كتابات خاصة

نريد أن نعيش

عبدالرحمن الظفري

نريد أن نمشي في شوارع مدننا في العتمة وفي الضوء دون أن نخسر أحداً، أن نخرج ليلاً أو صباحاً بلا خوف أو قلق أو ترقب، أن نحضر الندوات والملتقيات، أن نواصل دراساتنا العليا، أن نحاول اللحاق بالعالم الجميل وتطوره، أن نقرأ الشعر دون أن يشك بنا أحد، أن نكتب دون خوف من أحد.

تظل دعوات الحرب ايعازاً لإحراق كل شيء، وفي الحرب لا أحد بمنأى عن حريقها، ومن لم تحرقه فستكويه بلهيبها الحار.
 هكذا هي الحرب تساوي بين الجميع تحت غيم البارود، بعد أن تنتهي الحرب سنجدنا مع سؤال مع أنفسنا
لماذا كانت الحرب ولماذا كل هذا؟!
الرصاصة وبعد أن تستقر في جسد أحدهم لتعدم حياته، ماذا يذكر ضرفها غير صفير الريح حول جسدها..!
لقد خسرنا الكثير في هذه الحرب وما زلنا نخسر ما تبقى، مع أنه ربما لم يتبقى شيء حتى نفسياتنا خسرناها فأصبحنا مكتئبين متوترين تائهين.
إننا نرقب الموت كل يوم، نعيش في خوف وقلق يومي، مترقبين الموت كل لحظة، قلق حياتي ومعيشي ينهش دواخلنا، وحسرة وندم تحرق قلوبنا.
إننا نموت في اليوم الواحد عشرات المرات، نموت قلقا على حياتنا وحياة أقاربنا وأصدقائنا، نموت وجعاً لما نراه ونشاهده ونعيشه، ونموت ألماً على عدم استطاعتنا تقديم شيء لمن يجب علينا خدمتهم.. صديق والدته مريضة فيستنجد بك لخدمته وأنت لا تمتلك شيئاً ولم تستطع فعل شيء له سوى دعواتك لوالدته بالشفاء، فيظل ذلك ألماً يعتصر بداخلك، فصديقك هذا لم يلجأ إليك إلا لأنك من أقرب الناس إليه، ولأنه متعشم فيك خدمته.
الحرب لا تذكر من الحرب إلا الموت.. والموت الذي لا يذكر من الحرب إلا نفسه.
الجميع خاسر، وقد خسر الجميع أو على الأقل الحرب كدرت حياة الجميع وعكرت مزاج الذاكرة..
مع طول فترة الحرب أصبحت غير مفهومة، أضاعت الوقت وبعد أن أحرقت كل شيء، أحرقت الزمن وفخخت المستقبل وكل يوم تقلل من العدد السكاني وتقوم بتلف الأعصاب..
واليوم وبعد كل هذا نجدنا لم نعرف أين نحن؟ ومتى ستنتهي هذه الحرب؟ وكيف وكم تبقى لها من الضحايا كي تتوقف؟!
إننا في حيرة شديدة من حياتنا، أوراق ملخبطة ومعطيات غير صحيحة، ومواقف دولية متغيرة ومتضاربة ومحلية بليدة..
هل نحن في حيرة أم لا..!
الحيرة سقف العرفان ومنتهى المعرفة كما يقول العارف الكبير محي الدين بن عربي..
إننا لا نعرف أين نحن، وأين سنكون، ولكن يبدو أنها الحرب تعني أن لا نعرف..
دعونا من الحرب قليلاً..
ولنجرب في هذا البرد بفرك أيدينا على موقد من الجمر، ونستمع إلى حكايا الجدات والكبار ليأخذونا إلى ذلك الزمان القديم، حين كان ينام الجميع وقت العشاء، وهم مبتسمين لينهضوا مبكرين مع اشراقة الشمس “يا الله اليوم رضاك”، أول ما تلفظ به ألسنتهم ويتناولون القهوة جيدة المذاق مجتمعين لينتشروا في الأرض بعد ذلك.
هذا الفرح القديم متى سيعود؟
-نريد ان نعيش -الجميع يقولها بصوت عال- لقد مللنا قضاء حياتنا في مشاهدة الحرب فقط والمشي في الجنائز وزيارة المقابر.
نريد أن نمشي في أعراس بعضنا، أن نزور أصدقاءنا
نريد أن نمشي في شوارع مدننا في العتمة وفي الضوء دون أن نخسر أحداً، أن نخرج ليلاً أو صباحاً بلا خوف أو قلق أو ترقب، أن نحضر الندوات والملتقيات، أن نواصل دراساتنا العليا، أن نحاول اللحاق بالعالم الجميل وتطوره، أن نقرأ الشعر دون أن يشك بنا أحد، أن نكتب دون خوف من أحد، أن نمشي وبحوزتنا رواية وكتاب وعلى أكتافنا حقيبة لابتوب، دون أن يتهمنا أحد أو ينظر إلينا نظرة مخيفة ومستفزة، أن نسافر بلا توجس أو خوف، أن نزور كل مدن بلادنا بلا تردد..
تخيل..
كيف لو أن هذه الحرب فقط نقرأها في كتب التاريخ!
*المقال خاص بـ(يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشره دون الإشارة إلى مصدره الأصلي.
*المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “يمن مونيتور”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق