فكر وثقافة

لولا الغوطة لما كانت دمشق …

خيري الذهبي

غضي لحاظك يا عيون النرجس …. فعسى أفوز بنظرة من مؤنسي! ولكن هل كانت دمشق تستطيع البقاء أو الحياة وهي “الواحة” دون الغوطتين اللتين صنعتا منها المدينة العاصمة الأولى عبر تاريخ الإنسان!

في بداية القرن الخامس عشر الميلادي تعرضت دمشق إلى كارثة لم يفق مفكروها حتى اليوم من آلامها، ألا وهي غزوة تيمور للعالم الإسلامي الغربي بدءاً من إيران، قبل الصفويين، ومرورا بالأناضول العثمانية قبل الاستيلاء على القسطنطينية، وأخيراً العراق وبلاد الشام، وختم تيمور رحلته بغزو دمشق.
كانت دمشق المملوكية قد تخلى عنها حاكمها الطفل “فرج” ذو الثلاثة عشر عاماً، وهرب إلى مصر تاركها لقدرها مخدوعاً برسالة سربها إليه تيمور يزعم فيها أن مؤامرة أعدها المماليك الأقوياء، الذين كانوا أنصار أبيه السلطان برقوق قبل موته، لقتله أو لخلعه، وكان برقوق قد نجح في جعل ابنه “فرج”، وارثاً له في حكم الإمبراطورية المملوكية مخالفاً عرف المماليك في وراثة القوي للسلطان المتوفى، هذه الحقيقة التي يعرفها الجميع ربما جعلت السلطان الطفل “فرج” يصدق رسالة تيمور الدسيسة، أي معرفته بأنهم ما قبلوه سلطاناً إلا رغماً عنهم.
فالمماليك الغاضبون من تسليم فرج حكم الإمبراطورية المملوكية في النوبة ومصر والشام وجنوب ما يعرف الآن بـ تركيا كانوا قد تقاعسوا عن المشاركة في الدفاع عن دمشق، وكانوا يؤمنون أن فيهم من هو أجدر من فرج بخلافة السلطان برقوق، المملوك السابق، وهذا الطفل الغاصب لا يستحق وراثة سلطنة كالسلطنة المملوكية، وكانت الوشوشات تصل إلى فرج عن مماليكه الذين يفترض فيهم الاستماتة في الدفاع عن الإمبراطورية، وعن الإمبراطور فرج فيبتسم مؤجلاً عقوبتهم إلى أن يحين الوقت.
 المهم دخل تيمور دمشق، ودمّر، وأحرق جامع بني أمية الكبير، وقتل الرجال إلا من فرّ خارج المدينة، أو اختبأ في الآبار، أو القرى المحيطة بدمشق، أو أفلح في الهرب من قوافل العبيد الذين استعبدهم تيمور الجغتائي أو المغولي، وأمر بجرّهم إلى سمرقند.
بعد خمسين سنة من هذه الكارثة المدمرة سنقرأ للكاتب والشاعر والرحالة ابن البدري كتاباً يعتبر من أجمل كتب العصر الوسيط يتحدث فيه عن دمشق، ولا يذكر اسم تيمور، أو كارثته المدمرة، ولو مرة واحدة. كان قد تجول في العالم الشرق أوسطي المسلم.. فعرف بالمصائب التي دهمت هذا العالم، وأدرك أنهم لا يريدون من يذكرهم بهذا الماضي القميء، هذا الكاتب هو أبو البقاء عبد الله بن محمد المصري الدمشقي ابن البدري الذي وضع كتابا من أجمل الكتب التي تتحدث عن دمشق وسعادتها بالحياة، وإخلاصها للتقليد الدمشقي في الاحتفال بالربيع والزهر والخصب، ولولا أننا نعرف عن الإسلام المتشدد الذي كانوا يدينون به لقلنا إنه يتحدث عن أبيقوريين ممن استسلموا لمتع الحياة الدنيا، ونزهاتها العاشقة للأشجار المثمرة، والأزهار الفاتنة في بساتين الغوطة، ومتنزهاتها، ومغانيها، و”سيارينها” والسيران هو النزهة الدورية حيث يتروحون بين الزهور، والثمار حسب الموسم، وفيه يتشارك الدمشقيون غنيهم وفقيرهم في مواسم الزهر والثمر وغناء العصافير والذي تحول إلى طقس يخضعون له دون تفكير في منشئه وأساسه. فغداؤهم يتراوح بين الذبائح الكثيرة و”المعلاق” أو رئة الحيوان الذبيح أو الباذنجان المقلي أو الفول الأخضر المقلي الخ … فالمهم هو طقس السيران!
يبدأ أبو البقاء حديثه عن دمشق بالحديث عن أبوابها (يمكن ملاحظة أن حديثه عن الأبواب ليس فيه حديث عن خراب أو دمار أو حريق) ترى هل أصلحوها خلال نصف القرن الذي مضى منذ غزوة تيمور؟ أما أبوابها: فالباب الأول كان يدعى باب كيسان وقد وضعوا عليه صورة النجم زحل، ووضعوا على الباب الشرقي صورة للشمس، وعلى باب توما صورة للزهرة وعلى باب الجنيق صورة للقمر، وعلى باب الفراديس صورة لعطارد، وعلى باب الجابية صورة للمشتري.
هل كان الدمشقيون يعبدون النجوم قبل وصول الأديان الإبراهيمية؟ ربما!
ثم ينتقل من أبواب دمشق الحامية إلى أزهارها الفواحة، فيقول:
يقول جالينوس يصف زهر النرجس: النرجس يرعى الدماغ والدماغ يرعى القلب!
 أما أبوقراط وهو الطبيب، صاحب القسم الذي على جميع الأطباء حتى اليوم أن يقسموا به قبل تكريسهم أطباء، فيقول: كل شيء يغذو الجسد، والنرجس يغذو العقل! ثم يضيف: من أدمن شمَ النرجس في الشتاء أمن الإصابة بالبرسام في الصيف!
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: حدثنا رسول الله، فقال: شمّوا النرجس ولو في اليوم مرة، ولو في الجمعة مرة، ولو في الشهر مرة، ولو في السنّة مرة، ولو في العمر مرة، فإن في القلب حبة من الجنون، والجذام، والبرص لا يذهبها إلا شم النرجس!
وقال الشاعر: غضي لحاظك يا عيون النرجس …. فعسى أفوز بنظرة من مؤنسي!
ويقول البدري واضع الكتاب: ومن محاسن الشام النرجس البري، واليعفوري (ويعفور قرية في الغوطة الغربية) والثالث المضعّف، أي مضاعف البتلات، ثم يصف تحولات النرجس الكثيرة.
وينتقل إلى أنواع الزهور في غوطة دمشق فيقول:
أما عن الياسمين في دمشق والغوطة:
فقد لاح زهر الياسمين منوراً .. كأقراط درٍّ قمّعت بعقيق
ثم يضيف قولاً للعلاء بن أيبك الدمشقي:
كأنما الياسمين حين بدا ..أصفره في جوانب الكثب
عساكر الروم نازلت بلداً …. وكل صلبانه من الذهب!
ثم ينتقل إلى زهر المنثور: كأنما صاغته أيدي الحيا … من أحمر الياقوت صلبانا
وينقضي نصف الكتاب تقريباً في الحديث عن الورود وأنواعها في الغوطة وقرى دمشق، ثم ينتقل إلى الحديث عن فواكه دمشق فيذكر عشرين نوعا من المشمش كالحموي والسندياني والأويسي والعربيني والكلابي والسلطاني الخ، ويذكر شعراً وشعراء كثيرين يصفون المشمش ويتغنون به!
وحين يصل إلى الخوخ لا يغير من طريقته في وصف أنواعه، وما يماثله من البرقوق، ثم ينتقل إلى القراصيا “نوع من الكرز” فيقول:
كأنما القراصيا… لما بدت للنظر…
حبة مرجان ترى….في راس خيط أخضر!
وأخيراً يصل إلى الخضار فنرى إسفاف الشعراء المقموعين، فالحكم كان للمماليك وعسسهم وسجونهم المخلدة، فتركوا جليل الأفكار، وانتقلوا إلى التغني بالخيار والقثاء واليقطين.
وقديماً قال النفري: إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، ويصدق مقلوب القول “إذا ضاقت الرؤية اتسع الكلام”… وخاصة إذا ضاع العدل، فلم يجدوا بديلاً عن النفاق سبيلاً إلى التقدم في دولة المماليك من …العجم والعجماوات!                                                       
 
نقلا عن المنبر العربي الثقافي “ضفة ثالثة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق