اخترنا لكمكتابات خاصة

الخرافة والدين

في الأيام الماضية دار جدل في مجتمعنا اليمني حول ما يسمى “بئر برهوت” والتي ارتبطت بها خرافة “قعر جهنم” أو “سجن الجن”، فخافها الناس ولم يقتربوا منها، ونسجوا حولها القصص والخيالات، حتى تم النزول إليها مؤخراً من فريق عماني وتم تبديد كل ذلك الوهم، وهذه الخرافة التي لم يرق مستندها الحديثي لأن يكون صحيحاً على شروط أهل الحديث إلا أن خرافتها قد أثرت في فريق لا بأس من الناس، وكان نزول ذلك الفريق قد رفع أصواتاً لا دينية تعيد الربط بين الخرافة والدين في تغافل عن عمق تفسير الوجود والإنسان، وفريق ديني اكتفى بإثبات عدم صحة الرواية، والتفريق بين الدين والخرافة دون القدرة على فض ذلك الاشتباك بينهما، وبالتالي السماح لخرافات أخرى بالتعشعش، فأين يكمن صوت الحكمة والعقلانية؟

موضوع الخرافة والدين من المواضيع الشائكة وخاصة إن ناقشها ديني، ولذا فإن فض الاشتباك بينهما يحتاج لتصور دقيق لحدود كل منهما ودوره، أما اللاديني فقد أراح دماغه في الموضوع واعتبر كلاهما شيئاً واحداً! ولكن هل كان رأياً عقلانياً أم لا؟ هذا سيتضح حين نرى المسألة من مسافة أبعد، لأن الاقتراب سيوحي بأن اللاديني أكثر اتساقاً، بينما الحقيقة أنه أقل اتساقاً إذا نظرنا للمسألة في إطارها الأوسع بالنظر إلى الوجود كله وطريقة تفسيره.

يعتمد اللاديني على النظرية المادية في تفسير الكون والحياة والإنسان، بينما يعتمد الديني على النظرية الإيمانية في تفسير كل ذلك، ومن هذا الاختلاف برزت أهم الفروق الثلاثة بينما، وهي فروق يزيد فيها الديني بعداً آخر بجوار البعد المتفق عليه بين الديني واللاديني، فالإنسان له بعد آخر بجوار الجسد وهو الروح، والكون له بعد آخر غير المادي وهو ما وراء المادة، أي الغيبي بجوار المشاهد، والحياة لها بعد آخر غير الدنيوي وهو الحياة الآخرة، وهذه هي الأعمدة الأساس التي تكون منها الدين، ولذا كانت أركانه “إيمان بالله” الذي يمثل الغيبي أو المطلق في مقابل النسبي كرؤية للوجود، و”إيمان باليوم الآخر” كرؤية للحياة، و”إيمان بالعمل الصالح” الذي يحتاجه البعد الآخر للإنسان وهو الروح.

والديني يرى أن إزاحة هذه الأركان الثلاثة ستجعل معرفة الوجود والحياة والإنسان قاصرة وغير مكتملة، وأن ترك الدين تماماً باعتباره خرافة سيلحق الضرر بالإنسان من زوايا كثيرة، فالدين هو أساس النظام الأخلاقي الذي يحفظ وجوده، وهو الذي يكسب الحياة الاجتماعية معناها، وهو مصدر الأمل والطمأنينة عند الإنسان، ولولا الأمل لما كان للحياة معنى، ولولا الأخلاق لتوحش الإنسان ضد الإنسان.

بالعودة إلى معنى الخرافة والتي يعرفونها أنها الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرد تخيلات، دون وجود سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة. نجد ذلك الباب من الإيمان والذي أتى به الدين قد فتح المجال لتترسب الخرافة من جواره، إذ هناك اعتقادات إيمانية يسلّم بها دون أن يعرف سببها المنطقي، وهذا سيعود بنا إلى نقطة سابقة في نظرية المعرفة، إذ يرى الديني أن هذا الوجود المشاهد وراءه عالم غيبي لم ولن نستطيع فهمه أو إدراكه ولذا فإن خالقه وموجده قد أوحى لبعض خلقه بتصورات تقرب لهم هذا العالم كي يكونوا أكثر رؤية له، وكلفهم بشعائر ليكونوا أكثر انسجاماً معه.

وحتى لا تترسب الخرافة من جوار تلك التصورات الغيبية، أو تتسرب البدعة من جوار تلك الشعائر، فإن الديني واتساقاً مع نفسه لابد أن يحدد بوضوح الوحي من غيره، حتى لا يتسرب إليه ما ليس منه، وهذا ما تنبه المتكلمون الأوائل وخاصة المعتزلة، فقد عرفوا علم الكلام أو علم أصول الدين بأنه  “علم يُقْتَدر به على إثبات العقائد الدينية مُكْتَسَبة من أدلتها اليقينية”، وحدّوا تلك الأدلة اليقينية بما كان قطعياً في ثبوته، أي قطعي بأنه وحي ثابت من الله، وما كان قطعياً في دلالته، أي لا يحتمل عدة معان، فرفضوا ما كان ظنياً في ثبوته في باب العقائد، ولم يُلزموا بما كان ما ظنياً في دلالته، ولا اعتبروه من أصول الدين، أو أسس الاعتقاد، وهذين الشرطين أقفلا الباب أمام ما قد يتسرب إلى الدين مما ليس منه، وبالتالي تدخل الخرافة وتتكاثر مستندة إلى الدين، وقد كان هذا المنهج الصارم في التعامل مع العقائد والشعائر أشبه بتطبيق “ديب فريز” فيحفظ ما في الملف دون زيادة أو نقصان، إذ الزيادة تثقل جهاز الكمبيوتر عن العمل، والنقصان يضعف اشتغاله وانطلاقته.

إن ذينك الشرطينن لقبول العقائد لا ينطبق إلا على القرآن الكريم، فهو وحده المنقول تواتراً كنص ديني في العقائد، يقول شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت ملخصاً هذه الفكرة: “إن الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة…، وأما ما كان غير قطعي في دلالته…، فهذا لا يصلح أن يتخذ دليلاً على عقيدة…، فثبوت العقائد بالقرآن أو عدمه مبني على قطعية الدلالة أو ظنيتها، أما قطعية الورود فهذا لا شك فيه، إذ القرآن كله قد وصل إلينا كما أنزله الله عزوجل متواتراً جيلاً عن جيل”[الإسلام عقيدة وشريعة ص 57-59 بتصرف].

لكن هذا المنهج الصارم في التعامل العقائد الغيبية تراجع وتراخى تاريخياً مع انتصار مدرسة الأثر التي أعطت مساحة للنصوص الظنية في باب العقائد، فكانت تلك النصوص الآحادية ثغرة دخلت منها خرافات تتلبس لبوس الدين وتتعمق في المجتمع، وصار من الصعب تجاوزها، فالجن مثلاً كعالم غيبي أكده القرآن وحصر علاقتهم مع الإنس بالوسوسة والتزيين، سنجد أن الظنية ثبوتاً أو دلالة قد أدخلت استخدامهم في السحر والتأثير على الآخرين، وبذلك دخلت خرافات كثيرة في هذا الباب، بالإضافة لخرافات العين والعلاج الجسدي بالقرآن وتفسير الأحلام، والكلب الأسود، وغيرها.

قبل أكثر من قرنين كان الفيلسوف الفرنسي -الأكثر محاربة للخرافة كما يصفونه- فولتير قد عمل مقارنة بين من يرفض كل ما لا يراه منطقياً ويغرق في الإلحاد ومن تستعبده كل الخرافات، أو يعيش بدين ما، ورأى أن الثاني أحسن حالاً، يقول فولتير في كتابه رسالة في التسامح:

“ذاك هو ضعف الكائن البشري، وذاك فساده، ومن الأفضل له دون شك، أن تستعبده كل الخرافات الممكنة، شريطة ألا تكون قاتلة، فهي أحسن له من أن يعيش بدون دين. لقد كان الإنسان دائما في حاجة إلى كابح، وحتى لو بدا مضحكا أن نقدم قربانا للحيوانات ولربات الغابات وحوريات الماء، فلقد كان من المعقول أن يعبد هذه الصور الفنطازية للألوهية من أن يغرق في الإلحاد، فالملحد المحاجج العنيف والقوي سيكون آفة مضرة، لا يختلف في شيء عن رجل دموي يؤمن بالخرافات… فحيثما وجد المجتمع كانت الحاجة إلى الدين، ذلك أن القوانين تحمي من الجرائم المعروفة، أما الدين فيحمي من الجرائم التي لا ترى”.

والهدف من نقل كلام فولتير ليس الإقرار بالخرافة، وإنما الإقرار بأن في الحياة ما لا نعرف سره تماماً، ولذا يؤمن به الديني إيماناً لأنه من المتشابه عنده، وليس من المحكم الذي يستطيع العقل إحكامه، ذلك المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، أما الحكماء والراسخون في العلم الدنيوي فيدركون أن العلم لا يستطيع تفسير كل شيء وأن هناك ما هو وراء المادة، وبالتالي ليس من خيار أمامه إلا الإيمان، “والراسخون في العلم يقولون آمنا”، فهم في المحكم يعلمون ويعتمدون العلم، وفي المتشابه الغيبي يؤمنون ويكتفون بالإيمان، “وحيث ينتهي العلم يبدأ الإيمان”، ذلك الإيمان يمنحهم توازناً حكيماً تجاه الحياة، وحتى يكتمل ذلك التوازن لا بد من نفي خرافات كثيرة التصقت بالدين، عبر روايات ظنية آحادية حملت العقل الإسلامي خرافات كثيرة أفقدته الانطلاقة للبحث عن الأسباب واكتشاف القوانين كجزء من مهمتهم في إعمار الأرض.

إن الموضوع يحتاج توازناً حكيماً في المسألة، والعقلانية في هذه المسألة تقول لا ترفض الدين بأكمله، ولا تدخل في الدين اعتقادات ليست منه، وهذا ما حاوله هذا المقال.

**المقال خاص بموقع “يمن مونيتور” ويمنع نشره وتداوله إلا بذكر المصدر الرئيس له.

*** المقال يعبر عن رأي كاتبه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق