فكر وثقافة

قصائد أميركية عن فلسطين: “نأسف للدمار الذي ألحقناه”

رغم أن الكلمات هي زجاج نوافذ في كوخٍ متداعٍ منهوب، مُلطّخ بأمطار الزّمنِ القذرة، ربما نتخاصمُما يعني أن الكلماتِ شفافةٌ مثل الزجاج إلى أن تسفعَه الشمسُ حدَّ الإبهار

يمن مونيتور/ضفة ثالثة

ما بين البريء والجلاد
أدريان ريتش
رغم أنّ كلمةَ الرضوخ يمكن أن يكون لها السّطوة كالكلمة الطيبة
رغم أن الجندي الإسرائيليّ الذي أُجريتْ معه مقابلةٌ
بعد سنوات من الانتفاضة الأولى أبدى الندمَ أمام الكاميرا
لما قامَ به تنفيذاً للأوامر، لما شَهِدَه، لم ينفِ
أن أحدهم وهو ينسحب من بيت جالا استطاع أن يخطَّ بسرعة
على جدار: حقّاً نأسَفُ للدّمار الذي ألحقناه
إنه ابتذال بكلّ بساطة ــ الكلمة التي ستُبْطِلُ الفعلَ
رغم أن الإنسانَ يساوي ما بين البريء والجلاد
رغم أننا نتمسّك بالبراءة بغضّ النّظر عن بداهتِها
رغم أن الكلمات يمكن أن تُتَرجَمَ إلى عظامٍ مكسورةٍ[1] رغم أنّ إمكانيةَ رشقِ الكلمات بحدّ ذاتها سلاحٌ
 
رغم أن الجسدَ يمكن أن يكون سلاحاً
يعرفُه أيُّ صبيّ في ساحة اللعبِ
الذي طلبَ كلمتَك المفضّلة في لعبةٍ
لطالما أطلقتَ اسماً على شيء ما، صنف ما، حريّة أو نهر
(أبداً ليس ضميراً، ليس الله أو الحرب)
الكلمة أمرٌ مُسلَّمٌ به
رغم أن الكلمة والجسد
هما كلّ ما علينا أن نضعه نصبَ أعيننا
رغم أن الكلمات هي زجاج نوافذ في كوخٍ متداعٍ منهوب، مُلطّخ بأمطار الزّمنِ القذرة، ربما نتخاصمُما يعني أن الكلماتِ شفافةٌ مثل الزجاج إلى أن تسفعَه الشمسُ حدَّ الإبهار
 
 
لكن حدث أنك رأيتَ وجهَك في زجاج النافذة المعتمة
رغم أنك حين تمسح نظّارتيك يغدو النَّصُّ أكثر وضوحاً
رغم أن صوتَ الزّجاج المتكسِّرِ يأتي عالياً كما العرس
رغم أني أستطيع النظرَ من خلال الزجاج
إلى بيتِ جيراني
وليس إلى حياة جيراني
رغم أن الزجاج يتكسّر أحياناً لينقذَ حياةً
رغم أن الكلمة التي يمكن أن تنسحقَ مثل قدحٍ تحت الأقدام
تبقى على ما تبدو عليه، سؤالاً مجزوءاً، جواباً مجزوءاً: كيف تعيشُها.
 
*أنباء صباحيّة[2]*
مارلين هاكر
 
يطغى نسيم الربيع على رائحة عادِمِ الحافلة والخبزِ
والبطاطا المقليّة، وأطراف الأغصان الخضراء،
يردّدُ أصداء أخبار عتيقة: غطرسة، جهالة، حرب.
 
ثمة حائط من اللِّبْنِ يفصل بين يتين
آلَ بدوره أنقاضاً. على أحد جانيه كان هناك مجلى
مطبخ وخزانة، على الآخر كان
هناك سرير، رفّ للكتب، ثلاث صورٍ مؤطّرة
 
 
 
انتثرَ الزجاج على الصّور؛
ونصفا رغيفٍ صغيرٍ ياب
 
على خزانة المطبخ. كان ملجأً
مؤقّتاً، شاحنة بلاستيكية تحت أغصن
 
شجرة تين. سكين تلتمع في المطبخ،
بكل بساطة لتقطيع الثّوم. آلاتُ الحرب
قادمة لامحالة تقصدُ بيوتاً محدّدة
 
بينما مدنيّو (إسرائيل) يمكثون آمنين في بيوت أخرى
يقرؤون الجريدة، التي تخلقُ صورُها
المسوّغاتِ التي تبرر الحرب
هناك أصنافٌ لا تُعَدّ ولا تُحصى من الخبز
الذي جُلِبَ من المخابز، خُبِزَ في المطبخ:
التاريخ، المدى، يشيان أيّ منها قد
سقطَ من يدِ طفلٍ تحت الأغصان المدماة.
ربما تغلغلتْ الأغصان الطّليقةُ
المتشعّبة في حيطان
البيوت وأُطُرِ الشبابيك والسّقوف. حيث كان ثمة
برج، بلدة: رماد وأسلاك محروقة، رسم بياني
على شاشة كمبيوترٍ في البعيد. في مكان آخر تجد الأواني الفارغة
على طاولة المطبخ، هناك تربّى الأولاد
ليشقّوا الدّربَ إلى حيواتٍ جديدة قُطِفتْ بالحرب
مَن تُراها ارتدتْ هذا الفستان القطنيّ لمنشّى المهفهف؟ من ارتدى
هذه الكنـزة وعليها شعارُ الفرع المحل
لفريق المنطقة لكرة القدم؟ من هم الذين خلفوا هذا الخبز الأسود
وهذا الخبز الذهبيّ في بيوتهم المهجورة؟
الذين توسّلَ آباؤهم الرّحمةَ ف المطبخ؟
الذين ستؤطّرُ ذكراهم الصور
وسيستعملون الذكرى لما لم تُنذَر لأجله
أبداً من قِبَلِ هذه البنت، وذلك العجوزِ، الذي
شوهدَ في الملعب قرب نافذةٍ هي: الحرب،
في قلبِ اللوعةِ أوصى أن تبقى
الصورة حيّةً. (أو هل كان الفريق فرعاً متخفّياً
من جماعة محظورة؛ هل رُسمتِ الخرائط في المطبخ،
دُسّتْ قنبلة في رغيف خبزٍ منفوخ؟)
ما الذي ابتهلَ العجائزُ لأجله في دُوْرِ
عبادتهم، الذي درّسه المعلّمون في مدارسهم
ما بين انقطاع الضوء والقصف، حين كلّ كلمةٍ
قد تسلّختْ بملامةٍ جديدة، الكتب وقد استُبدلتْ بالخبز،
أكِلاهما رهين مصادفة الحرب؟
أحياناً تكون غرفة الصّفّ الوحيدة مطبخاً.
خارج النافذة، لطخات سوداء على رسم بيانيّ
لزجاجٍ مهشّم، عصافير تنتظمُ على أغصانٍ عارية.
“هذه الرسالة تنكمش، وهذه تفرشُ أغصانها
كأصدقاء يمسكون بأيدي بعضهم خارج بيوتهم.”
هل قُوطِعَ الدّرسُ بسبب نيران البنادق؟ أكان
هناك ذُعرٌ، صمتٌ؟ ألا تزالُ ثمة صورةٌ ممزّقة
تضمّ أولاداً في مطبخ المدرّسين؟
أهُمْ هناك يتلقّون بانتباهٍ دروسَ
زمنِ الحربِ مستعينين برموز بديلة للبيت، وللكتاب، وللخبز؟
 
فلسطين الزرقاء الحزينة
أريانا راينز
عشبةٌ دون سواها تطلبها طواحنُ حصاني
ويهبط القمرُ سريعاً إلى ما وراء الأسيجة
ويسترخي القمح
بانتظار الموت
كان يمكنني رؤية البحر من حيث كنتُ
شعشعتْ قبعتي متشابكة الخيوط بالأزرق
خَدُّ جبل طارق المتشققُ
راسخٌ، تلمّظت له الشفاه ولم يذبْ
حيث حرارة كلبي عند قدميّ يلطّف حدّة حجر الشحذ
أتحدث عنه بهذه الطريقة
أقولُه بهذه الطريقة
ألثغُ باسمه في تجويفِ جدارٍ ملطَّخٍ بالأسود داخلَ تكوين فمي
عشبةٌ دون سواها تطلبها طواحنُ حصاني
والقمر يستقيم
والقمح يسترخي
ويفتح شهيّته
بانتظار الموت
أنقعه في مائي الأسود
يجيش في أكياس علّقتُها بين الدعائم
يجيش في عبوات نقلِ الكهرمان واليَشْبِ
قطراتِ زهر في أكياس سيلوفان معرَّقةٍ بخثرات لزجة من شمس تعود لجندي بلاستيكي
لحظة يندلق الوعاءُ على امتداد لساني
وعشرة براميل من الشحم تحترق بانسجام
عشبةٌ دون سواها تطلبها طواحنُ حصاني
تعويذة مشدودة بإحكام
يستقيم القمر
يسترخي القمح
علب كرتونية تقعقع فوق الحجر
أوعية بنزين وأوعية رمال
رميتُ معطفي فوق البحر
البحر المخملي
انفرش معطفي
انفرش معطفي
كان زرقة القمة لعمود من حليب
كانت زخرفته المبللة
الأنشودة القصيرة التي ناحتْ بها كلا الريحين في شرج الليل
كانت الأوراق والجليد
هي ما ينزلق على قعر الجدول. ما تتخافت طاقته على قعر الجدول
شيء صغير واحد. كسرة زرقاء واحدة من فلسطين واهنة القوى.
نُخِستْ أوعية النبيذ
تُساطُ ضروع الماعز حتى التقرّح
حيث تتوضع طبقات الميكا في حُجيرة المخاط
حيث يُمتصّ مخملي
حيث تُسفع الوجنةُ بالنوم ثم يمسها البحر برفق
فلسطين الزرقاء الحزينة
رقبة بجعة تلوَّتْ في النفط
تُزيِّن بشراباتها نهاراً اسوَدَّ بحجارة تتطاير وتتطاير ثم تتساقط وتتساقط وتتساقط.
يستقيم القمر
ويسترخي القمح
رُقاقةٌ تبيَضُّ على لسان الرجل المشنوق
ابتلع البحر معطفي
سورُ البحر أزرق متكسِّر
ساعة فلسطين الجدارية
مناقيرُ نوارسٍ من ملح
براميل معدنية أُحْكِمَ إغلاقُها باللحام وعُبِّئتْ بأسماك القدِّ المملَّحة
سندان من أرض محشورةٍ على شكل سرّةِ الطفل الوليد
شعر نما على قبعة الإمبراطورة
نُقش للأبد في سجل تاريخها النحاسيّ
لا عشب يصرخ تحت قدم حصاني
لا حجر يصهل تحت سطح البحر
لا رقَّ يجنّبني القصبَ الذي يرعش في قفصي الصدريّ
ولا طحالب ترعش
ولا ضفادع تتجشأ الرّقُمَ على أنشودة صفقتي الليلية
فلسطين الزرقاء الحزينة
رضيعٌ مُدمى على مَريلة العالم
فلسطين الزرقاء الحزينة
طبق ثلجٍ تنقّعَ في شمسٍ صمّاء.
استشهاد ريتشل كوري
ديفيد روفيكس
ربما، عندما قعدتْ على الطريق الترابية
أمام آلتكَ
امرأةٌ جميلة تلبس الأحمر
بينما أنت في ثوبك العسكري الأخضر،
لكنتَ ستطلب منها موعداً غرامياً
لو رأيتَها في القدس
لكنك الآن في غزة
تندفع باتجاه البوابة
حين ترجّلتَ
هل تذكرتَ عينيها
وهل ذكّرتكَ نظرتُها
أنك قد أصبحتَ ما كنتَ تحتقره
إذ تندفع بجرافتك باتجاه هذه المرأة
متجاهلاً كلَّ نداءات التوقّف تلك
هل ساوركَ ولو قليل من الشك
لحظةَ شهدتَ جسدها يتهاوى
بينما تمرّ آلتكَ الكاتربيلر[3] فوق جسد يُسحق
بستين طناً من الثقل الجبار
الذي هشّم ضلوعها
هل تخيّلت ملامح وجهها
وأنت تسلبها حياتها
هل قدّمتَ خدمة جليلة لبلدك
في ذلك النهار الربيعي البارد
وحين رجعتَ عابراً الخطَّ الأخضر
إلى الشاطئ الفسيح
هل فكّرتَ بأنه كان مجرّد يوم آخر
في حرب قذرة
وحين أمعنتَ النظر في المياه
هل أحسستَ بعدَمٍ مطْبَقٍ
أم أن الأمر لم يتعدَّ حياةً أخرى خطفتَها
وبيتاً آخرَ دمّرتَه؟
 [1]  تقصد الشّاعرة المشهد المعروف حين حطَّمَ جنديّ إسرائليّ عظامَ شاب فلسطيني أعزل.
[2] – القصيدة من كتاب Poets for Palestine نيويورك 2008.الذي صدر بالعربية  منتصف 2011.
[3]  Caterpillar: اسم الشركة التي تزوّد جيش الاحتلال الإسرائيلي بالجرافات والبلدوزرات ومعدات هدم بيوت الفلسطينيين. والشركة مدرجة في لائحة المقاطعة العربيةـ الصهيونية غير المفعَّلة الآن، في حين لا تزال بعض دول العالم غير العربي تقاطعها حتى الآن. (م)
نقلا عن منبر ثقافي عربي “ضفة ثالثة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق