فكر وثقافة

الناقد أحمد درويش: على الباحثين إحياء أسس البلاغة العربية بدلاً من النيل منها

يمن مونيتور/ رأي اليوم

قال الناقد والأكاديمي المصري البارز د. أحمد درويش أستاذ النقد الأدبي والبلاغة إن البلاغة العربية على نحو خاص أسيء فهمها، ولم تأخذ حقها المناسب من الدرس والتطوير الذي أخذته بقية فروع الدراسات الأدبية والنقدية منذ بداية عصر النهضة.

وأضاف درويش- حاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون – أن البلاغة العربية كانت أقل نصيبا من التجديد أو الفهم، مشيرا الى أن الذين درسوا البلاغة ووضعوا نماذج منها في كتب التعليم في المدارس والمعاهد والكليات كانوا أصحاب نظرة ضيقة جدا، حيث نظروا الى البلاغة في مرحلة جمودها وأخذوا منها أشكالا سريعة وأمثلة ثابتة وطرحوها.

ولفت إلى أن البلاغة لخصت في التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز وفروع المعاني بالطريقة التي تجمدت عليها الدراسات بدءا من شروح القزويني وغيره.

وقال إن هؤلاء لم يدرسوا البلاغة بالمعنى العام بدءا من كتب الجاحظ التي تفرق بين مفهوم بلاغة العبارة وبلاغة الإشارة، وهي أشياء نحتاجها حتى الآن في لغة الإعلام، ولم يدرسوا البلاغة في النص ككل، وهو منصوص عليه عند النقاد القدامى مثل الحاتمي وابن طباطبا وفكرة النص وتركيبه من أجزاء واختلاله إن لم يأخذ أي جزء حقه ووضع في غير مكانه، ولم يدرسوا البلاغة حتى بالمعنى القديم السائد في الدراسات اليونانية وهي أنها فن الإقناع والإقناع جزء أساسي من البلاغة في كل العصور”.

وأضاف أن البلاغة العربية جعلت الباب الأول في مباحثها في المعاني باب الاستدلال وهو الذي يسمى الآن بـ “الحجاج” بالتفصيل الكامل الشامل الموجود في كتب البلاغة العربية.

وطالب درويش قراء البلاغة ودارسيها أن يعرفوا كيف يستغلون فكرة الأسس الرئيسية في تطوير أدواتهم في تحقيق الإقناع وتحقيق الحجاج وتحقيق إشراك القارئ وإمتاعه.

وقال إن البلاغي القديم لم يكن يعرف فن المسرحية ولكنها وجدت ولها بلاغتها، ولم يعرف فن القصة القصيرة لكنها وجدت، ولم يعرف المقال ولكنه وجد، ولم يعرف التغريدة على وسائل التواصل ولكنها وجدت.

وأشار إلى أن هذه المستجدات ينبغي الاستعانة على دراستها بإحياء أسس البلاغة القديمة وعدم الاقتصار على الكتب التقليدية، مؤكدا كل هذه الأمور كانت تحتاج الى جهد الدارسين بدلا من الهجوم على البلاغة وإلقاء الأحجار عليها.

وخلص درويش إلى أن البلاغة الحقيقية موجودة جذورها ومطلوب دراسة عميقة من المتخصصين لإحيائها، وهي السبيل الوحيد لإحياء نقد عربي جاد حي، ولإحياء أدب عربي جاد حي، ما عدا ذلك فهي شكليات تقال لملء الوقت، ويستعاض عن ذلك بالهجوم على البلاغة القديمة.

وأكد أنه مطلوب دارسين جادين في مراحل الماجستير والدكتوراه بدلاً من أن يملأوا صفحات رسائلهم بالعناوين وترديد أقول القدماء أن يعكفوا على مثل هذه المراجع الأولى لا من أجل تقديسها ولكن من أجل تطوير المفاهيم الأساسية فيها وتحويلها الى مفاهيم ملائمة للعصر وأدب العصر.

وعن أسباب نفور الشباب من البلاغة العربية، قال د. درويش : “مرد ذلك عدم  معرفة اللغة العربية”.

ونفى درويش عن البلاغة العربية مبالغتها، مشيراً إلى أن أي كلام له مستويات مختلفة وأن البلاغة العربية عرفت أن أفضل الأمور قد يكون في أبسطها.

وقال إن المبالغات العربية القديمة مثل ”كرم كالبحر وشجاعة كالأسد“، كلها مقابلات لغوية كانت لها أصداؤها في عصرها، وكانت لها مدلولات معينة عند أصحابها.

وقال درويش إننا نستطيع أن نستمد أصول البلاغة الحقيقية من اللغة المعاصرة الجيدة بل ومن اللغة العامية الجيدة، مشيرا الى أننانستطيع أن نستخرج قيما بلاغية رائعة من تعبيرات عامية راقية، داعيا الى النظر في دراسات يحيى حقي التي تم إهمالها، وهي فكرة استخراج بلاغات من العامية .

وخلص درويش إلى أننا نحتاج الى نوع من التفتح والى معرفة من أين نستمد البلاغة الحية، وكيف لا نقع أسارى لأحكام مسبقة أطلقناها وصدقناها وأطلقها غيرنا وصدقناه من أن البلاغة العربية جزئية ويغلب عليها المبالغة.

ودعا إلى الانفتاح على النص من جديد، وأن نعرف كيف نستخلص من نصوص بلاغة ملائمة للموضوع الأدبي المعاصر، مشيرا الى أننا تجابهنا الآن أجناس أدبية قصيرة جدا مثل التغريدات المكتوبة على صفحات التواصل .. أليست هذه محتاجة لبلاغة؟

وردا على اتهام البلاغة العربية بالمبالغات، قال درويش:  من يقرأ كتب التراث العربي يجد أن البلاغة العربية الحقيقة غلب عليها الإقناع والاستدلال والبرهان والكلام الجميل، و الكلام الأجوف في كل عصر هو كلام أجوف سواء قديما أو حديثا .

هناك أناس تفننوا في المبالغات وسقطوا، ومعظم الأشياء التي أثرت وبقيت هي الأشياء البسيطة، اقرأ المعري مثلا وهو يتحدث عن فكرة الموت، تجد أن كل بيت انطوى على حكمة عظيمة دون مبالغة ودون صورة مجلجلة.

وأنهى درويش قائلا: “من يحاولون النيل من البلاغة العربية وجدوا في بعض مبالغات الشعر العربي فرصة لهجومهم عليه ونيلهم منه، البلاغة موجودة أصولها عند المترجمين القدماء وعند الأدباء” عبد الحميد والجاحظ وأبي حيان وابن رشد والقرطاجني وسواهم وعند الكتاب، فابحثوا عنها عند هؤلاء وستجدون جواهر عظيمة جدا ” .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق