أخبار محليةالأخبار الرئيسيةبورتريه

محسن العيني.. عقود من الغوص في رمال اليمن المتحركة (بورتريه)

يمن مونيتور/ بورتريه/ من محمد السامعي

رحل اليوم الأستاذ محسن العيني عن قرابة 90عاما (1932 – 2021)، بعد عقود من الخبرة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن.

رحل محسن الذي أحسن لبلده بعد صراع مع المرض في القاهرة، وخسرت اليمن برحيله واحدا من أبرز الشخصيات المرموقة والمخضرمة الهامة التي كان لها دور فعال في تاريخ اليمن الحديث، منذ ما قبل اندلاع ثورة 26 سبتمبر الخالدة.

ولد العيني في قرية الحمامي بمنطقة بني بهلول في ضواحي العاصمة صنعاء عام 1932، أيام حكم الإمام يحيى.

عاش العيني يتيما وتأثر كثيرا برحيل والده وهو في سن مبكرة، لكنه كان محظوظا في الحصول على التعليم بذلك الوقت، حيث كانت لا تتواجد إلا اثنتين أو ثلاث من المدارس في صنعاء، أحدها خاصة بالأيتام.

كان مناهضا للحكم الإمامي منذ وقت مبكر، وأسهم بدور فعال في ثورة سبتمبر وتم تعيينه بعدها كأول وزير خارجية في اليمن الشمالي الجمهوري حينها، وهو في بداية الثلاثينات من عمره.

قرأت له كتابا مهما، يعد واحدا من أهم الكتب التي تتحدث عن التاريخ اليمني خلال القرن الماضي..

كتاب “خمسون عاما في الرمال المتحركة” ، الذي لخص فيه أهم الأحداث التي شهدتها اليمن، منذ ما قبل الجمهورية.

وتطرق فيه إلى صراعات الملكيين مع الجمهوريين، وسط حالة انقسام كبيرة وتأثيرات دولية حينها على الملف اليمني.

ترأس العيني الحكومة بعد الثورة (26 سبتمبر/أيلول 1962) لأربع مرات، وكان رئيسا للوزراء أيضا في السبعينيات خلال فترة حكم الرئيس ابراهيم الحمدي الذي شهدت فيها اليمن تحولات ونجاحات تنموية كبيرة.

واجه العيني خلال عمله الحكومي صراعات ومضايقات كبيرة من الكتلتين العسكرية والقبلية اللتان كانتا تقفا عائقا أمام طموحه المدني في التغيير والتنمية.

كان من بين قراراته المثيرة للجدل منع تناول القات على الموظفين الحكوميين، وحقق القرار نجاحا كبيرا، لكن تعرض في النهاية لمعارضة كبيرة من شخصيات عسكرية وقبلية..

يقول العيني في أحدى المقابلات،” كنا قطعنا شوطا في القرار، وكان من نراه يمضغ القات شبيها للمفطر في رمضان” .

اختلف مع “الرئيس الحمدي” في بعض المسائل، واتهم الرئيس حينها بأنه أعاق تنفيذ بعض القرارات الحكومية التي كانت من مهام رئيس الحكومة.

ومن مواقفه، كان “العيني” أيضا ناصحا للحمدي بعدم تعيين “أحمد الغشمي” (1977 – 1978) في مناصب عسكرية رفيعة. والتي انتهت بمقتل “الحمدي” وصعود “الغشمي” رئيساً.

أتقن الفرنسية إلى جانب اللغة الإنجليزية، وحظي بترجمة الكتاب الشهير (كنت طبيبة في اليمن) الذي قامت بتأليفه طبيبة فرنسية تدعى (كلودي فان) كانت تعمل باليمن أيام حكم الإمام .. وشرحت فيه العديد من الأوضاع وطرق العيش في ذلك الوقت..

رغم تقدمه في العمر، إلا أنه قبل ثلاث سنوات ظهر في حوارات تلفزيونية وهو يتحدث بذاكرة قوية تحكي الكثير من تفاصيل تاريخ اليمن الحديث، مع ذكر اليوم والشهر والعام بشكل مذهل.

ظهر وعمره قرابة 87 عاما وهو بكامل أناقته وقواه العقلية؛ في حالة يمنية فريدة.

من يقرأ سيرة “العيني” يرى كيف يستطيع الإنسان صنع أشياء بعيدا عن الدعم العسكري أو القبلي أو العرقي.. استطاع مجابهة الكثير من الصعوبات رغم إنه رجل مدني بلا إسناد.

سأله أحد الدبلوماسيين: ” تتحرك وتعارض وتواجه.. على ماذا تستند؟”

رد عليه: ” أبرز نقاط قوتي، هي الاستغناء “(يعني غير مرتبط أو مقيد بأحد أو جهة ).

شرح العيني كيف طال وقت مواجهة الملكيين لسنوات، وقال إن من بين أسبابه عدم اتحاد الجمهوريين على موقف واحد بشكل دائم، والذي وصل أحيانا إلى الاشتباكات المسلحة، وشرح كيف أن الكثير من جنود الجيش لا تحضر الجبهات وكيف أن هناك العديد من الأسماء الوهمية في كتلة الجيش، إضافة إلى ملل المقاتلين في الجبهات نتيجة تلك الأوضاع؛ ما أدى إلى عدم حسم عسكري، والتوصل إلى اتفاق سياسي بين الجمهوريين والملكيين وتقاسم سلطة بين الطرفين.

 

رحم الله العيني وحفظ الله اليمن واليمنيين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق