فكر وثقافة

“كوابيس مستعملة”: عينٌ ثالثة

فايز العباس

“تُقدّم “كوابيس مستعملة” حكاية مغايرة للسائد في الرواية السورية، فتعتمد في قصّها على البارانويا مع إخراجها من كونها حالة مرضية إلى اعتمادها كواقع معاش من قِبل بطل الرواية”

منذ الصفحة الأولى “الاستهلال” يضع الروائي عبد الله القصير القارئ أمام اختبار المعرفة والنظر إلى المنتج الفكري لما بات ثيمات معرفية تأخذ من أقوال الكتاب والمفكرين المشهورين مساطر “إذا صح التعبير” للمشاعر والحكم والمأثورات، حيث يستشهد بثلاث مقولات؛ الأولى للشاعر محمود درويش، والثانية للرسام الفرنسي بول غوغان، أما الثالثة فهي للطفلة السورية رغد زيدان في غرفة الإسعاف بعد إصابتها بشظايا نتيجة سقوط برميل متفجر: “عمّو، لا تقصّ لي بيجامتي، لأنها جديدة!”.

هذي العبارة التي خلدتها الكاميرات، وخلدت معها صفعة للإنسانية بكل ما تعنيه الكلمة، وستتوضح أهمية العبارة في المتن حيث الحدث الروائي بكامله يرتكز على ثنائية الجديد والقديم وما بينهما من ارتباط متمخض عن الذاكرة التي تُبنى بين مرحلتيهما.
تغاير “كوابيس مستعملة” السائد في الرواية السورية المتعلقة أو المنجزة خلال السنوات الثماني من الثورة السورية، ذلك أنها، وهنا تكمن أولى خروجات الرواية عن المألوف، ومنها تبدأ محاولة الرواية الولوجَ في بنية المجتمع السوري المغلوب على أمره في الحرب التي خاضها النظام ضده لإجهاض ثورته.
الرواية تقدم الناس المهمشين أبطالًا مهزومين، وتوثّق أحداث ومفرزات الحرب بشقيها الداخلي والخارجي على الشخصيات، وأيضًا ما أنتجته مكانيًا حيث الداخل وما يقاسيه الناس، والخارج مع استمرارية المعاناة تحت صفة اللاجئ، بعينٍ ثالثة هي عين الرائي لعوالم الناس المخفية، آلامهم وهواجسهم، السواد الأعظم ممن لا يعنون أحدًا في هذه المقتلة العظيمة.
شخصيات بسيطة وحقيقية
شخصيات “كوابيس مستعملة” هي شخصيات بسيطة وحقيقية، انتُهكت أخص خصوصياتها، ومورس على هذه الخصوصيات ما تم تداوله اصطلاحا تحت اسم “التعفيش”، لتنحو الرواية منحى استقصائيا لحيوات الناس عموما من خلال الشخصيات التي تم تناولها في جسم السرد، والتعاطي مع “التعفيش” وضّح التباينات الاجتماعية ومدلولات هذا الفعل على أكثر من مستوى، بدءا من النهب وانتهاءً باقتناء الأشياء المستعملة، وبين مشروعية الفعل ولا أخلاقيته تسهب الرواية في توصيف الحالة ضمن سياق سردي للأحداث.
والعين الثالثة تتأرجح بين كونها مرة ترى ماورائيات الحدث من خلال بطلها “عطايا” ومرة من خلال الكاميرا والتسجيل الذي ينتهجه الألماني رالف، ومرة من خلال الرؤى الحية لبقية
“تُقدّم “كوابيس مستعملة” حكاية مغايرة للسائد في الرواية السورية، فتعتمد في قصّها على البارانويا مع إخراجها من كونها حالة مرضية إلى اعتمادها كواقع معاش من قِبل بطل الرواية”
شخصيات الرواية لتخرج الفكرة المجملة متأرجحة بين الحقيقة والوهم والوهم الحقيقي.
اشتُغلت الرواية “بعلم كاتبها أو بغير علمه” لتكون نصًا لفيلم سينمائي، يبدو ذلك جليا من خلال التقنيات الكثيرة التي أتقن الراوي استخدامها من سرد وحوار وانتقال بين الأحداث مرات بشكل تعاقبي، ومرات بطريقة الخطف خلفًا مما يمنحها حركة سينمائية وسيميائية في آن.
تنقسم الرواية ثلاثة أقسام من حيث اللغة والتكثيف، إذ تبدأ بتكثيف جمالي في ثلثها الأول ثم تنسحب باتجاه السرد البطيء في ثلثها الثاني لتنتقل في ثلثها الأخير مزاوجة بين الشكلين، ربما يجد القارئ مبررا لهذا التغاير بناء على مواءمة الأحداث لهذا التمايز، كما أن اللغة الشاعرية تطغى على السردية في معظم صفحات هذه الكوابيس المستعملة.
شخصيات الرواية حقيقية كما أسلفت، وهي تشكل البنية الأساسية للحدث مما يجعل من شخصية البطل راويًا إذ إنه وخلال 233 صفحة يروي أحداثًا لأناس لم يعرفهم، بل استدل على مروياتهم من خلال آثارهم، والآثار هنا للبسطاء وليست للمشاهير وعظماء التاريخ مما يجعله لسان حالهم ومتتبعًا لمخلفاتهم وإرثهم من الحكايا، ولا تنفك الرواية تفتك ستر المجتمع بانقساماته المتباينة، وممارساته الحياتية البسيطة، فالرواية هنا تفتح ثغرة في باب الحياة وتترك للناس التلصص من خلالها على ما تخفيه.
عبد الله القصير في روايته يقدم فهمًا فلسفيًا عميقًا، حيث لم يفته أن يترك بصمته الخاصة في توصيف ما نعرفه بأسلوبه الخاص؛
بقي أن أقول إن عبد الله القصير بعد مجموعته القصصية “عارية في العباسيين” يقدم روايته الأولى “كوابيس مستعملة” ضمن 233 صفحة من القطع المتوسط، الصادرة عن دار فضاءات/2019 متناولا فيها حكاية “عطايا” بطل الرواية وشخصيتها المحورية، السوري الذي تلقّى ثلاث رصاصات كانت كفيلة بمنحه عاهةً/ ملكةً مستديمة تفتح فيه جرحًا غائرًا في الرؤى، وتجعل منه شخصًا يرى أطياف وحكايات الناس الذين مرّوا قبله في الأماكن، أو استعملوا الأثاث، أو الألبسة، مازجًا بين البارانويا كحالة مرضية والرؤيا كحالة طبيعية.
وقد استطاع القصير وصف المأساة السورية بشقيها الأساسيين “الحرب – اللجوء” وصفًا موفقًا، حتى يكاد القارئ يعيش الحربَ بتفاصيلها الأليمة من قتل وتهجير وتدمير وسرقة وقهر، واللجوءَ بتفاصيله الموجعة من حالة اغتراب وانتظار وترقب واندماج ومآس يكاد يكون موضوع لمّ الشمل من أقساها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق