فكر وثقافة

الأدب العربي من إشبيلية… إلى أغماتَ

رشيد سكري

تاريخ الأندلس تاريخ مليء بالصراعات المذهبية والطائفية المقيتة، فكانت هذه الأخيرة من بين أهم الأسباب المباشرة، التي عجلت بالسقوط.

 ظل الحضور العربي، في الأندلس ثقافة وفكرا وعمرانا، بارقة أمل أمام الدارسين والباحثين الجدد، لمعرفة الامتدادات الحضارية، التي عاشتها الأمة العربية لما يزيد عن ثمانية قرون في شبه الجزيرة الإيبيرية. حيث إن المسار التاريخاني، الذي تأسس على ضوئه تاريخ الأدب العربي، منذ العصر الجاهلي إلى حدود دهاقنة عصر النهضة، وطـن الأدبَ الأندلسي في قلب الحضارة العربية الإسلامية، بل جعل منه صورة الشرق يحياها الأندلسي في الغرب. إن المد التاريخي جعل من الأندلس منارة الحضارة في العلوم والآداب. فأيا كانت الدراسات الأدبية والعلمية، التي تحتفي بهذا الموروث الثقافي والفكري، لابد أن يكتوي الدارس بلظى الصراعات المريرة، التي جعلت من الأندلس أرضا حمئة وموطنا للخلافات الفكرية والمذهبية، ونتيجة لذلك تقطعت أوصالها وسواعدها في ظل حكم عربي بائد. فبين المد والجزر كثير من المياه جرت تحت الجسر، فبزغت صفحات من الإشراق الطافح والمستفيض بالأدب والفكر والسياسة، لتلقي بظلالها العريشة على هزائمَ وإخفاقات قاتلة ومتتالية، إلى أن تم نفض غبار عن حقيقة موجعة من تاريخ الأندلس. فمهما كان التدفق الفكري والأدبي يغري ببريق الشهرة والمجد والأنساب، لابد أن يخفي تحته غابات من انتهاكات جسيمة في حق الإنسان والأرض والتاريخ. فثمن الحضارة، عبر التاريخ البشري، لا يسلم من بؤر معتمة تعمل في خفاء، وتحد من تقدم الدراسات والبحث عن حقيقة غائمة في الذاكرة الحضارية لبلاد الأندلس.
تاريخ الأندلس تاريخ مليء بالصراعات المذهبية والطائفية المقيتة، فكانت هذه الأخيرة من بين أهم الأسباب المباشرة، التي عجلت بالسقوط.
لا حديث، إذن، عن شبه الجزيرة الإيبيرية بدون استحضار رجالات الفتح والأدب والسياسة، بل لا يستقيم عود الكلام حتى، إلا إذا تحدثنا عن مشاهيرَ، بصموا التاريخ بتجاربَ ممتدة في الزمن. من أمثال: ابن عبد ربه، وزرياب بن شهيد المغني، وولادة الشاعرة، وابن زيدون، وابن حزم، ولسان الدين بن الخطيب، والمعتمد بن عباد وغيرهم، ممن حققوا انتصارات جمة في سِجالاتهم الفكرية والخطابية والمذهبية، وتقلبوا في مناصبَ مهمةٍ في الدول العربية، التي استوطنت بلاد الأندلس. إن سقوط غرناطة كان منعطفا خطيرا أدى إلى الإنهاء الفوري للحكم العربي في هذه البقاع، فعلى امتداد ثمانية قرون كانت الدولة العربية حاضرة في الأدب والتاريخ والسياسة، حيث تم التأريخ لهذه الفترة الزمنية بالقول النثري والشعري. فمن الطبيعي أن يكون للأندلس أدبٌ قبل مجيء موسى بن نصير وطارق بن زياد، كما بات من الواضح جدا أن تكون بصمة الأدب الروماني حاضرة في هذا التلاقح بين الشرق والغرب، خصوصا عندما انتشرت المدارس الأدبية في الأندلس، فما كان للأندلسيين إلا أن يتعلموا أدب المشارقة، وبذلك انفتح باب التأثير والتأثر على مصراعيه بين الأدبين.
تاريخ الأندلس تاريخ مليء بالصراعات المذهبية والطائفية المقيتة، فكانت هذه الأخيرة من بين أهم الأسباب المباشرة، التي عجلت بالسقوط. فانطلاقا من الأمويين الذين مادت الأرض تحت أقدامهم، وسلط سيف العباسيين على أعناقهم، اتجهوا غربا ويمموا شطر المغرب، فدخلوا الأندلس واستقروا في قرطبة، بعدما لان الحكم لعبد الرحمن الداخل. أما ملوك الطوائف فكانوا الحلقة، التي تربط بين حكم الأموي والمرابطي في الأندلس، فكانت دولة العبادية في إشبيلية، التي أسسها القاضي إسماعيل بن عباد، الجسر الذي أمن عبور المرابطين إلى هذه الأصقاع، عن طريق معركة الزلاقة الشهيرة.
كانت دوحة بني عباد يمتد لها عريشها على طول وعرض إشبيلية، كما أن لهم من الذكاء والفطنة ما مكنهم من بسط نفوذهم وسلطانهم وإحياء عهدهم بالإمارة البائدة على عهد الدولة الأموية. فلما اشتد، في هذه الأخيرة، وطيس التصدعات والتمزقات، عجل بسقوطها؛ بزغت إشبيلية كمنارة في قلب الأندلس، تتطاحن مع البربر أمراء غرناطة ومالقة، لإرساء الزعامة على طول ملوك الطوائف في شبه الجزيرة الإيبيرية. ووفقا لهذه الأوضاع العصيبة، التي مرت منها إشبيلية، ظهر المعتضد بن عباد كرجل قوي في الفكر والسياسة والشعر، حيث خفقت له البنود بالانتصارات المتوالية، ما عنت له إمارته في السماء بالأدب والسياسة. فكما جاء في «نفح الطيب» أن الملك المعتضد لا يستقبل في داره يوم الاثنين إلا الشعراء، وهذا أكبر دليل على سمو الفكر والأدب في حضرة بني عباد.
أمام اشتداد الانقسامات والتطاحنات، فكان للزيارات، التي يقوم بها الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين للأندلس، هدف الاطلاع على أحوال الرعية في تلك البقاع. ولم يخطر ببال الأمير المرابطي، بل لم يدر بخلده، أنه سيدشن بها فصول مأساة شاعر، وقف عاجزا أمام فقيه جاءه من الجنوب. إن الحملة، التي شنها يوسف المرابطي على كل ربوع الأندلس، بما في ذلك ملوك الطوائف، نجم عنها أسر المعتمد بن عباد ملك إشبيلية، وبذلك انطلقت رحلة الإبحار في عالم المعاناة رفقة زوجته اعتماد البرمكية وبناته، اللواتي نزلن من القصر إلى الأسر.
 
الشاعر هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره؛ يقول قولا موزونا ومقفى ويدل على المعاني والحكم.
 
فهُيئت لذلك سفن أعِدت لحمل الملك وأسرته، بعدما وضع الثقاف على معصميه، وبعدما شاهد موت ابنه مالك بين يديه. لفت الحسرة والأسى ربوع إشبيلية، وعلى طول الوادي الكبير، الذي يفصلها إلى عدوتين نضرتين تجمهر غفير أهلها، ليلقوا نظرة أخيرة على راعيهم، وهو يغادر إشبيلية إلى سجن أغمات في مراكش. تأوهت القلوب وذرفت العيون دمعا ساخنا على فراق غير منتظر، فأفصحت عن لواعج حزن وأسى مقيم بين الجوى والجوانح، فكان الشاعر الداني ممن حضر مراسيم الوداع الأخير، فأنشد داليته الشهيرة من البسيط، رثاء لحال ملك إشبيلية، مطلعها :
تبكي السماء بدمع رائح غادي على البــَهاليل من أبنـــاء عبــاد
نزل الركب الأسير في طنجة، فاستقر فيها المعتمد بن عباد ليالي معدودة ، قبل أن يحمل إلى أغماتَ في مراكش. بالموازاة مع هذه التجربة الأليمة، كانت لاعتماد البرمكية زوجة المعتمد يدٌ سابغة في صياغة هذا المشهد الدرامي الأليم في تاريخ الأدب المغربي، عندما حلت أسيرة في سجن أغمات رفقة بناتها الأميرات، فقال المعتمد من مجزوء الرجز باعثا لواعجَ الحرقة والألم الدفين:
قالت: لقد هنـا هنا مولاي، أين جاهنا؟
قلت لها: إلى هنـا صيرنا إلـــــــــــهنا
فذكر بعض المؤرخين، على لسان الدين بن الخطيب في «أعمال الأعمال»، أن ملك إشبيلية ، وهو في الأسر، تحلى برباطة جأشه وقوة عزيمته وصبره، حيث لم يطأطئ رأسه مهانة وذلا، على الرغم من قساوة الجلاد.
ففي كتاب «الأدب والارتياب» لعبد الفتاح كيليطو أشار إلى أن الدهر خان المعتمد، حيث أدار له ظهر المِجَن. فبعدما كان الملك يأتي إليه فوق البساط، إلى إشبيلية يسعى أم إلى البدر يرتقي؟ صار التسول يطارده في أغمات. فالبطل في المأساة اليونانية، حسب كيليطو، يلازمه إحساس بالذنب والخطيئة، بينما المعتمد لم يشعر قط بارتكابه أخطاء في تاريخ الدفاع عن راية الإسلام في الأندلس؛ لأنه يؤمن بموازين القوى والتحالفات في الحروب، التي كان يخوضها في ربوع الأندلس. صحيح أنه لم يستطع أن يدافع عن مالقة، فسقطت أسيرة في يد باديس بن حبوس، ما اضطر المعتمد وأخاه إلى الفرار إلى رندة، حيث بدأ يستجدي أباه المعتضد بن عباد برائيته الشهير من البسيط، مطلعها:
سكـن فؤادَك لا يذهب بك الفِكر ماذا يعيد عليك البث والحذَر؟
سيكون طبيعيا، أن المعتمد لا يرغب في أن يكون بطلا لقصة أطبقت شهرتها الآفاق؛ فهو مكرهٌ لا بطل، لاسيما وأنه كان يسعى، فقط، إلى الحفاظ على المجد، الذي خلفه له المعتضد، وأن يرسم سمتا لمجد آبائه وأجداده من الشعراء. فالشاعر ندي الإحساس ورهيف المشاعر، كان يضع نصب أعينه تاج الملك الذي ورثه في إشبيلية، إلا أن الدهر أفسد عليه حلمه ويقينه. فليست المفارقة أن ينتصرَ الفقيه على الشاعر، أو ليس من الغريب حتى أن يضيع مجده وسلطان آبائه، بل الجميل في ذلك هو أن نفسية الشاعر امتثلت وركنت لطبيعتها وأقنومها الجواني. فالشاعر هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره؛ يقول قولا موزونا ومقفى ويدل على المعاني والحكم. فأنى للمعتمدِ أن يسوسَ الناسَ بسياسة تتدفق إحساسا ومشاعرَ. لاسيما وأنه عاش أميرا في كنف المعتضد، يغرد ويغني بقلب طروب لألحان الحياة، ويرتاد بسوطها وظلالها وعرائشها الظليلة، فكان المعتمد ابن عباد مثالا للشاعر؛ الذي ولد وفي فمه ملعقة من الذهب.
نقلا عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق