مصيدة المضائق المزدوجة في الشرق الأوسط

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من فيكتوريا-كاتارينا فليك (ذا ناشيونال انترست)
لا يزال احتمال إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب قائماً، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي. ومؤخراً، عُلقت عملية “مشروع الحرية” (Project Freedom) — وهي جهود أمريكية لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بدأت في 5 مايو/ أيار — بشكل مفاجئ بعد وقت قصير من الإعلان عنها، حيث أشار الرئيس دونالد ترامب إلى وجود “تقدم كبير نحو اتفاق محتمل مع إيران”. ومع ذلك، فإن تعليق هذه المبادرة — التي أسفرت في البداية عن هجمات إيرانية على موانئ وبنية تحتية ساحلية في دولة الإمارات العربية المتحدة — لا يعني نهاية الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
وبناءً على ذلك، فإن هذا التعليق لا ينهي أيضاً الضغوط الكبيرة التي فرضتها الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي. وكما أثبتت الحرب الإيرانية، لم يعد القتال حكراً على ساحة المعركة؛ إذ أصبح الإكراه الاقتصادي أداة مركزية في الحروب، فضلاً عن أن مضيق هرمز ليس الممر المائي الوحيد في المنطقة.
ويبرز مضيق باب المندب، الأقل تداولاً في النقاشات، كممر بحري حيوي آخر يربط بين خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي، ويقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي. وإذا قرر الحوثيون إغلاق هذا الطريق أيضاً، فستضطر حركة الشحن العالمية إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف آلاف الأميال، وأسابيع من وقت العبور، ومليارات الدولارات من التكاليف الإضافية.
وبعبارة أخرى، ثمة أزمة ممرات مائية مزدوجة محتملة قد توجّه صدمة أخرى للتجارة العالمية، وهو أمر قد يزداد حدة في حال استئناف الحرب.
إن إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز — الذي يمر عبره 20% من نفط وغاز العالم في أوقات السلم — مقترناً بالتهديدات التي تحيط بباب المندب، قد يتسبب في حظر ربع إمدادات الطاقة العالمية. ولا يعد باب المندب مجرد ممر للطاقة؛ بل هو أحد الشرايين المركزية للتجارة العالمية والبوابة الجنوبية لقناة السويس. وأي اضطراب مستمر هناك سوف تتردد صداه إلى ما هو أبعد من أسواق النفط، مما يؤدي إلى تفاقم تأخير الشحن، ورفع تكاليف النقل، وتعميق عدم الاستقرار الاقتصادي في قطاعات متعددة من الاقتصاد العالمي.
وتتعدد الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الهشاشة، بيد أن التوسع الاستراتيجي المفرط للولايات المتحدة في المنطقة قد ساهم بالتأكيد في تفاقم المشكلة. فمزاعم واشنطن طويلة الأمد بأن نشر قوات ضخمة ودائمة في الشرق الأوسط يحمي حركة التجارة بدأت تفقد مصداقيتها سريعاً.
ورغم أن الحوثيين جزء من “محور المقاومة” التابع لإيران وينسقون هجماتهم تضامناً معه، إلا أنهم أظهروا قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وامتلاك دوافع خاصة بهم للسيطرة على المضيق. وإن قدرتهم على السماح بالمرور أو تقييده بشكل انتقائي بناءً على التحالفات السياسية تثبت كيف يتم ممارسة النفوذ في باب المندب بشكل متزايد عبر أدوات الضغط القسري.
ومع ذلك، فإن قرارهم بعدم فرض حصار شامل، حتى في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، يشير إلى استراتيجية مدروسة: الحفاظ على المضيق كورقة ضغط. ومن خلال ضبط وتيرة الاضطراب بدلاً من الإيقاف الكامل لحركة العبور، يستطيع الحوثيون رفع التكاليف الاقتصادية والسياسية تدريجياً على السفن المرتبطة بالولايات المتحدة، مع تجنب التصعيد نحو مواجهة مفتوحة.
وحتى إلحاق الهزيمة بإيران لن يحل مشكلة باب المندب تلقائياً. وأي إطار سياسي أمريكي يتعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد وكيل أحادي البعد لطهران، وبالتالي يمكن تطويعهم عبر اتفاق مع إيران، يعد إطاراً قاصراً. وفي حين أن الهدف الفوري يكمن بالطبع في إعادة فتح تدفق التجارة، فإن الاعتبار الأطول مدى يجب أن يركز على تقليل احتمالية تحويل أي من المضيقين إلى سلاح مجدداً. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة أو الشركاء الخليجيون في المنطقة سيعالجون هذه المسألة بشكل فعال؛ غير أن هذه الحرب كشفت عن الهشاشة البالغة التي يعاني منها أهم شريك خليجي لأمريكا: المملكة العربية السعودية.
لقد أصبح باب المندب ممرًا حيويًا للنفط الخام السعودي الذي تم تغيير مساره من الخليج العربي تحديداً بسبب إغلاق مضيق هرمز. ورغم إعلان شركة أرامكو السعودية عن تحقيق أرباح بلغت 32.5 مليار دولار للربع المنتهي في مارس/ آذار — وهو تطور إيجابي للمملكة — إلا أن الرياض تفتقر إلى البنية التحتية لخطوط الأنابيب وموانئ الساحل الغربي اللازمة لاستيعاب تحويل واسع النطاق للصادرات بعيداً عن الخليج بكفاءة. وإذا تعرض باب المندب للخطر أيضاً، فإن شحنات النفط السعودية ستواجه اختناقات لوجستية حادة، مما سيجبر النفط الخام على تغيير مساره شرقاً عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، وهو ما سيزيد بشكل كبير من أوقات العبور وتكاليف الشحن والهشاشة الاقتصادية.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد وصفت بالفعل الاضطرابات في مضيق هرمز بأنها صدمة غير مسبوقة لأسواق الطاقة العالمية، ومن شأن حدوث أزمة متزامنة في كلا الممرين المائيين أن يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ومع زيادة تغلغل الحوثيين وتزايد هشاشة المملكة العربية السعودية، تواجه الولايات المتحدة مهمة أكثر صعوبة في الحفاظ على النظام الإقليمي مقارنة بما كانت عليه في بداية الحرب. وتحت وطأة هذه الظروف، تكمن مصلحة جميع الأطراف في التوصل إلى شكل من أشكال التعايش المؤقت (modus vivendi) في مضيق هرمز — حتى لو لم يفضِ الترتيب الناتج إلى النتيجة التي تفضلها واشنطن والمتمثلة في العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب.
**فيكتوريا-كاتارينا فليك هي زميلة أبحاث في “مركز دراسة الرئاسة والكونغرس” (Center for the Study of the Presidency and Congress)، وتتخصص في الأمن الدولي والدبلوماسية والعلاقات عبر الأطلسي.




