فكر وثقافة

المقالح “طائر الدهشة الحزين”

صدام الزيدي

جائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري اعتراف بمنجز عبد العزيز المقالح الإبداعي، وهو منجز مهم يمتد على ستة عقود في الشعر والنقد والكتابة، وهي احتفاء بقصيدة انحازت للإنسان وللجمال وللدهشة ولقيم الخير والمحبة والتسامح وأشاعت الأمل في القلوب المنكسرة.   احتفى الوسط الثقافي والأدبي اليمني والعربي بنبأ فوز الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح بجائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري في نسختها الأولى كأول شاعر من خارج مصر يفوز بالجائزة رفقة الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، إذ تُمنح الجائزة كل عامين لشاعر من مصر وآخر من خارجها ابتداءً من هذه الدورة.
يأتي فوز المقالح بالجائزة، التي أعلن عنها اتحاد كتاب مصر يوم الخميس 21 مارس/ آذار 2019، في احتفاليةٍ تزامنت مع يوم الشعر العالمي، تأكيدًا على أن الشاعر الحقيقي تظل قصيدته يافعة ومتجددة مهما تقدم في السن أو أنهكه المرض، وهذه هي حال المقالح الذي صارع المرض وجهًا لوجه في الآونة الأخيرة، لكنه ظل مشرعًا قلبه للكبير وللصغير، للأدباء وللشعراء ولغيرهم، لطلابه وللباحثين عن المعرفة، مأخوذًا بمتابعة كل جديد في مشهدية الأدب والنقد ومستمعًا إلى مرتادي مقيله الأسبوعي كل ثلاثاء من شعراء وكتاب من أجيال مختلفة، متبادلًا الحديث معهم، تمامًا كما تفعل شمعة تحترق لكن يظل ضوؤها يبلغ الآفاق.
جائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري اعتراف بمنجز عبد العزيز المقالح الإبداعي، وهو منجز مهم يمتد على ستة عقود في الشعر والنقد والكتابة، وهي احتفاء بقصيدة انحازت للإنسان وللجمال وللدهشة ولقيم الخير والمحبة والتسامح وأشاعت الأمل في القلوب المنكسرة.
أصدر المقالح 16 ديوانًا شعريًا ابتداءً بديوان “لا بد من صنعاء” الذي رأى النور في عام 1971، مرورًا بـ “مأرب يتكلم” بالاشتراك مع عبده عثمان 1972، “رسالة إلى سيف بن ذي يزن” 1973، “هوامش يمنية على تغريبة ابن زريق البغدادي”، 1974، “عودة وضاح اليمن” 1976، “الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل” 1978، “الخروج من دوائر الساعة
“قصيدة المقالح انحازت للإنسان وللجمال وللدهشة ولقيم الخير والمحبة والتسامح وأشاعت الأمل في القلوب المنكسرة” السليمانية” 1981، “أوراق الجسد العائد من الموت” 1986، “أبجدية الروح” 1998، “كتاب صنعاء” 1999، “كتاب القرية” 2000، “كتاب الأصدقاء” 2002، “كتاب بلقيس وقصائد لمياه الأحزان” 2004، “كتاب المدن” 2005. وللمقالح أيضًا “كتاب الحرب” من بين آخر ما أنجزه. ومن أهم مؤلفاته الأدبية والفكرية: الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن، شعر العامية في اليمن، قراءة في أدب اليمن المعاصر، أصوات من الزمن الجديد، الزبيري ضمير اليمن الوطني والثقافي، يوميات يمانية في الأدب والفن، قراءات في الأدب والفن، أزمة القصيدة الجديدة، قراءة في كتب الزيدية والمعتزلة، عبد الناصر واليمن، تلاقي الأطراف، الحورش الشهيد المربي، عمالقة عند مطلع القرن، الوجه الضائع- دراسات عن الأدب والطفل العربي، شعراء من اليمن.
أما على صعيد الجوائز، فيحسب للمقالح نيله جوائز وأوسمة مهمة، نذكر منها: جائزة اللوتس 1986، وسام الفنون والآداب – عدن 1980، وسام الفنون والآداب – صنعاء 1982، جائزة الثقافة العربية – اليونسكو، باريس 2002، جائزة الفارس من الدرجة الأولى في الآداب والفنون من الحكومة الفرنسية 2003، جائزة الثقافة العربية- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 2004، جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية – في الشعر 2010، جائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري – مشاركة مع الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي- 2019.
يعاني المقالح، حاليًا، من انزلاق غضروفي في عموده الفقري، إلا أنه رفض (أكثر من مرة) حملات تضامن ومناشدات تداعت في مواقع التواصل الاجتماعي يقف وراءها أدباء ومثقفون يمنيون وعرب، تدعو إلى سرعة علاجه في الخارج، فهو لا يقبل أن تطلق نداءات كهذه، وسرعان ما يعلن عبر منشورات لمقرّبين منه أنه “يتماثل للشفاء ولا يطلب من أحد مساعدته
“يعاني المقالح، حاليًا، من انزلاق غضروفي في عموده الفقري، ويرفض حملات تضامن ومناشدات تدعو إلى سرعة علاجه في الخارج” أو تسفيره للخارج للعلاج”، وهنا يتجلى كبرياء الرجل، بعد أن آثر البقاء في صنعاء منذ عقود ولا يريد أن يغادرها، مواصلًا الاشتغال على منجز شعري ونقدي وهموم كتابة لا تتركه ليلتقط أنفاسه حتى في الساعة والنيف التي يقضيها مؤخرًا (كل ثلاثة أيام أو يومين في الأسبوع) بين الصباح والظهيرة بمركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء (الذي يرأسه منذ سنوات). إنه يفعل ذلك على الرغم من وضعه الصحي الذي يتطلب البقاء في البيت. إنه مهموم بالحياة، مسكون بالشعر والكتابة، وقدره أن يعطي حتى آخر شهقةٍ في الحياة.
“أعلنت اليأس”
منذ ستين عامًا، يواصل المقالح منجزه الشعري، متابعًا مشروعه النقدي بوعي ورويّة، منطلقًا من إيمانٍ بأهمية أن يُقطع الوقت بسيف الكتابة والإنجاز. فهو الذي يستيقظ قبل الفجر بساعات ليكتب وليقرأ وليمنح الآخرين من روحه ومن ضوء قريحته، وهو الذي حين يتحدث ينسكب صوته رقيقًا كانهمار شعر.
كان عام 2018 المنصرم أكثر الأعوام صخبًا وانفعالًا في سياق الكتابة الشعرية لعبد العزيز المقالح، ففيه نشر قصيدته “أعلنت اليأس”، التي أثارت جدلًا وتفاعلًا كبيرين في الوسط الثقافي العربي، كما تداعت قصائد أخرى، نقتطف من بينها: “تحت قصف المجاعة/ ترقدُ صنعاء مبعثرة/ تتسول خبزًا لأحفادها/ وحفيداتِها/ أغلق الشرقُ أبوابَهُ/ أغلق الغربُ أبوابَهُ/ يا إله السماوات/ لم يبق يا سيدي مشرعًا/ غير بابك…/ باب السماء/ دعوني لحزني/ وخوفي/ فما عدتُ أذكر مَن كنتُ/ مَن سأكون/ فقد أفقدتني الحروبُ “أناي”/ واسمي/ سلبتني هوايَ وشعري/ وذاكرتي/ تركتني حطامًا بلا حلمٍ/ وبلا ذاكرهْ”.
لكن الأكثر مرارة من قصيدة “صنعاء تحت قصف المجاعة”، قصيدة “أعلنتُ اليأس”، التي نشرت في صفحته على فيسبوك، في 13 نيسان/ أبريل 2018، لتصبح محط اهتمام الوسط الثقافي العربي الذي اندفع للحديث عن وجع شاعر كبير بحجم المقالح وكيف أنه في خضم يوميات الحرب ومتاهاتها وعذاباتها كتب ما كتب على هذا النحو من اليأس والانكسار، وتكهن البعض بأن قصيدة كهذه إنما يودع فيها المقالح العالم والحياة من حوله متنبئًا بموته: “أنا هالكٌ
 
“يقول ساخرًا: “لو أن أحد هؤلاء جاء إليّ قبل أن ينشر قصيدة مزورة تحت توقيعي، لعدلتها له على الأقل من الأخطاء، أو أعطيته قصيدة لي لينشرها باسمه إن أراد””
حتمًا/ فما الداعي إلى تأجيل/ موتي/ جسدي يشيخُ/ ومثله لغتي وصوتي/ ذهبَ الذين أحبهم/ وفقدتُ أسئلتي/ ووقتي/ أنا سائرٌ وسط القبورِ/ أفرُّ من صمتي/ لصمتي”.
هكذا جاء مفتتح قصيدة “أعلنت اليأس” التي توالت مقاطعها وصولًا إلى مقطع أخير: “أنا ليس لي وطنٌ/ أفاخر باسمهِ/ وأقول حين أراه: فليحيا الوطنْ/ وطني هو الكلماتُ/ والذكرى/ وبعضٌ من مرارات الشجنْ/ باعوه للمستثمرين وللصوص/ وللحروبِ/ ومشت على أشلائهِ/ زمرُ المناصب والمذاهب/ والفتن”.
إلى ذلك، لم يسلم المقالح من فوضى النشر اللامسؤول في منصات التواصل الاجتماعي، فمنذ اندلاع ثورة 11 شباط/فبراير 2011، تمادت صحف ومنابر إعلامية ومواقع إلكترونية في نشر قصائد نُسبت إليه، وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، ومع ذلك، فالرجل زاهد عن أن يبرر أو يرد أو يعقب على من ينسبون إليه ما لم يقله، أولًا لأن قصيدته معروفة، وثانيًا لأن ما ينسب إليه افتراءً إما لأسباب سياسية أو تحريضية ضد هذا الطرف أو ذاك يتبخر بمجرد أن يفنده العارفون بإبداع ومنجز المقالح، لكن وجعًا ما فتئ يذهب ويعود بين فترة وأخرى بسبب نشر مثل هذه القصائد التي لا تمت إلى شعره بصلة. وبهذا الصدد، علق الدكتور المقالح ذات نهار بينما كنا في مقيله الأسبوعي حول من ينشرون قصائد منسوبة إليه بقوله: “ما يؤلمني أكثر أن هذه القصائد مشوبة بأخطاء نحوية وبلاغية فادحة”، وأضاف ساخرًا: “لو أن أحد هؤلاء جاء إليّ قبل أن ينشر قصيدة مزورة تحت توقيعي، لعدلتها له على الأقل من الأخطاء، أو أعطيته قصيدة لي لينشرها باسمه إن أراد”.
 
طائر الدهشة الحزين
يبقى عبد العزيز المقالح بمثابة طائر الدهشة الحزين، صاحب قصيدة “سنظل نحفر في الجدار، إما فتحنا ثغرةً للنور، أو متنا على وجه الجدار” الذي تُرجِم شعره إلى لغات عالمية، وتناول باحثون كُثر شعره، وتُدرّس قصائده في الجامعات والمدارس، وأكثر الذين كتبوا عن فلسطين وقضيتها العادلة، وواحد من أهم شعراء العربية ونقادها المعاصرين، وهو كذلك آخر نجوم اليمن الكبار، حتى وإن أنشد في حالة انكسار: “أبعدوا الشعر عني/ خذوه بعيدًا/ بعيدًا/ فقد رابني/ أثقلت روحي الكلمات/ وأجهدني البحث عن لغةٍ/ لا تموت إذا هطلت/ في سطور الكتابة/ من فضلكم:/ أبعدوا الشعر عني/ لقد حال بيني/ وبين الفضاء الذي/ كنت أمشي عليه/ بقلبي/ وأصطاد ما أشتهي/ من نجومٍ/ ومن سحبٍ شاردة”.
نقلا عن منبر عربي ثقافي “ضفة ثالثة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق