كتابات خاصة

بين منهج المعتزلة والمحدثين

عبدالله القيسي

حين انتصر منهج المحدثين فقد عهدنا المسلمين بفضل ذلك المنهج يقتصرون على جمع المتفرق أو تفريق المجتمع، وقل أن نجد مبتكراً كابن خلدون الذى كانت له مدرسة خاصة، كان تلامذتها غربيون لا شرقيون.

إذا سمعت يوما بالفلسفة العقلانية التي أنتجتها أوروبا في قرون النهضة والتي كان عمادها الشك أولا، والتجربة ثانيا، والحكم أخيرا، فاعلم إن فرقة إسلامية تسمى المعتزلة كانت قد اقتربت من ذلك المنهج، ولك أن تتطلع على ما كتبه أحد أعلامها حول الشك وهو الجاحظ في كتابه “الحيوان “.
لقد اشتهر عن هذه الفرقة أيضا عدم قبولهم للروايات التي تخالف العقل، كما اشتهر عنهم تأويل الآيات بما يوافق منطق العقل.. لقد رفضت كثيرا من الأوهام والخرافات المنتشرة بين الناس ومنها رؤية الإنسان للجن عملا بقوله تعالى: «انه يراكم هو و قبيله من حيث لاترونهم» وكانوا يهزءون بمن يخاف من الجن..
لقد كانوا يؤسسون دعوتهم الى الاسلام حسب مقتضيات العقل وفلسفة اليونان، و لهم في ذلك باع طويل.. وهكذا اشتهر عنهم، وهكذا كان منهجهم، وهو منهج ربما لا يناسب إلا الخاصة، ولذلك لم يعتنق الاعتزال الا خاصة المثقفين، أما العوام فلم ينتشر لديهم كثيرا .
لقد جرّهم ذلك المنهج إلى الخوض في قضية ربما كانت تحاط من التقديس عند غيرهم، فقاموا بتشريح الصحابة والتابعين كما يشرح سائر الناس، فهم في نظرهم عرضة للخطأ كما يخطئ الناس، ولم يتوقفوا عند نقد أحد بمن فيهم الخلفاء الأربعة، ولم يمنعهم منهجم من أن يفضلوا بعضهم على بعض، وبسبب ذلك ربما اعتبرهم البعض شيعة.. ربما كان فيهم متشيعون ولكن ليسوا كلهم كذلك..
يقابل هذا المنهج منهج المحدّثين، وهو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية (العقل)، منهج يعتمد على  نقد الرواية سندا لا متنا، ومتى صح السند صح المتن عندهم حتى لو خالف العقل، وقل أن نجد حديثاً نُقِد من ناحية المتن عندهم، و اذا عُرض عليهم أمر رجعوا الى الحديث ولو كان ظاهره لا يتفق و العقل، كما يتجلى ذلك في مذهب الحنابلة..
لقد كان من سوء الحظ أن استغل المعتزلة السياسة لنشر مذهبهم، فنصرهم على ذلك المأمون والواثق والمعتصم، وامتحنوا الناس و أكرهوهم على الاعتزال، فكرههم العامة واستبطلوا الإمام ابن حنبل الذى وقف في وجههم، فلما جاء المتوكل انتصر لمعارضيهم، حيث انتصر لأحمد ابن حنبل على الجاحظ وابن أبى دؤاد وأمثالهما، ونكل بهم تنكيلا شديدا، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنه معتزلى، كان الرجل يعتزل ويختفى حتى عد الزمخشري جريئاً كل الجراءة لتظاهره بالاعتزال وتأليفه فيه، وأظن أن تأخره زمنيا عن ذروة الصراع هو ما سمح له بذلك..
لقد انتصر منهج المحدثين على منهج المعتزلة، والسؤال الذي أضعه اليوم ماذا لو انتصر نهج المعتزلة؟
مع بعض ملاحظات على ذلك المنهج، إلا أنني أظن أن مذهب الشك والتجربة ثم اليقين بعد ذلك سيكون قد تربى وترعرع ونضح في غضون الألف السنة التي مرت عليه.. و كان هذا الشك وهذه التجربة مما سيؤدى حتما إلى الاختراع بدل تأخر الاختراع إلى ما بعد بيكون وديكارت، كان سيتقدم مئات من السنين، وكان العالم قد و صل إلى ما لم يصل إليه إلا اليوم، وكان وصوله على يد المسلمين لا على يد الغرب، و سيكون الابتكار سمة في الشرق لا الغرب..
أما حين انتصر منهج المحدثين فقد عهدنا المسلمين بفضل ذلك المنهج يقتصرون على جمع المتفرق أو تفريق المجتمع، وقل أن نجد مبتكراً كابن خلدون الذى كانت له مدرسة خاصة، كان تلامذتها غربيون لا شرقيون.
فالحق أن خسارة المسلمين بالقضاء على المعتزلة وفكرها كانت خسارة كبيرة للأسف، ولكننا اليوم نستطيع أن نصل لأفضل مما وصلوا إليه إن استفدنا من التجربة الإنسانية المتراكمة..
بين البشر مشتركات إنسانية وبين ثقافاتهم اختلاف، والحكيم من اصطاد المشترك الإنساني مميزاً له عن ما كان ابن بيئته من اختلاف..
*المقال خاص بـ(يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشره دون الإشارة إلى مصدره الأصلي.
*المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “يمن مونيتور”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق