آراء ومواقف

التعليم في خدمة تمدد الهويات القاتلة.. (اليمن كنموذج)

يحيى اليناعي

يهتم التعليم بتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، لأن من شأن تراجعها أمام الهويات الفرعية أن يفتح الطريق إلى جهنم.

منذ أعوام، حذرت النقابة من مخاطر الهويات القاتلة، والمحاولات الحثيثة لإدخال أيديولوجيا الثورة الخمينية إلى اليمن من خلال التعليم العام.

وانشغلت برؤية ما هو أبعد من المعركة العسكرية، ذلك أن جعل المذهبية والطائفية تغطي صراع المصالح والحروب والأطماع السياسية يحول البلدان إلى حمامات دم لمدى طويل.

منذ العام 1979م سعت إيران إلى “تسييس الهوية الشيعية وتوحيد التركيبة العرقية للمجتمعات الشيعية تحت سقف دولة إيران، كما سعت إلى دمجها بهوية الدولة الإيرانية القائمة على فلسفة ولاية الفقيه” وفقا للباحث العراقي فراس إلياس.

وقد لاحظ الباحث الغربي توبي ماثييسن فيما أسماه ب”المجال العام الشيعي” أن الجماعات الشيعية الموالية لإيران باتت تعتبر نفسها بالفعل رابطة عالمية تحت السلطة الروحية والسياسية للمرشد الأعلى الإيراني خامنئي.

وأن “مثل هذه الرؤى تبلورت بفعل وحدة الهدف في نزاعات المنطقة التي كلما طالت، كلما أصبحت أكثر صراعات تستند إلى سياسات الهوية، وهذا بدوره سيُعزز وينمّي أكثر الروابط بين إيران ووكلائها”.

ربما هذا الأمر يعيدنا لصامويل هنتنغتون الذي طرح في كتابه “صدام الحضارات” خريطة جديدة لإعادة تقسيم العالم على أساس الهوية الثقافية، وأنذر بحروب من نوع آخر تقلب موازين القوى العالمية.

كقاريء لكتاب الهويات القاتلة من تأليف “أمين معلوف” يمكن أن تخلص بنتيجة لم يعرض لها المؤلف صراحة، لكنها تؤشر لوجود مساعي تهدف لاستنهاض الهويات الفرعية “الطائفية والعرقية والإثنية والسلالية” لتغيير وجه المنطقة العربية.

وقد شكل سقوط بغداد في 2003م إيذانا بصعود الهوية الشيعية “القاتلة” وبمرحلة جديدة انتقلت المنطقة على إثرها لتصبح في عهدة العنف والدم والفوضى والحروب الداخلية.

‏اللافت أن “بول بريمر” الحاكم الأمريكي العسكري السابق للعراق كشف مؤخرا عن الهدف الفعلي من غزو العراق، وأنه يأتي في سياق دعم تمدد الهويات القاتلة.

بريمر قال في لقاء مسجل مع ‎قناة الجزيرة بتاريخ 21 مايو 2019م (عندما أطحنا بالرئيس العراقي ‎صدام فقد أطحنا أيضا بألف سنة من “التسلط السني” في بلاد ما وراء النهرين بداية من الخلافة العباسية مرورا بالأتراك وصولا إلى المملكة الهاشمية.

لذلك كانت الأقلية السنية متسلطة على البلد لألف سنة، في اعتقادي كان هذا الوضع أيضا غير سليم، ولهذا كان مجرد الإدانة غير كاف) .

وحينما سأله المذيع: ولماذا لم تفعلوها  في سوريا “يقصد الإطاحة بتسلط العلويين وأسرة الأسد” ؟

أجاب بريمر: “هذا خطأ، لا ينبغي أن نأخذ على عاتقنا إسقاط العلويين، فبالتأكيد  سوريا غير متزنة وهي أسوأ حالا من العراق”.

اليوم بات من السهل رؤية كيف يمكن أن يؤدي صعود الهوية الشيعية بوصفها هوية “قاتلة” إلى تفاقم الصراع الطائفي والتناحر المذهبي في المنطقة وتحولها إلى حروب طاحنة وأنهار من الدماء.

هل التشيع هوية قاتلة من حيث الفكرة؟

وفقا لأمين معلوف ففي الهويات القاتلة يكون التعرّف على الذات وتعريفها أيضا منطلقا من الجوانب الطائفية أو الإثنية والعرقية.

وتتحوّل الارتسامات الدينية واللغوية والحضارية إلى “عصبية” إثنية، بمقتضاها تصير للطائفة قائد وللطائفة سلاح ومشروع في العمق هو مشروع إبادة، وفي الظاهر هو مشروع إنقاذ.

هكذا تولد الهويات القاتلة، وهكذا يتحول الأفراد إلى جماعات مفترسة، وهكذا أيضا يصبح القتل والإبادة الجماعية موطن اعتزاز في نظر الجماعات المهيمنة.

أما الفيلسوف وعالم الاجتماع الهندي أرجون أبادوراي في كتابه “الخشية من الأعداد الصغيرة” فيقول إن الجماعات الهوياتية تتحول إلى “جماعات مفترسة بمقتضى التنميطات المتبادلة التي تمارسها الجماعات الدينية والعرقية والمذهبية على بعضها البعض، فعملية التنميط ووضع اللافتات التي تشيطن الآخر وتلبس الذات ثوب الملاك، وذلك من قبيل تأسيسها لمنظومة متكاملة من الادعاءات والصور النمطية ضدّ الجماعات الأخرى.

وسواء سمينا حالة الارتكاس الهوياتي بالقتل، أو وصفناها بالافتراس، فإن محصلة الإبادة والاقتتال ورفض العيش المشترك وانتشار الصور النمطية التحقيرية والسرديات التمجيدية للذات والنحن الجماعي وغيرها من التمظهرات المتطرفة، تصبح بمثابة المعول الهدام لقتل التاريخ الإنساني وهدم مقولة التمدن”.

وكل ما سبق ينطبق على الهوية الشيعية بوصفها فكرة مفخخة تحض على العنف وتغذية النزعة العدائية لأتباع المذهب واستنهاضها لتحقيق القوة والسيطرة.

ولم يعد خافيا أننا إزاء حروب مختلفة تتكيء على هوية مذهبية ملتبسة بالعنف وغارقة في الدم ودعوات الثأر لأحداث حصلت قبل 14 قرنا.

“رحلة الموت في اليمن”

بعد سقوط بغداد في 2003م وصعود الهوية الشيعية “القاتلة” شهدت المنطقة توترات عديدة.

لتبدأ بعد ذلك التاريخ بعام رحلة الموت والخراب في اليمن، وتشهد محافظة صعدة أول حرب بين جماعة الحوثي المدعومة من طهران وبين الدولة اليمنية في يونيو 2004م.

ففي أقاصي اليمن شمالا، وعلى حدود التماس مع السعودية، كانت قد تشكلت هوية شيعية عابرة للحدود الوطنية ومرتبطة بالسلطة في إيران.

حدث ذلك بعد أن تأسس منتدى ثقافي باسم “الشباب المؤمن” بمحافظة صعدة مطلع التسعينيات الفائتة.

تحددت وظيفة المنتدى في شحذ الهوية المذهبية، والتعبئة للتمرد والحرب، والاستثمار في طاقة العنف لدى شباب محافظة صعدة، وتشكيل جيل يؤمن بولاية الفقيه، يمكن استخدامه في أي لحظة للانقضاض على كيان الدولة اليمنية ودول الجوار لمصلحة طهران.

من المهم التذكير أن تطلعات الحوثيين والإماميين للحكم والسيطرة تعود لما قبل هذا التاريخ.

كما أن التطلعات الطائفية الإيرانية تعود إلى سلوك الخميني وخطاباته غداة ثورة 1979م.

وفقا لتقرير صحيفة البيان فإنه “عقب سنوات قليلة على قيام ثورة الخميني في إيران، أي مطلع الثمانينيات، توجهت أنظار الطامحين لإعادة حكم الأئمة في اليمن نحو طهران، والنظام الجديد هناك، بحثاً عن الدعم.

وما إن حل العام 1985 حتى حط بدر الدين الحوثي الرحال في مدينة قم، المركز الديني الأبرز والأهم في إيران، ليتخذها مركزاً لإعداد خطته، ولإرسال واستقبال الشباب من محافظة صعدة، بعد تدريبهم وتأهيلهم فكرياً وعسكرياً واستخباراتيا.

عمل تنظيم الشباب المؤمن على إقامة المنتديات والمعسكرات الصيفية في أكثر من منطقة، إلى جانب الحوزات العلمية، وكان بدر الدين الحوثي يضفي عليها الشرعية المذهبية، ويبارك جهودها، ويحض القبائل على تسجيل أبنائهم فيها.

وكان الشباب، وأغلبهم من صغار السن، يتلقون في هذه المنتديات والحوزات تعليماً مذهبياً متطرفاً قائماً على النقاء السلالي، والأحقية في الحكم، كما كانوا يجبرون على مشاهدة أفلام عن سقوط نظام الشاه في إيران، وكيف قامت ثورة الخميني، ويتولى قادة في التنظيم شرح مضامين تلك الأفلام وحض المتلقين على تمثلها، والاستعداد للتضحية والثورة المماثلة.

ومع نهاية حرب صيف 1994، قرر بدر الدين الحوثي العودة إلى قم إيران.

ثم عاد بعدها لتواصل جماعته استقطاب صغار السن للحوزات حتى وصل مرتادوها في عام 2000م إلى 15 ألف فتى”.

وجماعة الحوثي بهويتها المذهبية اليوم  تعتبر نفسها بالفعل ضمن رابطة عالمية تحت السلطة الروحية والسياسية للمرشد الأعلى الإيراني خامنئي.

“التعليم في خدمة الهوية القاتلة”

منذ الحرب الأولى التي تمرد فيها حسين الحوثي على الدولة في 2004م، كان الحوثيون يضعون أيديهم على المدارس في القرى والمديريات التي يسيطرون عليها.

ويستبدلون الكادر التربوي فيها بعناصر حوثية تلقن الطلبة أفكار جماعة الحوثي، وتطمس لديهم الهوية اليمنية، وتمنع ترديد النشيد الوطني، وتستبدله بالصرخة وهتافات الولاء للحوثي، فيصبح تطمس الهوية الوطنية، بغرض خلق واقع فكري واجتماعي جديد تحرسه بقوة السلاح.

وبعد الانقلاب في 21 سبتمبر 2014م  سارعت جماعة الحوثي فور سيطرتها على صنعاء لتعطيل عمل اللجنة العليا للمناهج واستبدالتها بمجموعة من الأكاديميين الموالين لها، والذين شرعوا بدورهم في تغيير المناهج الدراسية للمرحلتين الأساسية والثانوية.

وتبين أن محتوى التغييرات يركز على إقناع الطلبة بأن الهوية الإسلامية مرتبطة أساساً بأن يكون الإنسان معتنقاً لفكر الحوثي والمذهب الديني للسلطة في إيران.

وأن محتوى التغييرات يكثف من البعد الطائفي بما يجعل من “المذهب الشيعي” هو أساس الثقافة الدينية وليس الإسلام.

وتأكد أن جماعة الحوثي تعمل لجعل التشيع فوق الوطني، ولتشكيل هوية شيعية عابرة للحدود الوطنية ومرتبطة بسلطة إيران.

وتكافح بإصرار لجعل المناهج الدراسية في اليمن أساساً لتشكيل هوية الجيل القادم من اليمنيين في مناطق سيطرتها.

ولا يمكن لأي مراقب فصل تسييس المناهج والتعليم عن مجريات الحرب والصراع الهوياتي في اليمن والمنطقة، فقد باتت الكتب والمدارس في صنعاء وثمان مدن يمنية ساحة لمعركة حقيقية تخوضها جماعة الحوثي المدعومة من إيران بالتوازي مع حربها العسكرية.

ولفهم حقيقة ما يجري في اليمن سيكون على المهتمين عدم حصر الحرب الدائرة منذ 7 سنوات متوالية على الجانب العسكري، فثمة حروب أخرى غائبة عن الإعلام الدولي كحرب  الهوية وتسييس المناهج والتعليم التي تأتي في سياق صراع إقليمي طائفي.

ذلك أن إيران تعمل على شحذ الهوية المذهبية وتوسيع حركة التشيع في اليمن عبر  التعليم كاستراتيجية طويلة الأمد ضمن مشروع متكامل لترسيخ وجودها في اليمن، ولتعزيز نفوذها سياسيا وعسكريا وثقافيا في المنطقة، بدأ ذلك في لبنان وانتقل إلى العراق وسوريا، ويحدث حاليا في اليمن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى