أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

شجرة النيم.. سلاح اليمنيين السري ضد تغير المناخ في لحج وأبين

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من أنسام عبدالله:

بينما تشتد قبضة التغيرات المناخية على جنوب اليمن، حيث تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، تتحول المدن الخرسانية في لحج وأبين إلى أفران حارقة. هنا، حيث يهدد زحف الرمال والتوسع العمراني الحياة اليومية، يواجه السكان هذه التحديات ليس باليأس، بل بحل طبيعي متجذر في تراثهم: شجرة “المريمرة” أو النيم. هذه الشجرة، التي كانت مجرد مصدر للظل، أصبحت الآن خط الدفاع الأول ضد قسوة المناخ، مقدمة استجابة بيئية ذاتية في مواجهة أزمة متفاقمة.

 

لحج وأبين: من واحات خضراء إلى أفران إسمنتية

لم تكن محافظتا لحج وأبين (جنوب البلاد) هكذا دائماً. يتذكر كبار السن كيف كانت “دلتا تُبن” و”دلتا أبين” واحات غناء وسلال غذاء لا تنضب للبلاد بأكملها، بفضل أنظمة الري التقليدية الدقيقة. المهندس الزراعي محمد فهد، يسترجع بأسى تلك الأيام: “في الماضي، كانت أشجار المريمرة الضخمة تشكل لوحة طبيعية مهيبة، وتغطي بظلالها الوارفة مداخل المدن بالكامل، لترحب بالقادمين بنسمات باردة تعزلهم عن هجير الطريق.”

ويضيف فهد في حديثه لـ”يمن مونيتور”، متأملاً الأرض الجافة: “تاريخياً، ارتبطت الزراعة هنا بهوية الأرض؛ أشجار السدر والسمر البلدي إلى جانب المريمرة كانت تشكل غابات طبيعية مصغرة تحمي التربة وتلطف الأجواء في لحج وأبين. كانت لحج تُسمى ‘الخضيرة'”.

وتابع: “اليوم، تراجعت مياه السيول، وتحولت أجزاء واسعة من الدلتا إلى أراضٍ قاحلة تُداهمها العواصف الترابية. لم نعد نرى الطيور التي كانت تهاجر إلينا، وحلّت ‘الأرضة’ (النمل الأبيض) والآفات الحشرية كجيوش مستعمرة بعد أن تدهور التوازن البيئي.”

ثورة الجدران والأحواش: النيم كمكيف طبيعي

في قلب هذا التحول القاسي، لم ينتظر السكان في مديرية “تبن” خططاً دولية، بل لجأوا إلى حلول ذاتية للتكيف. كانت شجرة “المريمرة” (Azadirachta indica) هي الخيار الأمثل، لقدرتها العالية على تحمل الجفاف والملوحة. زرعها الأهالي في أحواشهم وملاصقة لجدران منازلهم لكسر حدة الخرسانة الساخنة.

في حارة متكدسة بمديرية تبن، تجلس أم أحمد (52 عاماً) تحت ظلال شجرة مريمرة وارفة، مقدمة نموذجاً ملهماً في إعادة التدوير والاستفادة من الموارد المتاحة: “البيوت تحولت إلى أفران إسمنتية تمتص حرارة الشمس طوال النهار وتطلقها علينا ليلاً كأنه فرن، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة.”

وأضافت لـ”يمن مونيتور”: لولا هذه الشجرة لمُتنا داخل هذه الغرف الخرسانية من شدة الحر. ولأن المياه شحيحة للغاية، نقوم في البيت بجمع بقايا مياه المطبخ، ومياه غسيل الأواني، والوضوء، ونعمل على إعادة تدويرها والاستفادة منها بري هذه الشجرة يومياً. المريمرة قنوعة، تحول مياه مطبخنا المستعملة إلى أوراق خضراء تلطف الجدران الساخنة، وتعمل كمكيف طبيعي يحمي أطفالي وجيراني من السموم (الرياح الساخنة).”

وعلى بُعد بضعة كيلومترات، في قرية أخرى تابعة لمديرية تبن، يقف الحاج علوي (61 عاماً) أمام منزله الإسمنتي المحاصر بالكثبان الرملية، ليضرب مثلاً آخراً في التكيف اليومي: “الزحف العمراني حاصرنا والحرارة ترتد من الأسفلت والجدران بشكل مرعب، والرمال زحفت في مناطق مثل طهرور وبئر ناصر الشرقية بالعند حتى هجرها بعض أهلها.

ويضيف: “زرعت ‘المريمرة’ هنا لحجب أشعة الشمس المباشرة عن واجهة البيت وتثبيت التربة. الشجرة تنمو بسرعة فائقة، وفي تبن لا يكاد يخلو بيت أو حوش من وجودها كمصد بيئي وصيدلية شعبية؛ فحين يصاب أحدنا بالحمى أو الملاريا، نغلي أوراقها المرة لنشربها كمضاد طبيعي.”

 

من الظل إلى المبيد الطبيعي: حلول مجتمعية ومؤسسية

لم تبقَ المبادرات المجتمعية عفوية؛ إذ تحركت الجهات المحلية في تبن لتأطير هذا التكيف وتحويله إلى استراتيجية مستدامة.

المهندس أمين الجاوي، مدير مكتب الزراعة بمديرية تبن، يؤكد على الأهمية المتعددة لشجرة النيم: “المريمرة شجرة متعددة الأغراض، وهي حل حقيقي وصديق للمناخ. في مكتب الزراعة والإرشاد، تجاوزنا فكرة استخدامها للظل فقط؛ نقوم الآن بتدريب المزارعين عملياً على كيفية استخلاص مبيد حشري طبيعي من أوراق وبذور المريمرة (النيم). ”

ويضيف لـ”يمن مونيتور”: هذا المستخلص الطبيعي أثبت كفاءة عالية في مكافحة الآفات التي تصيب محاصيل الخضار، مما يقلل الاعتماد على المبيدات الكيماوية المكلفة والضارة بالبيئة في لحج والمناطق المجاورة.”

يتلاقى هذا الجهد الميداني في لحج مع رؤى الخبراء في محافظة أبين، ليؤكد أن الحلول الشعبية تمتلك أساساً علمياً متيناً. الخبير الزراعي عبد القادر السميطي يحذر من التعدي على هذه الثروة الطبيعية:

“من خلال تجوالي الميداني في معظم مناطق محافظتي لحج وأبين، لفت انتباهي الانتشار الواسع لأشجار المريمرة والسدر والسمر البلدي كجزء أصيل من هوية المكان. لكن المؤسف حقاً أن هناك من يتربص بهذه الثروة، ويعمل على قطع الأشجار الخضراء بحجة الحاجة أو البطالة أو انعدام غاز الطبخ لتتحول إلى أحطاب تُباع بأسعار زهيدة. إن هذا القطع العشوائي يُعد اعتداءً مباشراً على البيئة والتوازن الطبيعي، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية والتصحر الذي يهدد مناطق واسعة من بلادنا. المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجهات المختصة لتفعيل القوانين البيئية الرادعة، لأن قطع الأشجار جريمة لا تُغتفر بحق الأرض والإنسان والأجيال القادمة.”

هذه الكفاءة البيئية حُسمت علمياً ومخبرياً بفضل أبحاث الدكتورة إلهام الداهية من أبين. فقد قادت الداهية سلسلة من التجارب المختبرية والحقلية الرائدة لتثبت بالأرقام والأدلة القاطعة جدوى هذه الشجرة في مكافحة الآفات. هدفت أبحاثها إلى تقييم كفاءة مستخلصات أوراق وبذور وزيت شجرة المريمرة (Azadirachta indica) في الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات، وتحديداً ضد ثلاث سلالات خطيرة ومستوطنة من “الأرضة” (النمل الأبيض) التي تهاجم المحاصيل وهياكل المباني: Amitermes lonnbergianus، Microcerotermes diversus، وHeterotermes aethiopicus.

أظهرت نتائج التجارب الميدانية والمخبرية تفوقاً واضحاً؛ حيث أدت مستخلصات النيم وزيته—بمختلف التراكيز المستخدمة—إلى انخفاض ملحوظ ومباشر في نشاط شغالات وجنود هذه الأنواع الثلاثة، وأجبرتها على التوقف الكامل عن بناء الأنفاق، فضلاً عن تحقيق نسبة موت عالية جداً بين صفوف الشغالات والجنود. هذا الإنجاز العلمي يضع المريمرة كبديل بيئي استراتيجي يقلل الاعتماد على الكيماويات السامة ويحمي التوازن الطبيعي للدلتا.

 

نداء من عدن: توصيات لإنقاذ قرى تبن

من عدن، يضع الناشط البيئي منصر الوحيشي حزمة من التوصيات العاجلة لإنقاذ قرى تبن (مثل طهرور وبئر ناصر الشرقية بالعند) التي يلتهمها الزحف الصحراوي.

يوصي الوحيشي بضرورة تظافر الجهود لإقامة أحزمة شجرية مكثفة من المريمرة تحيط بالقرى المتضررة في تبن لتعمل كمصدات طبيعية لزحف الكثبان الرملية وكسر حدة الرياح الساخنة.

ويدعو المنظمات الدولية إلى تبني وابتكار شبكات ري محلية بسيطة تساعد العائلات على التوسع في إعادة تدوير مياه المطابخ والاستخدام المنزلي لسقيا هذه الأحزمة الخضراء بشكل مستدام.

وحثّ السلطات المحلية ومكاتب الزراعة على توفير شتلات المريمرة بكميات كبيرة وتوزيعها على المواطنين في خطوط المواجهة الأمامية مع الجفاف.

في نهاية المطاف، يثبت أبناء لحج وأبين أن التكيف الحقيقي ينبع من الإيمان بالأرض. بفضل أوراق “المريمرة” المرة، يكتب هؤلاء السكان فصلاً فريداً يعيد الاعتبار للطبيعة كشريك في البقاء، ويؤكد أن غرس شجرة اليوم في حوش منزل إسمنتي ضيق وسقايتها بمياه المطبخ المعاد تدويرها، هو الخطوة التي تعيد لمدخل الحوطة وقرى تبن ظلالها المفقودة، وتحمي المجتمع من وطأة الغد القاحل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى