كتابات خاصة

اقزام يتطاولون على وطن ومواطن

اليمن يمتلك كل مقومات النهضة، وتنقصه الإرادة السياسية المستقلة، وطريقة تفكير جديدة، يتجاوز فيها البلد كل معوقاته، ويتخطى كل مطباته، وينتقل للحاضر ليفكر جيدا بالمستقبل، تفكير عقلاني بعيدا عن العنف، الذي يجب ان ينضبط بمؤسسة دولة ونظام وقانون، ليكن حامي للحق، متصدي للباطل واشراره، ليتيح فرصة للعقل ان ينافس بقوة المنطق، بمعيار الكفاءة والمهنية، مستخدما كل المهارات العلمية والثقافية والفكرية المتاحة، متيحا لمساحة واسعة للإبداع الفكري ليقدم مشروع إنساني جامع، يدحض فيه كل العصبيات والانانية.

الإرادة السياسية، هي نتاج وعي قابل للتغيير، تغيير الذات نحو تغيير العام، لنتجاوز الماضي وكل ماسية، نتجاوز العصبية والمناطقية والطائفية والاثنية، ما حل بالبلد بسبب تلك النعرات يكفي ان يرفض الناس الاحتكام لطائفة وسلالة ومنطقة، يكفي لرفض صناعة اصنام بشرية، وتصويرها على انها المنقذ، ومن دونها لا حل ولا مخرج، يكفي شيطنة الآخر، والاتهام والتخوين خارج إطار النظام والقانون، يكفي كراهية وثارات وازدراء من الاخر المختلف، فحقيقة الامر ان احداث الماضي انتجت بعضها بعضا، وان الخطيئة الأولى ما بعد ثورتي سبتمبر واكتوبر, في رفض الآخر وإرساء مبدأ الشراكة، هي منبع كل الخطايا، وهي بداية الانهيار القيمي والأخلاقي الذي نحصد ثماره اليوم .

نأخذ عدن كمثال، المدينة التي كانت رائدة من رواد الاقتصاد والسياسة والثقافة في المنطقة، بل كانت مصدر كل جديد في حينها، مثال يشار له بالبنان، كمنطقة حرة ومركز اقتصادي وتجاري، حاضن اجتماعي وسياسي، وبيئة تخلقت فيها منظمات المجتمع المدني والثقافي، كالأندية الثقافية والرياضية، والنقابات والجمعيات، التي أفضت في حينها لمخاض رائع تخلق منه أفكار و تشكلت أحزاب قومية ويسارية وليبرالية وعقائدية ورأسمالية، خليط من الأفكار المتناقضة، جمعتهم بيئة سياسية وثقافية صحية، تعايشت فيها تلك الأفكار، وأفضت لمخاض يفرز الأصلح عن السيئ، وتتضح معالم الأفضل من غيره، وكلها بالحجة والمعلومة والعلم والثقافة، دون أي عنف وتسلط وفرض وهيمنة وتجبر، وكانت منبر سياسي وثقافي في المنطقة، بل مثال رائع لنشوء الديمقراطية والشراكة.

واقعها اليوم السيئ والغير مسبوق بالرداءة، واقع لم تعهده عدن في تاريخها في الماضي والحاضر، حتى عندما كانت مجرد قرية للصيادين، كانت نعمة على أبنائها، ارضهم يعيشون فيها بحرية، وبحرهم يخوضون غمار العمل فيه دون منغصات، عاشوا احرارا، يزرعون أرضهم ويسترزقون من بحرهم، لديهم اكتفاء ذاتي، ويملكون قرارهم وارادتهم، وهذا مصدر راحتهم وسعادتهم.

قاوموا المستعمر بقوة، وظلوا متمسكين بإرادتهم بالاستقلال حتى نالوه، وما ان نالوه بدأت معركتهم مع الإرادة والشراكة السياسية، والبدء في خوض معارك مع منظومات سياسية تسلطية، تحاول سلب تلك الإرادة، وتدمير الشراكة، معركة مع الاخر المختلف، معركة استدعت كل النعرات و النزعات التسلطية، والى اليوم مازالت تلك المعركة في حدتها، زادت وتيرتها مع الاستقطاب الإقليمي لادواتها ودعمهم، الاستمرار تلك المعركة لمزيد من الانهاك والضعف والهشاشة، لتبقى اليمن مرتهنة للصراعات الإقليمية، فاقدة للسيادة والإرادة.

 

هذه العله نستطيع من خلالها ان نستشف الحل، باصطفاف وطني وانساني، يعزز الإرادة السياسية للقبول بالشراكة والتعايش، للقبول بوطن يستوعب كل أبنائه، و القبول بالديمقراطية كحل للتنافس كشركاء في وطن يجب ان يكون افضل، وطن محترم يحترم كل أبنائه، وطن المواطنة والعيش الكريم، ومن حق الناس الحصول على الحقيقة، والانتقاد والمحاسبة في إطار مؤسسات دولة ونظام وقانون، و امن دولة يحمي ذلك النظام وينفذ القانون.

اليوم حال عدن يستدعي صحوة تكشف حقائق الأمور، والإجابة على الأسئلة المحورية المهمة، أين تذهب إيرادات عدن والجنوب والشمال، والرد الواضح والشفاف عن كل التساؤلات التي يطرحها الناس في السوشل ميديا والتواصل الاجتماعي، عن استثمار مقومات البلد والمرافق الاقتصادية الحيوية كالميناء والمصافي والمطار والثروات المعدنية ومصادر الطاقة، لتذر أموال لصالح عصابات ومليشيات،  والناس تموت جوعا و وباء، ويتسولون رواتبهم من شرعية مرتهنة لتحالف شريك بكل ماسي هذا المواطن .

ننتظر إجابات مقنعة، قبل حشد الناس لمزيد من الانقسام والشتات، إجابات تبطل كل ما يروج و وتوقف كل تلك المهازل، التي جعلت من المواطن ضحية، واعتقد البعض أنهم اذكيا في استثمار هذا الضحية، وان استطعتم خداع ذلك الموطن لفترة لن تستطيعون خداعة على طول، هو يصحوا وفي كل صحوة تسقطون امامه  كأقزام تافه، بتفاهة الممارسات و الاكاذيب والاشاعات التي تروج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق