قبيل رمضان… اليمنيون في مناطق الحوثيين يحلمون بالفرح وسط الجوع والجبايات

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
يستعد اليمنيون لاستقبال شهر رمضان المبارك هذا العام وسط واحدة من أشد الأزمات المعيشية التي عرفوها منذ عقود، حيث تتقاطع حالة الانهيار الاقتصادي مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية، واستمرار انقطاع المرتبات، وتراجع القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها.
وبينما تتقلص موائد الأسر وتغيب مظاهر الفرح والزينة التي طالما ميّزت استقبال الشهر الفضيل، تمضي جماعة الحوثي في استغلال هذه الظروف لتوسيع نفوذها الطائفي، وتنظيم فعاليات تعبئة مكثفة، إلى جانب فرض جبايات إضافية على السلع الغذائية، ورفضها دفع رواتب الموظفين، في سياسة يصفها مراقبون بأنها تقوم على التجويع والإخضاع وتجميع الأموال لمصالح ضيقة.
كان اليمنيون ينتظرون شهر رمضان بشغف بالغ، ويستعدون له منذ منتصف شعبان، حيث تزدحم الأسواق، وتنتعش الحركة التجارية، وتعلو الزينة في الشوارع والأحياء، وتتنافس الأسر في إعداد المؤن الرمضانية. غير أن هذه المشاهد تلاشت تدريجيًا خلال سنوات الحرب، ليصبح الشهر الذي كان ضيفًا عزيزًا، ضيفًا ثقيلاً على غالبية السكان.
في صنعاء، تبدو الأسواق شبه فارغة من المتسوقين، وتغيب الزينة التي كانت تملأ الأزقة الشعبية، فيما يكتفي المواطنون بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية. التضخم المتسارع، وسحب العملة الأجنبية بسعر منخفض غير حقيقي، وارتفاع أسعار الدقيق والسمن والسكر والأرز، كلها عوامل أسهمت في تقليص قائمة المشتريات الرمضانية إلى أضيق الحدود.
“رمضان بلا نكهة”
المعلم عادل البركاني (45 عامًا)، أحد سكان العاصمة صنعاء، يستقبل رمضان هذا العام وهو مثقل بديون الإيجار وعاجز عن توفير الغاز المنزلي. يقول إن مستلزمات الشهر الفضيل لم تعد ضمن أولوياته، بعدما بات تركيزه منصبًا على تأمين الوجبات الأساسية فقط.
كان عادل، كما يروي، يحتفي بمنتصف شعبان بالصيام مع أسرته، ويخرج إلى المطاعم ويشتري أصنافًا مختلفة من الطعام، ضمن عادة اجتماعية معروفة بـ”يا نفس ما تشتهي”. لكن بعد اندلاع الحرب وتوقف مرتبه منذ نحو عشر سنوات، تغير كل شيء. “طمست الحرب كل مظاهر الفرح من حياتنا”، يقول عادل، مشيرًا إلى أن الاحتفاء بالمناسبات والعادات والتقاليد بات ترفًا لا يستطيع تحمله.
ويضيف في حديثه لـ”يمن مونيتور”: “كان لرمضان نكهة أخرى، نفرح ونستبشر ونحتفي بقدومه، لكن الحوثيين سرقوا منا هذه الفرحة، كما سرقوا مرتباتنا ولقمة عيشنا. الأموال تذهب للمشرفين والعناصر التي كانت في الشوارع ولم تدرس، بينما الموظف الذي أفنى عمره في التعليم والخدمة العامة يعيش على الكفاف”.
الركود لم يضرب الأسر فحسب، بل طال التجار أيضًا. ياسين عبدالعزيز، صاحب محل لبيع المواد الغذائية في حي شملان شمال صنعاء، يؤكد أن حركة البيع تراجعت إلى أدنى مستوياتها.
يقول لـ”يمن مونيتور”: “كانت الأسر توفر مؤنة رمضان بالكامل منذ بداية شعبان، وتشتري كميات كبيرة من الدقيق والسكر والسمن والأرز والبهارات. كانت الأسواق تزدحم من نهاية رجب، ويأتي الناس من القرى إلى المدينة استعدادًا لرمضان وكسوة العيد. اليوم اختفت هذه المظاهر تمامًا، وأصبح البيع مقتصرًا على الضروريات، والمحلات تعاني من كساد غير مسبوق”.
وبحسب تجار، فإن الكثير من الأسر باتت تشتري بالكيلو أو حتى بنصف الكيلو، بعد أن كانت تشتري بالجملة، فيما تراجعت مبيعات الكماليات بشكل شبه كامل.
وضع صعب
تتزامن هذه الأوضاع مع تراجع المساعدات الإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة ووقف برامجها، عقب مداهمة مكاتبها واعتقال عشرات العاملين فيها.
وتشير تقديرات منظمات إغاثية إلى أن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب فرص العمل.
عبدالوهاب الوجيه، صاحب باص يعمل في صنعاء، يصف الأوضاع بأنها “مأساوية بكل المقاييس”. يقول إن الغالبية العظمى من السكان باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية.
ويضيف لـ”يمن مونيتور”: “أنا صاحب باص، في نهاية كل يوم أحاسب الحوثيين بشراء الغاز للباص، وأعود إلى أطفالي دون أي شيء. الجميع يعمل لتذهب العوائد إلى جيوب المشرفين. هناك جبايات على كل شيء، وضرائب مرتفعة تذهب إلى أشخاص يقولون إنهم دولة، لكنهم لا يدفعون رواتب ولا يقدمون خدمات”.
ويعزو الوجيه الأزمة إلى استمرار قطع رواتب عشرات آلاف الموظفين منذ سنوات، إلى جانب شلل الأنشطة الاقتصادية، وانقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تشكل شريان حياة لملايين اليمنيين.
في مقابل هذا المشهد القاتم، كثفت جماعة الحوثي خلال الأيام الماضية ما تسميه “فعاليات التهيئة والاستعداد لشهر رمضان”، وهي أنشطة ذات طابع تعبوي وطائفي، أثارت استياءً واسعًا في أوساط الموظفين والمواطنين.
ويقول موظفون إن تمويل هذه الفعاليات يتم عبر استنزاف إيرادات المكاتب التنفيذية وفرض جبايات وإتاوات إضافية، بدلًا من توجيه الموارد لتحسين الخدمات أو صرف المرتبات أو التخفيف من معاناة المواطنين.
ويرى مراقبون أن الجماعة حولت رمضان إلى موسم مزدوج: تعبئة أيديولوجية من جهة، وجمع أموال مضاعف من جهة أخرى، عبر تكثيف الحملات الضريبية والرسوم المفروضة على التجار وأصحاب المهن.
منع الصدقات وقسائم تموينية لمنتسبي الجماعة
مع اقتراب رمضان، تتجدد آمال الفقراء بوصول المساعدات الغذائية من رجال الأعمال وفاعلي الخير، غير أن سياسات الحوثيين حالت دون ذلك، عبر فرض قيود وإجراءات تمنع توزيع الصدقات مباشرة على المحتاجين، واحتجاز أو تغريم من يخالف تلك التعليمات.
تتذرع الجماعة بأنها “الدولة” والأقدر على معرفة المستحقين وتنظيم عملية التوزيع، إلا أن عبدالله ماهر، نجل أحد التجار في صنعاء، يرى أن الصدقات لا ينبغي أن تخضع لسيطرة جهة سياسية.
يقول لـ”يمن مونيتور”: “كثير من التجار رفضوا تسليم صدقاتهم للحوثيين لأنهم يعرفون أنها لن تصل إلى مستحقيها. توضع معايير تصب في صالح المقربين منهم، خصوصًا أسر المقاتلين، فيما يتم تبديد جزء كبير منها في أيدي القيادات والمشرفين”.
ويضيف أن الجماعة تسعى إلى احتكار الفضل الاجتماعي، ومنع أي شخصية من كسب قبول الناس عبر الأعمال الخيرية، “حتى تبقى هي صاحبة اليد العليا في نظر المجتمع”.
وفي الوقت الذي يُحرم فيه كثير من الفقراء من المساعدات، تعتمد الجماعة نظام قسائم تموينية خاصة بمنتسبيها وقياداتها، عبر التعاقد مع محلات تجارية كبيرة لتموين أعضائها بسلال غذائية تشمل احتياجات رمضان وعيد الفطر.
وتُعد مؤسسة “غدرة” التجارية شمال أمانة العاصمة من أبرز المحال التي تتعاقد معها الجماعة. ويؤكد فهد، أحد العاملين فيها، أن أغلب المبيعات في رمضان تذهب عبر قسائم التموين الخاصة بمنتسبي الحوثيين.
يقول لـ”يمن مونيتور”: “تتنوع مبالغ القسائم من 100 ألف ريال وأكثر، وبعضهم يأتي بأكثر من قسيمة، يشترون بها كل احتياجات رمضان، وأحيانًا مواد غير أساسية مثل الملابس والزبيب واللوز والمكسرات”.
وبينما يحصل المنتسبون للجماعة على سلال غذائية وقسائم سخية، يظل آلاف المحتاجين يبحثون عن الحد الأدنى من الغذاء، في ظل توقف شبه كامل للمشاريع الإنسانية، وهجرة منظمات دولية ومحلية من مناطق سيطرة الحوثيين بعد فرض قيود إدارية مشددة عليها، وإجبارها على توظيف موالين للجماعة، واعتقال عدد من موظفيها بتهم تتعلق بالخيانة والتخابر.
يقول اقتصاديون إن استمرار هذه السياسات يعزز اقتصاد الجباية على حساب الاقتصاد الإنتاجي، ويكرس تبعية المجتمع لمراكز النفوذ، فيما تتآكل الطبقة الوسطى وتتوسع دائرة الفقر.




