كتابات خاصة

بائعة ورد في زمن الحرب

افتخار عبده

جميلة كابتسامة طفل وقت شروق الشمس، رشيقة إلى حدٍ يثير الدهشة والاستغراب، قوامها متناسق إذا رأيته تسبح لله عجبًا من ذلك ثم تقول: أنى لهذا الجمال أن يمشي تحت حرارة هذه الشمس دون وقاء وفي وقت الظهيرة المتعب ؟.

مرت من أمام ناظري تحمل كيسًا بيدها كأنها تحمل باقة ورد حمراء، الكيس أحمر وفي خديها حمرة تنبئ عن إرهاقٍ كبيرٍ مرت به خلال يومها ذاك، ترى ما العمل  الذي تعمله هذه الفتاة فيرهقها إلى هذا الحد ويجعل من وجهها علامات الشحوب رغم هذا الكم الهائل من الأناقة والجمال.

بابتسامة جميلة بادرتني  ثم قالت، لماذا تحدقين فيَّ  هكذا؟!، لست جاسوسة أو ذات شأن عظيم، إنني بائعة ورد لا أكثر… إذن فأنت بائعة ورد وأنا أتساءل من أين لك كل هذا الجمال، أظن أن للورد تأثير كبير عليك فقد أكسبك الكثير من جماله وأناقته، الآن عرفت من أين لك بهذا الجمال، قالت لماذا لا تجيبي أنا أسألك، فخرجت من شرودي وسألتها من أين أنت؟، ضحكت بصوت شبه مرتفع ثم قالت: وهل يوجد بائعات ورود من غير صبر، حقيقية إن صبر هي أرض الورود، والورود ليست إلا من الأشجار فهي من البشر أحيانًا، كم لك في هذا العمل وهل تجدين فيه ما يكفيك؟!، قالت تستطيعين أن تقولي كان يكفيني هذا الدخل في السابق أما الآن فقد مل الناس من الورود وشرائها لم يعد الإقبال على الورود كما كان في السابق ربما أن الإقبال على شراء الرصاص والذخائر والأسلحة قد طغى على الإقبال على الورود، ربما أن الإقبال على القات والتدخين أكبر بكثير من الإقبال على الورود.

آاااه من الحرب وأوزارها، صدقت يا فتاة إن الحرب قد جعلتنا نعزف عن الجمال ومصادره، وكيف نقدر على البحث عن الترفيه ونحن ما زلنا نبحث عن لقمة العيش وفي كثير من الأحايين لا نجدها، نحن مشغولون جدًا بالجري وراء الحياة وراء البقاء، نتمسك بما يبقينا على قيد الحياة ولو كانت قشة صغيرة صعب مسكها، طريقنا حفت بالأشواك فأنى لنا أن نبحث عن الورود؟!، الورود يا صديقة   يبحث عنها من يعيش حياة الرفاهية،  من يعيش حياته ولا ينقصه شيء من مستلزمات الحياة سوى الترفيه ومواد التسلية وقضاء الوقت، نحن هنا في زمن الحرب يمضي الوقت ونحن لا ندري له كيف يمضي، يمضي ولم نقض حوائجنا بعد، يمضي ولم يتحقق أي حلم من أحلامنا، أقصد أنه يمضي ولم نحصل على حقوقنا الضرورية المتمثلة بالمأكل والمشرب والضوء، هذه الأشياء قضينا وقتنا ونحن إن حصلنا على بعض منها فقدنا البعض الآخر ونبات هكذا في فقد وافتقار، كيف لنا أن نبحث عن الكماليات في وقت لم نحصل فيه على حاجاتنا الضرورية التي لا نستطيع العيش دونها؟!

أتمنى أن تجدي دخلًا يكفيك وأتمنى أن أراك في قابل الأيام وقد تحسنت أوضاعنا، أعدك وقتها أن أكون من أوائل من يأتي إليك لشراء الورود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق