بين هجير الشمس والخيام المتهالكة.. النازحون في مأرب يخوضون معركة يومية من أجل البقاء

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عبدالله العطار
لم يعد النزوح وحده هو المعركة التي تخوضها آلاف الأسر في محافظة مأرب شرقي اليمن، فمع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية، تحولت المخيمات المنتشرة في الصحراء إلى بيئة قاسية تهدد حياة النازحين، في ظل نقص الخدمات الأساسية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وشح المياه، وسط مناشدات متكررة للسلطات والمنظمات الإنسانية بالتدخل.
في مخيم السميا بمديرية الوادي شرقي مدينة مأرب، تقف الخيام المهترئة في مواجهة الرياح والحرارة، بينما يعيش سكانها ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة تتفاقم مع كل يوم صيفي جديد، بعد سنوات من النزوح الذي فرضته الحرب.
“لا ماء ولا كهرباء”.. معاناة تتجاوز الاحتمال
تصف النازحة فكرة الحجازي، وهي مديرة مدرسة داخل المخيم ونازحة من مديرية صرواح، الحياة في المخيم بأنها أصبحت “معاناة لا توصف”، مؤكدة أن الأسر تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وتقول إنهم يعيشون بلا مياه كافية، ولا كهرباء مستقرة، ولا أدوية أو غذاء، بينما تتضاعف المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة، كون المنطقة صحراوية، والخيام المصنوعة من الطرابيل لا تقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء.

وتوضح أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء تؤدي إلى توقف الآبار التي تعمل بمضخات كهربائية، ما يحرم آلاف النازحين من المياه، ويجبر كثيراً من النساء على الانتظار حتى ساعات الفجر للحصول على كميات محدودة، بسبب قلة نقاط التوزيع والازدحام الشديد عليها.
وتضيف أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضرراً، إذ تتحول الخيام خلال ساعات النهار إلى ما يشبه “الحمامات البخارية”، ويصبح البقاء داخلها بالغ الصعوبة، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء ثلاث أو أربع مرات يومياً.
“الظُلة”.. محاولة للهروب من جحيم الخيام
ومع اشتداد الحرارة، تقول الحجازي إن كثيراً من الأسر لجأت إلى إنشاء عرائش تقليدية تعرف محلياً باسم “الظُلة”، باستخدام أعواد خشبية تُسقف بسعف النخيل أو القش، بما يسمح بمرور الهواء ويخفف من حرارة الخيام.
غير أن هذه الوسيلة، بحسب الحجازي، تحولت إلى عبء إضافي، إذ يتراوح سعر العود الواحد بين 15 و20 ألف ريال، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر النازحة.
ورغم ذلك، فإن هذه الحلول لا تنهي المعاناة، إذ تتسبب رياح الصحراء الحارة والمحملة بالغبار في انتشار أمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو والإنفلونزا والتهابات الحلق والجيوب الأنفية، لا سيما بين الأطفال وكبار السن.
وتوجه الحجازي نداءً إلى السلطة المحلية، والوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، والمنظمات الدولية، مطالبة بتوفير الكهرباء بصورة مستمرة، والتخفيف من معاناة آلاف الأسر التي تواجه حرارة الصحراء بإمكانات معدومة.
وتضيف: “كانت كهرباء صافر تغطي سبع محافظات قبل الحرب، والآن لماذا لم تغطِّ مديريتَي الوادي والمدينة؟”.

نزوح أنهك الأرواح ونغّص الحياة
من جانبها، تقول النازحة أم صلاح، وهي نازحة من محافظة إب، إن الحرب دفعتها إلى مغادرة منزلها بعد أن كانت تعيش حياة مستقرة، لتجد نفسها وأسرتها في مخيم يفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم.
وتؤكد أن النازحين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل غياب الغذاء والدواء والمياه، مشيرة إلى أن المرضى يواجهون صعوبة كبيرة في الوصول إلى المرافق الصحية، وقد يفقد بعضهم حياته قبل الحصول على الرعاية الطبية.
وتضيف أن سوء التغذية والحرارة الشديدة أنهكا أجساد النازحين، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، مطالبة الجهات الرسمية والإنسانية بالنظر إلى أوضاعهم وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
ورغم قسوة الظروف، تؤكد أم صلاح أنها ما تزال تتمسك بالأمل في أن تحمل الأيام المقبلة واقعاً أقل قسوة، وأن يتمكن النازحون يوماً ما من العودة إلى منازلهم.
صيف استثنائي يزيد المخاوف
من جهته، يقول النازح عدنان، أحد سكان مخيم الجفينة، إن صيف هذا العام يعد الأصعب منذ وصوله إلى مأرب، مشيراً إلى أن درجات الحرارة ارتفعت بصورة غير مسبوقة مقارنة بالأعوام الماضية، بالتزامن مع تأخر هطول الأمطار التي كانت تخفف عادة من حدة الأجواء خلال هذا الموسم.
ويضيف أن استمرار موجة الحر، مع نقص المياه والانقطاعات المتكررة للكهرباء، جعل الحياة داخل المخيمات أكثر صعوبة، محذراً من تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية إذا استمرت الظروف الحالية دون تدخل عاجل.

أزمة إنسانية تتفاقم
تعكس شهادات النازحين جانباً من الأزمة الإنسانية المستمرة في مخيمات مأرب، التي تستضيف مئات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث تتقاطع آثار الحرب مع قسوة المناخ وضعف الخدمات، لتفرض واقعاً يومياً يثقل كاهل الأسر النازحة، ويجعل الحصول على الماء والكهرباء والدواء تحدياً لا يقل قسوة عن رحلة النزوح نفسها.
ومع استمرار موجات الحر اللاهبة، تبقى مخيمات النزوح في مأرب شاهدة على معاناة لا تصنعها الطبيعة وحدها، وإنما يفاقمها غياب الاستجابة الكافية للاحتياجات الإنسانية الأساسية.
وبين خيام أهلكتها الشمس، وأجساد أنهكها النزوح، تتكرر كل يوم حكايات الصبر والانتظار، فيما يظل الأمل معلقاً بتدخلات عاجلة تضمن للنازحين والمجتمع المضيف حقهم في حياة كريمة، وتخفف من وطأة صيف بات بالنسبة لهم معركة جديدة من أجل البقاء.




