أخبار محليةاخترنا لكمالأخبار الرئيسيةتقارير

تصاعد خطاب الكراهية في اليمن.. جهود فرز المجتمع ودور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي (تحقيق خاص)

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فايقة حسين

تطغى أخبار الحرب في اليمن، والتحشيد العسكري والسياسي على الانترنت شاملاً شبكات التواصل الاجتماعي، ما يزيد من خطاب الكراهية بين الأطراف. فيما يشبه الفوضى العارمة والتي تضعف مصداقية وسائل الإعلام وتسبب تفاقم الخلافات.

وتغيب منظمات متخصصة لرصد خطاب الكراهية، وتنبيه المجتمع تجاه الشائعات، وهو ما يفاقم حالة فرز المجتمع، وطغيّان الهويات الفرعية على الهوية اليمنية الجامعة.

 

تأجيج الصراع

وتشير الناشطة الحقوقية في مدينة تعز “مها عون” إلى أن خطاب الكراهية يؤيد التحريض على العدوانية، والعنف، فهي تشكل خطورة كبيره على المجتمع. كما أنها “تعمل على تأجيج الصراع وهذا ما نراه حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، فكان التأثير بشكل مباشر على جميع الفئات حتى الفئة المثقفة تأثرت بشكل او بأخر”.

ولفتت “عون” في حديثها لـ”يمن مونيتور” بأن العداوة وثقافة ألا تسامح انتشرت وزادت من حدة الصراع الأهلية الداخلية والخارجية ولم تقتصر الحرب فقط حرب اقتصادية او سياسية وانما شملت جميع جوانب الحياة لذلك اليمني يتقبل أي نوع من أنواع النقاش حتى لو كان مؤثراً ويدعو للكراهية.

مشيرة إلى أن ما يحدث بشكل عام لليمنين هو امتداد لخطاب طائفي في أكثر من بلد.

وتقول عون: بأن القوانين بشكل عام غير مفعله لقضايا شائكة مجتمعية ولا تؤخذ بعين الاعتبار إذ قد تعتبرها الجهات المختصة ” بأنها قضايا غير هامة،”

في مايو/أيار الماضي رحبت الأمم المتحدة بالخطوات التي اتخذتها شركات التواصل الاجتماعي لمنع استخدام منصاتها للترويج للكراهية والعنف والتظليل. وقالت عون إن “هذا ما يتطلبه الوضع الحالي”.

مضيفة: نحن في الوضع راهن نحتاج فيه لملمه الاوضاع ونشر ثقافة السلام والتعليم ولابد من توحيد اصواتنا وجهودنا.

احتقان وتفكك المجتمع

ويرى ياسر المليكي وهو محام وناشط سياسي بأن خطاب الكراهية كان له دور كبير في الوصول بالأوضاع اليمنية إلى هذا المستوى من الاحتقان وتفكك المجتمع، فإن لم يكن خطاب الكراهية سبب للنزاعات فهو أكبر عامل مساهم في تأجيجها وزيادة اشتعالها.

ويقول المليكي لـ”يمن مونيتور”: إن ذلك الخطاب يكاد يعمي أطراف أي نزاع من الانصات للسلم أو الجلوس على مائدة الحوار، وذلك ما يشحن الأطراف بالتوتر وعدم الخضوع وزيادة التحريض، سواء في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل، وساهم في هذا الاحتقان الذي نراه مثلاً في تعز أو المحافظات الجنوبية، أو بين المكونات السياسية والاجتماعية.

وتصاعدت الحرب في اليمن منذ عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم محافظات البلاد ما أجبر الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، المعترف بها دوليا، على الفرار من العاصمة صنعاء. وفي مارس/أذار2015 تشكل التحالف بقيادة السعودية لدعم الحكومة الشرعية ومنذ ذلك الوقت ينفذ غارات جوية ضد الحوثيين في أكثر من جبهة.

ويشن التحالف غارات جوية بشكل مستمر على مناطق سيطرة الحوثيين، ويطلق الحوثيون في المقابل صواريخ على المملكة العربية السعودية.

وقتل عشرات الآلاف نتيجة الحرب وتشير تقديرات غربية إلى سقوط أكثر من 100 ألف يمني خلال السنوات الخمس. كما تسبب القتال الدائر في البلاد بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، حسب الأمم المتحدة، إذ يحتاج نحو 24 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية أو الحماية، بما في ذلك 10 ملايين شخص يعتمدون على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة.

الحرب وراء خطاب الكراهية

أما الصحفي طه صالح فيرى أن “الحرب انتجت خطاب للكراهية لم يكن متواجداً قبلها، حيث أدت الحرب إلى انقسام فئات الشعب، كل جزاء يناصر طرف من الأطراف، وكما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة لانتشار الكراهية والتحريض المتبادل بين الجميع، يومياً تعج الصفحات مواقع التواصل بخطابات الكراهية، وحالة الاستقطاب السياسي هو أحد أبرز أسباب انتشار الكراهية إذ أصبح الوسط الإعلامي يمثل توجهات محدد لها أهداف سياسية وتستخدم هذه التوجهات خطاب الكراهية لمحاولة السيطرة على فئات محددة والنيل من الفئات الأخرى.

ويشير طه صالح في حديثه لـ”يمن مونيتور”: من نتائج الحرب سيطرة جماعات ذات أبعاد وميول مناطقة وعنصرية فئوية كرست ونقلت هذه الجماعات خطاب التفرقة العنصرية والكراهية إلى دوائر ومؤسسات الدولة وأصبحت تتعامل مع الناس بشكل فئوي وبعضها بشكل مناطقي مما كرس لدى المجتمع ظاهرة الفئات، وقامت هذه الجماعات باستخدام قوانين جديدة خاصه بها، تقوم على ضوئها بالتعامل مع المواطنين في أي حال.

ويضيف صالح: ونتج عن كل هذه التصرفات أحداث شرخ وانقسام بين المجتمع اليمني المتعايش منذ آلاف السنين.

تأصيل الخطاب

وفي إجابة على تساؤل متى يظهر خطاب الكراهية، يقول الدكتور فيصل علي رئيس مركز يمنيون للدراسات: يظهر هذا الخطاب أوقات الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى في حالة الجدل الثقافي والفكري، يزيد وينقص هذا الخطاب عند مختلف الجماعات والأحزاب والأفراد والجهات، لكنه يصير مقلقا عندما يتجاوز السقف الوطني سقف الدولة والوطن والشعب والدستور والقانون.

ويضيف “علي” في حديث لـ”يمن مونيتور” أنه جرى تجاوز هذا السقف عندما “انقلبت الهاشمية السياسية على الدولة والشعب والدستور وعلى الهوية اليمنية ظهر خطاب الكراهية والعنف والإرهاب التكفيري الذي يبيح المؤسسات والأرواح والقيم والثوابت الوطنية، وهو خطاب طائفي بكل ما تعنيه الكلمة”.

وتابع: رافقه فعل موازي في الواقع تحركت الآلة العسكرية التي كان يفترض أنها تابعة للجيش والدولة لكنها كانت قد انحازت منطقياً ومذهبياً وطائفياً، مع الهاشمية السياسية، وتحول الجنود الجمهوريين إلى عكفه عادوا إلى ما كان عليه آبائهم إبان سلطة الإمامة والكهنوت.

ويرى فيصل علي بأن خطاب الكراهية ينبع تأثيره من كونه توجه لدى أفراد وجماعات منظمة تحمل السلاح “ميليشيات ” تذهب بالخطاب وتحوله من مجرد كلمات ورسائل إلى أفعال على أرض الواقع.

ومؤكداً بأن لخطاب العنف تأثيره على الأمة اليمنية، بموجب خطاب العنف الذي انتجه انقلاب الهاشمية السياسية رأينا خطابات مشابهة جهوية وقروية موازية لخطاب الطائفية، وظهر خطاب عرقي لا يقل خطورة عن الخطاب الطائفي وهذا أثر في الواقع وفي السلوك وفي نفسيات مرسلي الخطابات العنيفة وفي متلقيها على حد سوأ ولهذا الخطاب أثر على اليمنيين أنفسهم.

تحولات الحرب

وقال “طه صالح” إن “تحولات الحرب جعلت من الكراهية واقع معاش لا يستطيع اليمني الفرار منه، وكما نلاحظ الحرب التي دارت ضد تعز أصابت أبنائها بعقدة من أبناء المحافظات الشمالية كونهم جاؤوا للهجوم على المدينة من خارجها ورغم أن تعز كانت أكثر المدن والمحافظات تعايشاً، أصبحت اليوم فئات كثيرة من المجتمع مصابة بعقدة من أبناء المحافظات الشمالية”.

كما يشير “صالح” إلى “ثقافة الانفصال التي كرسها المجلس الانتقالي الجنوبي –المدعوم من الإمارات- في عدن والمحافظات الجنوبية وعمليات التهجير التي طالت أبناء تعز، والحديدة كانت نتيجة حملات تحريض وكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي وفي أرض الواقع إذ أصبح أبناء تعز يشعرون بالتهديد أثناء مرورهم في المحافظات الجنوبية”.

ويقول صالح: الأثر الناتج عن خطاب الكراهية هو تقسيم المجتمع وتشتيت أوصاله كما أدى إلى تدمير ثقافة التعايش التي كانت هي السمة الأبرز لليمنين.

ويلقي صالح باللوم على الحرب ودور وسائل الإعلام التي قال إنها تحولت من وسائل “تهدئة للشارع إلى وسائل تحريض ونشر للكراهية، لأن هذه الوسائل تتبنى سياسية مفروضة عليها من الجهات الممولة”.

وتكمن خطورة الوضع اليوم من وجهة نظر “طه صالح” إلى أن “نتائج خطاب الكراهية الذي يسود المجتمع اليمني سيبقى أثره لعشرات السنين القادمة ولن ينتهي أثره بانتهاء الحرب، بما أن التشريعات اليمنية نشأت في مجتمع متعايش ولم يكن متواجد فيها خطاب الكراهية أو التحريض الذي كانت أخلاق اليمنيين وقدرتهم تتنافى مع هذا الخطاب”.

 

خطاب مقصود ومنهجي

ويشير الناشط الحقوقي صلاح الدين الروحاني إلى أن خطاب الكراهية “المنتشر بين اليمنيين هو خطاب مقصود ومنهجي خضع لتخطيط مؤسسي من قبل مؤسسات متخصصة في أساليب الحرب النفسية بقصد تجزئة النسيج الاجتماعي اليمني وإلغاء قيمة التعايش مع الآخر وعدم الاعتراف به.

وأوضح الروحاني في حديث لـ”يمن مونيتور”: بأن خطاب الكراهية الذي نجده لدى العامة من الناس لم يكن قط وليد الشعور الذاتي، بل عملية غرس ثقافي، يفهم في سياقات الحروب النفسية، التي شنت على الانسان اليمني في نسقه الاجتماعي والحقيقة ان مواجهة خطاب الكراهية يجب أن يواجه بخطاب آخر يدعو للتعريف بالأخر والتعايش معه.

معالجة 

ويقول “فيصل علي” إن التشريعات في اليمن وخارج اليمن تجرم العنف ومنه ما هو جنائي ومنه ما هو إرهاب، لكن بسقوط الدولة في انقلاب21سبتمبر/أيلول 2014 توقف العمل بالتشريعات والبلد بسبب الحرب في حالة شلل تام.

مشيراً بقوله بأن التربية والتعليم والاعلام والثقيف والتشريع مهمة لمواجهة خطاب الكراهية. ولا بد من تشريعات تجرم العنف والإرهاب، وتجرم الهاشمية السياسية وكل العنصريات التي جلبتها سواء أكانت عرقية أو جهوية أو طائفية كل من يعتدون على الوطن بالكلمة والسلاح لابد من مواجهتهم عبر مقاومة شاملة حتى تذهب الفتنة والعنف وخطاب الكراهية الداعي للعنف والإرهاب.

وقالت “عون” إن القانون اليمني “لم يهتم لمثل هذه القضايا باعتبارها غير مهمة وإنما عمل على تقييد الحريات لمن يعبر عن رأيه”.

وأضافت: أنه بأحد زيارتها إلى أقسام الشرطة بمدينة تعز كانت هناك مجموعة من الورق على رف مكتب مدير القسم كانت لمنشورات كلها تتبع صحفيين وإعلامين متهمين بالتحريض، لم يتم استخدام القانون للحد من خطاب الكراهية.

وأشارت إلى أن ذلك ” ولهذا القانون لا يعمل على الحد من خطاب الكراهية وإنما يقوم على تعزيز الكراهية ونشر الخطابات التحريضية بطريقة غير مباشرة”.

من جهته يشير المليكي إلى نص الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ينص على منع أي دعوة للكراهية من شأنها تشكل تحريضا على العنف أو التمييز أو المعاداة.

ولفت المحامي والناشط السياسي إلى أن القانون اليمني لم يجرم نصاً الخطأ. لكنه –أي القانون- جرّم “خطاب الكراهية والازدراء في قانون العقوبات وقانون الصحافة والمطبوعات، وكانت مسودة الدستور اليمني الجديد قد نصت على أن تعمل الدولة على ترسيخ قيّم التعايش ونبذ ثقافة الكراهية، لكن للأسف هذا المشروع تم وأده في 2014، وبالتأكيد كان لخطاب الكراهية المندفع دور فيما حدث في ٢٠١٤ وحتى الآن.

من جهته يؤكد “صالح” على ضرورة أن تتضمن القوانين والتشريعات اليمنية على نصوص واضحة لتجريم “خطاب الكراهية” ومعاقبة من ينشرها سواء كان توجه فردي أو مؤسسي.

ويعتقد أن “الحد من خطاب الكراهية أصبح ملزماً كون الظاهرة أصبحت واقعاً”. مضيفاً: من أجل تلافي أو إيقاف الوضع الراهن يجب بالبداية تبنى مؤسسات مجتمع مدني تكون متخصصة في معالجة هذه الكارثة التي حلت بالشعب اليمني، يجب البدء بتوعية المجتمع بخطورة هذا الخطاب وإيضاح نتائجه الكارثية على المستقبل وتبني برامج لمعالجته”.

وقال طه صالح “بما أن خطاب الكراهية أصبح واقعاً من رأس وهرم السلطات والجماعات والأحزاب المتحكمة بزمام الحكم فأعتقد أنه من الضروري إدراج  نقاط ومناقشة الحد من خطاب الكراهية ضمن اي اتفاقيات سياسية مستقبلية إذ لا معنا للسلام في ضل وضع إعلامي يتبنى خطاب الكراهية”.

واقترح أن يتم “اعداد مسودة وميثاق بين المؤسسات الإعلامية والسياسية لإيقاف وتهدئة خطاب الكراهية وتبني نظرية القبول بالآخر والعودة إلى مبدأ التعايش الذي كان سابقاً قبل الحرب”. وقال إن ذلك “سوف يساعد بالتخفيف من الكراهية المنتشرة في أوساط الجهات الإعلامية”.

كما دعا إلى “العمل بشكل مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي وإعداد فيديوهات وصفحات توعية سيخفف من الوضع الحالي كون اليمني يحن للعودة للفطرة التي كان عليها”.

 

أزمة أخلاقية

فؤاد راجح وهو باحث في الشؤون الاجتماعية يقول: إن اليمن منقسم سياسياً واجتماعياً واخلاقياً، فلا شك أن خطاب الكراهية يزيد الوضع سوءً ونحن في مرحلة سيئة يجب أن ينعدم فيها الخطاب.

يعزو راجح خطاب الكراهية في البلاد إلى “الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها اليمن، ويؤثر ذلك على الخلافات المناطقية والسياسية والحغرافية والأخلاقية العسكرية”.

وأشار راجح في حديث لـ”يمن مونيتور” إلى أنه وكما هو ملاحظ في مدينة تعز “ينتمي أبنائها إلى منطقة جغرافية واحدة ولكنهم منقسمين سياسياً وأخلاقياً”.

ولفت راجح إلى أن “بعض مناطق اليمن تحرض على مناطق أخرى، وكما نلاحظ أن هناك من يحمل رأي مختلف وهناك اشخاص بنفس المدينة نجدهم يقوموا بتحريض ضدهم عل مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتابع أن شبكات التواصل الاجتماعي تزيد من خطاب الكراهية حيث يقوم بعض اليمنيين بنشر منشورات تعمق الصراعات والفرقة بين أبناء “البلد الواحد” وهي خَطرة.

وأشار إلى أن “العامل النفسي له دور يكون محاط بمخاطر واضطرابات النفسية، في وقت مفترض نتقارب في وقت نستخدم مواقع التواصل الاجتماعي والإعلامي والوسائل المتاحة لتوعية المجتمع وترك خطاب الكراهية، ونعاني من ازمه اخلاقية وليس من وعي الموطن، لأن المواطن وعيه هابط بسبب الظروف الموجودة”.

وأشار إلى أن النخب السياسية تعاني من تدخلات إقليمية في قرارها. واعتبرها راعي رسمي للنخب التي تأتمر بأمرها بدلاً من المصلحة الوطنية.

لافتاً أن القانون في هذه المرحلة في اليمن “ينعدم تماماً بسبب غياب الدولة”. موضحاً بأن اليمن تملك حكومة شرعية، ولكن هذه الحكومة ليست فعالة وتعاني من فراغ يشكل خطورة كبيرة.

وعادة عندما يتم الحديث عن القانون –يقول راجح- يتم الحديث عن “حكومة قوية وعن أمن وجيش موحد، وانعدم الدولة هو انعدام القانون ولا يوجد دولة شرعية والحكومة الشرعية عبارة عن قرطاس تستخدمها القوات التحالف لتبرير موقفهم باليمن”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى