آراء ومواقف

اليمن يرسم مسار السلام والأمن بتشكيل حكومة جديدة

د. عبد العزيز العويشق

طوى اليمن صفحة جديدة بتشكيل حكومة جديدة الأسبوع الماضي برئاسة وزير الخارجية السابق الدكتور شائع الزنداني، والتي تعهدت بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية وأمنية كبرى.

ويُعد الزنداني دبلوماسياً مخضرماً، حيث خدم في السلك الدبلوماسي للحكومة الجنوبية قبل عام 1990، ثم في حكومة الوحدة بعد ذلك التاريخ، قبل تعيينه وزيراً للخارجية في عام 2024. وبصفته قائداً وفاقياً يتجنب الصدام والخطاب التحريضي، فإنه يعتبر الرجل المناسب لهذه المرحلة.

إن التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة جسيمة؛ فعلى الصعيد السياسي، تتمثل المهمة الرئيسية في استئناف البحث عن حل سياسي للأزمة اليمنية، إذ لا تزال المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة مع الحوثيين تراوح مكانها وتحتاج إلى دفعة قوية. ومع حل المجلس الانتقالي الجنوبي، أعادت الحكومة توحيد كافة المناطق الخاضعة لسلطتها، مما يضعها في موقف قوي لقيادة المفاوضات.

ويحتاج اليمن إلى تعزيز منظومات الدعم الدولية الخاصة به؛ فخلال الصراع الذي استمر ثماني سنوات مع المجلس الانتقالي الجنوبي، أصيبت الحكومة بشلل شبه تام بعدما استولت المجموعة المتمردة على سلطاتها ومارست تحركات دبلوماسية خاصة بها. إن الدعم الدولي شبه الإجماعي للحكومة الجديدة يعكس مدى تطلع المجتمع الدولي لاستعادة اليمن لمكانته الطبيعية في المنطقة، واستعداده لتقديم يد العون.

وتعد مجموعة “أصدقاء اليمن” إحدى منظومات الدعم هذه، وهي تضم 30 دولة كبرى قدمت في الماضي دعماً سياسياً واقتصادياً وأمنياً لليمن. كما قدمت مجموعة سفراء الدول العشر (G10)، التي توسعت لتضم 20 سفيراً من الدول الأكثر اهتماماً بالشأن اليمني – بما في ذلك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن – تنسيقاً دبلوماسياً مفيداً. كما كان للمانحين مجموعتهم الخاصة للتنسيق مع الحكومة بشأن المساعدات. وقد كانت مجموعات الدعم هذه مكملة لعمل اللجان المشتركة بين مجلس التعاون الخليجي واليمن والعلاقات الثنائية.

ويمثل الأمن أولوية قصوى للحكومة الجديدة؛ فداخلياً، يتعين عليها التعامل مع التهديد العسكري الحوثي. ورغم وجود هدنة هشة لنحو أربع سنوات، إلا أن الجماعة المتمردة اخترقتها بمحاولات عديدة لضم المزيد من الأراضي. كما تشكل الجماعة تهديداً خطيراً للأمن البحري وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. وقد تعرقلت قدرة الحكومة اليمنية على تسيير دوريات في مياهها الإقليمية بسبب تفتت القوات الأمنية والتنافس فيما بينها.

وقد تحسن الوضع مع حل المجلس الانتقالي الجنوبي الشهر الماضي، ولاسيما منذ قرار الحكومة وضع كافة المجموعات المسلحة تحت قيادة موحدة بالتنسيق مع تحالف دعم الشرعية في اليمن. وبات بإمكان اليمن الآن لعب دور أكبر في مواجهة التهديدات الحوثية، سواء داخلياً أو في المياه اليمنية، لكنه يحتاج إلى دعم من بقية دول العالم.

أما التحدي الرئيسي الثالث، بعد المجالين السياسي والأمني، فهو الوضع الاقتصادي الذي أعاق قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية للسكان. إذ أدى تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي ضد الحكومة المعترف بها دولياً في عام 2017 إلى تفاقم وضع الاقتصاد الهش أصلاً، والذي كان قد شارف على الانهيار في عام 2015 عقب استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر من العام السابق.

وانكمش الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة تزيد عن 37% في غضون ثلاث سنوات، من 43 مليار دولار في عام 2014 إلى نحو 31 مليار دولار في عام 2016، ثم إلى 27 مليار دولار في عام 2017، وهو العام الذي بدأ فيه تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي. وخلال فترة سيطرته على أجزاء واسعة من الجنوب بين عامي 2017 و2025، انكمش الاقتصاد إلى 17 مليار دولار. وبذلك، تسبب التمرد الحوثي في الشمال وتمرد المجلس الانتقالي في الجنوب في انكماش بلغت نسبته 58% مقارنة بمستويات عام 2014.

ولانتشال الاقتصاد من هذا الانهيار غير المسبوق، تحتاج الحكومة إلى الأمن والاستقرار واستئناف النشاط الاقتصادي. وثمة إمكانات اقتصادية كبيرة، لكن الحكومة بحاجة إلى مساعدة أصدقائها وشركائها، لا سيما في استعادة القدرات الاقتصادية.

وهناك أربعة قطاعات على الأقل للنمو الاقتصادي المحتمل يمكن تعظيمها من خلال التعاون الدولي؛ حيث يمكن لإنتاج النفط والغاز توفير الوقود اللازم للتعافي الاقتصادي والتمويل للإنفاق الحكومي. كما أن استعادة قدرة المزارعين على زراعة المحاصيل وتصدير الفائض من شأنها إعادة الحياة إلى الريف وتحسين الأمن الغذائي. وفي الماضي، كان اليمن يمتلك قطاعاً مزدهراً لمصايد الأسماك للاستهلاك المحلي والتصدير. كما تمتلك السياحة بعض الإمكانات، خاصة السياحة المتخصصة والبيئية.

ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات الكبيرة في هذه المجالات الأربعة خطوات عدة يمكن للحكومة التعامل معها بمساعدة مجموعة أصدقائها المتنامية؛ إذ لابد من استعادة الأمن لإطلاق النشاط الاقتصادي، كما يجب استقرار سعر الصرف لطمأنة التجار، وهناك حاجة إلى خطة اقتصادية سليمة لتحفيز الاستثمار.

**نشر أولاً، في صحيفة “عرب نيوز”

الدكتور عبد العزيز العويشق هو الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون الخليجي. والآراء الواردة هنا شخصية ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر مجلس التعاون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى