيولوجي او نتيجة للعرض والطلب. على سبيل المثال زاد الطلب على الأفوكاتو وهي ثمرة ذات مزايا كثيرة لكنها الأكثر انهاكا للأرض وإسرافا للمياه.

ثم ان إننا ما نزال عند استخدام عدد معين من المحاصيل ونرفض استكشاف بدائل او تجريب محاصيل أخرى. استهلاكنا للقمح يلبي حاجات صناعية كثيرة بالدرجة الأساس لكنه لا يعكس حاجة جسدية. هناك قمح غير صالح في الصناعات الغذائية لكنه يصلح كغذاء يتناول بطرق مختلفة. الشوفان أيضا غير رائج على عكس القمح الأبيض.

بالعودة الى ما حصل بعد عام 1960 في زيادة انتاج الحبوب وتحويل القمح إلى سلعة مبورصة تدفقت بسعر رخيص من بلدان العالم الأول الى بلادن العالم الثالث وبالتالي قضت على المحاصيل المحلية عالية الكلفة او التي تتطلب عملاً شاقا وبهذا فُقدت تقاليد انتاج محاصيل كانت كفيلة بسد فجوة الامن الغذائي. ثم ان برامج الأمم المتحدة في مساعداتها الغذائية كرّست اعتماد شعوب عديدة على المساعدات دون تقديم بدائل في الإنتاج. تقدم بعض برامج الأمم المتحدة اغدية وألبان وحلويات معلبة تم انتاجها على بعد عشرات الاف الكيلومترات بينما لا تقدم أي برنامج للإنتاج المحلي يتطلب استثمارات متسوط المدى او يدفع الأهالي الى الاعتماد على الذات.  وإذا حدث وظهر برنامج كهذا فانه حصري محدود الأثر ويشوبه سوء إدارة وهدر موارد. في اليمن نماذج كثيرة.

في خلاصة الامر، ستظهر ازمة غذاء جراء هذه الحرب لن تتضرر منها أوروبا او أمريكا أو الصين. انما افريقيا أولاً وبعدها بعض دول آسيا حيث الحروب والدول المنهارة او شبه المنهارة كاليمن.

الا ان فك هذه العقدة يكمن في حلول سياسية واستشعار للخطر الكبير. يمكن للصين ان ترفع معدل انتاجها وتتحول الى مصدر للحبوب أيضا. كما يمكن اعتماد حلول تقنية وتوسيع حصص بعض المحاصيل وتغير نظام اطعام الحيوانات. بينما أفضل الحلول هو ايجاد سياسة أمن غذائي في البلدان المعنية وتشجيع الزراعة المحلية وتحسن وسائل وأدوات الإنتاج. عملاً ان هناك جدل حول أخلاقية الاتجار بسلع رئيسة كالقمح وهل يجب ان تخضع لمبدأ الطلب والعرض.

كُتب هذا المقال بالاستناد الى تقارير ومعطيات من مواقع متنوعة (franceinfo،passioncereales.fr ،fao ، olivierfrey، الحزيرة نت)

 

نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى