مجتمع

«راضية» قصة نجاح مغربية… أم سورية تدخل الجامعة مع ابنها… وأطفال اليمن وقود الحرب

مريم مشتاوي

العين مرآة الروح، نظرة واحدة تكفي لرصد أحاسيس مختلفة وعكس نوايانا وطباعنا وعواطفنا، قد تكون نظرة خوف أو ارتباك أو غضب أو عشق أو فرح أو دفء.

يكفي أن نطيل النظر في عيني من نحب لتعكس لنا تلك المياه المتلالئة، وكل الخبايا النائمة في الأعماق.

ولطالما حفظنا أقوالاً وتأثرنا بها عن أهمية العين في علاقاتنا الإنسانية كـ«العين الحزينة لا تكذب» و«العين التي لا تبكي لا تبصر في الواقع شيئاً».

كنت دوماً شديدة التأثر بكل ما يقال عن العيون الحزينة، ربما لأني أرى في الدموع نوراً قد ينقذ العالم يوماً من ظلمته.

إلى أن جاء اليوم الذي تعلمت فيه بأننا عين بكل نبضنا وتفاصيل أجسادنا المرهقة من حربها المستمرة مع الحياة.

هكذا بدأت القصة، حين وجدت أن إحدى طالباتي في الجامعة عمياء، لكن فيها من النور ما يفيض مياهاً على العالم أجمع. ترى أفضل مني ومن كثيرين حولي، لقد أثبتت لي أن الفلسفة لا تكمن في العين وإنما في الإنسان نفسه. ليس كل ما يتلألأ مرئياً.

تلك الطالبة أصرت أن تدرس اللغة العربية وأن تحمل شهادة من أفضل جامعات لندن متحدية ضعفها.

تذكرتها وأنا أقرأ قصة هزت مؤخراً مواقع التواصل الاجتماعي، قصة فتاة مغربية تدعى «راضية» عمرها 22 سنة. وقعت في طفولتها وضربت عينها زجاجة فخسرتها وعاشت بعين واحدة.

قالت والدتها إن راضية كانت تخاف، بعد الحادث، أن تفتح عينها السليمة كي لا تتعرض هي الأخرى للأذى.

لم تخسر راضية عينها فقط، ولكنها تعرضت أيضاً عبر السنوات لكثير من التنمر والوجع. لقد كان بعض الأشخاص ينادونها بـ«المسيح الدجال» وبـ»القرصان».

وكانت تتساءل في صغرها لمَ كل الفتيات الأخريات لديهن في وجوههن عينان اثنتان وهي صاحبة عين واحدة؟

لطالما شعرت بالقهر ولطالما بكت، ولكنها لم تخبر أهلها عن تلك المضايقات، التي طاردتها طويلاً وما زالت تتطاردها حتى الآن.

لقد حبستها في داخلها وأقفلت عليها جيداً وتناستها كي تنجح في الحياة.

كما تعلمت كيف تتصدى لها عبر بناء جسر متين من الثقة في النفس.

كبرت راضية، وأصبحت محامية، ولكن شغفها الأكبر كان في عرض الأزياء. غير أن بعض الناس المحيطين بها حاولوا إحباطها بإشارتهم إلى عينها الإصطناعية، مؤكدين لها أنها ستفشل إن دخلت مجال الأزياء، فهو مجال تتحكم به الكاميرات، التي تسعى خلف الكمال.

حتى أن البعض نصحها أن تحبس نفسها في البيت كي لا تتعرض للأذى النفسي! وكم كانوا مخطئين.

لقد تحدت راضية قدرها بفضل إصرارها على الحياة ودعم العائلة المستمر لها، وأثبتت للعالم أن فيها من النور ما يزيد عن بريق عينين اثنتين.

هكذا جعلت من نقطة ضعفها علامة تميز ونجاح.

هي الآن عارضة مشهورة، ومحط إعجاب الملايين. صورها تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وعروض الأزياء تنهال عليها لشدة وهجها وجمالها.

تلك الصبية المغربية تعلمت كيف تحب ذاتها، وباتت تحب أن تنظر إلى نفسها في المرآة. اختارت أن تكون تلك العين المطفأة نور حياتها ومصدر قوتها وسبب نجاحها وتميزها بين عارضات كثيرات، وأنها ستحقق من خلالها كل أحلامها.

اليوم أدركت أن عينها المطفأة هي التي أضاءتها وجعلتها الأجمل.

أطفال في القمامة

ومن المغرب إلى اليمن، حيث العذاب والقهر والموت المستمر منذ أكثر من ست سنوات. لقد انتشر فيديو صادم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لأعداد كبيرة من الأطفال متجمعين حول أكياس النفايات وهم يحاولون ايجاد كسرة خبز ولو صغيرة لتهدئة شيء من جوعهم المستمر.

يقضون أيامهم بين القمامة حالمين بفاكهة هنا أو لعبة صغيرة هناك، تذكرهم بطفولتهم المهمشة، أو جزء من سندويتش مأكول يرسمون بدموعهم تكملته على الأرض. أطفال لا وقت لديهم للعب فهم منهمكون بالبحث المستمر عن أشياء لن يجدوها. يفتحون الكيس نفسه عدة مرات. يشتمون العفن نفسه ولكنهم يصرون على أحلامهم.

طفولة مشبوهة وتاريخ أسود دوّنه لهم الكبار، الذين يتقاسمون الأرض وثرواتها.

نازح من الحديدة يقول بحرقة موجعة: «نزحت بسبب الحرب. جئنا إلى عدن ما في عندنا بيوت ونعيش في أعشاش واضطرينا ناكل من القمامة»!؟

حرب دائرة في الحديدة أدت إلى فرار عائلات كثيرة وتشردهم في الطرقات. لقد أقاموا في الخيم. عاشوا داخلها في ظروف قاسية جداً، لا تليق بالإنسان.

تقول إحدى النازحات: لا أحد يقدم لنا المساعدات. نتمنى منهم حتى الدقيق أو السليط أو السكر، أي شيء؟!

اليمن السعيد يبكي يومياً، ينزف باستمرار!

«بحصة بتسند خابية».. هكذا كان يقول أجدادنا، ولكن بحص اليوم انقرض. والخوابي تقع واحدة تلوى الأخرى لتتكسر إلى أجزاء صغيرة.

قصة لاجئة سورية

اضطر ملايين السوريين للفرار من بيوتهم منذ عام 2011 بحثاً عن الأمان كلاجئين في دول الجوار لبنان والأردن والعراق، أو في أوروبا وبلدان أخرى حول العالم، أو كنازحين داخل بلادهم.

ومع استمرار الحرب العبثية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، فإن الأمل يتلاشى بالنسبة للسوريين الحالمين بالعودة لبيوتهم وبعدالة انتقالية تنصف آلام اغترابهم. لكن قضية الشتات السوري وتداعياتها الإنسانية وقصصها تبقى الشغل الشاغل لوسائل الإعلام. ومن هذه القصص الملهمة ما نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية حول اللاجئة السورية منال رواح وابنها بلال باطوس وحصولهما على قبول جامعي. هذا الأسبوع سيبدآن الدراسة في الجامعة نفسها، وفق ما أوردته الصحيفة البريطانية ونقله موقع «عنب بلدي». يدرس بلال (18 عامًا) وأمه منال (47 عامًا) العلوم الطبية الحيوية في جامعة «نوتنغهام ترنت».

هما الأم وولدها الوحيدان في البلاد اللذان يدرسان في نفس الصف الجامعي.

لقد روت الصحيفة قصة خروج عائلة الشاب بلال من سوريا عام 2015. العائلة من مدينة إدلب، وتضم الأم منال رواح، التي عملت فنية مختبر في مستشفى محلي، والأب أمجد باطوس، الذي كان يعمل عامل بريد، وولدَين آخرَين.

غادرت العائلة بعدما سقطت قذيفة من طائرة دمّرت المبنى السكني المجاور للمنزل. هكذا عبر أفرادها الحدود إلى تركيا، حيث عاشوا لمدة عام، قبل أن يتم نقلهم إلى نوتنغهامشير في بريطانيا في عام 2016.

تلخص الأم مشاهد الحرب «المرعبة» ورؤيتها 22 شخصًا من القتلى، الذين لم تكن لهم علاقة بالحرب. قُتلوا جميعهم على يد الحكومة. كما وصفت بحرقة مدينة إدلب «المدمرة». وتساءلت بعد رؤيتها تلك المشاهد «كيف يمكن لشخص البقاء مع أطفاله؟». كما أضافت أن العائلة لن تنسى السنوات الأربع التي أمضتها في سوريا أثناء الحرب. أما الابن بلال فقد تحدث عن سبب اختياره دراسة العلوم الطبية الحيوية. فهو اعتاد أن يزور والدته في المستشفى، الذي كانت تعمل فيه، عندما كان صغيرًا. وما رآه كان مثيرًا للاهتمام. وأضاف أن مساعدة الناس من خلال العلم شيء عظيم. وقد تحدثت الصحيفة عن الصعوبات التي واجهت العائلة في التحدث باللغة الإنكليزية.

لكن أفرادها جميعًا أخذوا دروسًا وتعلموا اللغة في غضون ثلاث سنوات.

قصص النجاح الفردية في بلدان اللجوء السوري أكثر من أن تحصى، وهي من دون شك ستكون ملهمة لأقرانهم في البلدان الأخرى. لكنها من غير المتوقع أن تخفف من نبرة العنصرية، التي يتعرض لها اللاجئون في دول الجوار السوري. حيث لا تتم معاملتهم بالقدر نفسه من العدالة والمساواة، التي تعاملهم بها الدول الغربية. تلك الدول التي وفرت لهم بدورها كل سبل الحياة الكريمة التي تساعدهم على النجاح. واقع الحال هذا ليس جديداً، بل ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين أيضا، حيث تسن قوانين ظالمة تسلبهم حق الحياة الكريمة والمواطنة بذريعة «حق العودة» ودعم القضية الفلسطينية!!

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق