حسابات “العجوزين”.. مواجهة ترامب وخامنئي التي ستشكل ملامح المنطقة لأجيال قادمة
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
في عام 1988، كان رجل أعمال من نيويورك ورجل دين من مدينة مشهد الإيرانية يتبادلان الوعيد؛ حيث صرح دونالد ترامب حينها بأن السفن الحربية الأمريكية المحتشدة في الخليج العربي يجب أن تكون “قاسية” تجاه إيران، وحذر قائلاً: “رصاصة واحدة تُطلق على أحد رجالنا، وسأقوم بتلقين جزيرة خارق درساً قاسياً”، وهي تلك البقعة من الأرض التي تضم محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران. أما علي خامنئي، الذي كان يشغل منصب رئيس إيران آنذاك (ولم يكن قد أصبح آية الله بعد)، فلم يتراجع، بل تعهد بجعل الممر المائي “مقبرة” للأمريكيين.
وبعد مرور ما يقرب من أربعة عقود، لم يتغير خطاب الرجلين. فقد نشر السيد ترامب “أسطولاً بحرياً مهيباً” في الشرق الأوسط بعد أن تجاهل النظام الإيراني تحذيراته من ارتكاب مجازر بحق المتظاهرين الشهر الماضي. وبدوره، حذره السيد خامنئي من استخدام هذا الأسطول؛ حيث قال في الأول من فبراير/شباط: “على أمريكا أن تعلم أنها إذا بدأت حرباً، فإنها ستكون هذه المرة حرباً إقليمية”.
يرغب ترامب في أن تكون هذه المواجهة هي الأخيرة؛ فإيران لم تبدُ قط أكثر ضعفاً مما هي عليه الآن. ويأمل الرئيس، سواء من خلال الكلمات أو السلاح، في إنهاء الصراع الأمريكي مع الجمهورية الإسلامية الممتد منذ نصف قرن. أما بالنسبة للسيد خامنئي، فيبدو مشلول الحركة، متمسكاً برؤية للعالم عفا عليها الزمن. إن المواجهة بين هذين الرجلين المسنين غريبي الأطوار ستشكل ملامح الشرق الأوسط لجيل كامل.
ويشير الحشد العسكري الأمريكي المتزايد إلى التخطيط لشيء كبير؛ فقد وصلت حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى المنطقة في أواخر يناير، وهبطت طائرات تزود بالوقود إضافية في الخليج، كما تم نشر طائرات مقاتلة ومدمرات وبطاريات دفاع جوي للمساعدة في صد أي هجوم إيراني مضاد.
ومع ذلك، حتى بينما يتفاخر السيد ترامب بأسطوله، فإنه يبدو متردداً في استخدامه. ومن المقرر أن يلتقي مبعوثه متعدد المهام، ستيف ويتكوف، بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في عُمان في السادس من فبراير/شباط. وقد تم تحديد موعد الاجتماع بعد جهود دبلوماسية حثيثة بذلتها مصر وتركيا ودول الخليج، والتي لا ترغب أي منها في اندلاع حرب إقليمية. وهذا يشير إلى أن أي ضربة أمريكية لا تزال تفصلنا عنها أيام أو أسابيع، رغم أن الإيرانيين يتذكرون أن ترامب استخدم عرض المحادثات في الصيف الماضي كمناورة تمويهية قبل أن يقصف مواقعهم النووية.
وسيعتمد نجاح الدبلوماسية إلى حد كبير على القائدين؛ فأهداف السيد خامنئي لم تتغير كثيراً منذ أن أصبح مرشداً أعلى في عام 1989، إذ يسعى لضمان بقاء النظام الديني الإيراني، وهو ما يتطلب في نظره الامتناع عن أي تسوية، سواء كانت إصلاحاً سياسياً في الداخل أو سياسة خارجية أقل صدامية تجاه أمريكا.
ولكن بعد عامين من الاضطرابات، تركه هذا التصلب في موقف ضعيف؛ فقد تعرض حلفاؤه للإذلال، ولم يعد برنامجه النووي قادراً على تخصيب اليورانيوم، ونظامه مكروه في الداخل، حيث يقتل المتظاهرين بينما يشرف على كارثة اقتصادية وبيئية. ولطالما خشي السيد خامنئي من أن تؤدي التنازلات إلى انهيار النظام، إلا أن رفضه لتقديمها لم يزد الأمر إلا تقويضاً لمكانته.
وفي جوانب كثيرة، يبدو ترامب نقيضاً له، فهو رجل بلا أيديولوجية ثابتة. ومع ذلك، لديه بعض الهواجس (مثل العجز التجاري) التي حركت سياساته لعقود، ومن بينها الاعتقاد بأن قادة إيران يواصلون التفوق على القادة الأمريكيين المترددين، “مما يجعلنا نبدو كمجموعة من الحمقى”، كما قال في عام 1988. لقد أربكت الجمهورية الإسلامية كل رئيس أمريكي منذ جيمي كارتر، ويود السيد ترامب أن يكون هو من يحسم هذه الأمور؛ حيث يقول أحد المسؤولين المطلعين على السياسة الخارجية في واشنطن والمتعاطفين معه: “بالنسبة لترامب، فإننا لا نزال نعيش في حقبة الثمانينيات”.
بيد أنه يتسم بالمرونة فيما يخص كيفية تسوية الصراع؛ حيث يأمل السيد ويتكوف، المتفائل بطبعه، في التوصل إلى اتفاق. ويصر المسؤولون الأمريكيون على أن أي اتفاق يجب أن يذهب إلى أبعد من الاتفاق النووي لعام 2015 بين إيران والقوى العالمية، أو حتى الاتفاق الذي حاولوا التفاوض عليه قبل حرب إيران وإسرائيل في الصيف الماضي. إذ يتعين على النظام ليس فقط الحد من نشاطه النووي، بل وأيضاً من برنامج صواريخه الباليستية ودعمه للميليشيات العربية.
وتصر إيران على أنها لن تناقش القضيتين الأخيرتين مع أمريكا. وفي الأول من فبراير، صرح عراقجي لشبكة (CNN) بأن التوصل إلى اتفاق لا يبدو ممكناً إلا إذا لم تسعَ أمريكا للحصول على تنازلات “مستحيلة” في قضايا غير نووية. ويأمل بعض الدبلوماسيين في المنطقة في إيجاد مخرج إبداعي؛ فربما تناقش إيران برنامجها النووي مع أمريكا، ثم تناقش الموضوعات الأخرى مع حلفاء أمريكا في المنطقة، الذين تمت دعوتهم للمشاركة في محادثات عُمان. ومع ذلك، رفضت إيران هذه الفكرة أيضاً، حيث يظل السيد خامنئي متعنتاً. كما أن أي اتفاق مع إيران سيواجه معارضة شديدة في واشنطن، حتى من حلفاء ترامب، لا سيما بعد أعمال العنف الأخيرة.
وبينما تستعد أمريكا للمحادثات، فإن الرأي السائد في واشنطن هو أن هذه المحادثات ستفشل. والسؤال الآن ليس عما إذا كان ترامب سيضرب إيران، بل ما الذي سيضربه ومتى. وقبل بضعة أسابيع، كان من المرجح أن يختار هجوماً رمزياً، لتجنب المقارنات غير المحبذة مع باراك أوباما، الذي فشل في فرض “خطه الأحمر” بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا عام 2013.
ولكن كلما طال أمد المواجهة، زاد احتمال أن تكون الضربة الأمريكية المرتقبة ضربة كبرى. ويقول دبلوماسي غربي في الخليج: “لا يمكن لترامب نقل كل هذه الأصول العسكرية إلى المنطقة فقط ليقصف بعض قواعد الحرس الثوري الفارغة”. ويعتقد العديد من المراقبين الآن أنه قد يستهدف السيد خامنئي وقادة كبار آخرين، وهو ما قد يفرض تغييراً سياسياً، أما نوع هذا التغيير فيظل رهن التكهنات.
المصدر: ((ذي إيكونوميست))




