آراء ومواقف

ضرورة بناء هيكل أمني جديد للبحر الأحمر

د. عبد العزيز العويشق

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

أكدت الأحداث الأخيرة في اليمن والسودان والصومال حاجة الدول المطلة على البحر الأحمر إلى تنسيق وثيق لإنهاء هذه النزاعات؛ إذ تمثل هذه الحالات الثلاث أمثلة حية لكيفية تحول المشكلات المحلية تدريجياً إلى قضايا متشابكة أقحمت أطرافاً إقليمية ودولية ذات مصالح متباينة. كما تلقي نزاعات أخرى بظلالها على هذه المنطقة وتتطلب تنسيقاً بين الدول المشاطئة، بما في ذلك الصراع العربي الإسرائيلي، والخلاف المصري الإثيوبي حول تقاسم مياه النيل، والسعي الإثيوبي الأخير للوصول إلى البحر.

وفي حين ينبغي أن يكون استعادة الأمن والسلم الهدف الأساسي لهذا التنسيق، فإن تعزيز التجارة والاستثمار والتنمية وحماية البيئة البحرية يجب أن يشكل أيضاً جزءاً من هيكل أمني جديد وقوي لحماية منطقة البحر الأحمر.

لقد تضررت التجارة الدولية والتجارة البينية للدول الساحلية بشدة جراء هذه الصراعات، مما يستوجب على المجتمع الدولي الاهتمام بالآثار الاقتصادية لهذه النزاعات المستعرة على حركة التجارة. فمنذ آلاف السنين، ظل البحر الأحمر ممرًا حيويًا للتجارة يربط بين ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا. وفي الأوقات الطبيعية، يستوعب هذا الطريق ما بين 12% إلى 15% من التجارة البحرية الدولية، ونحو 30% من حركة الحاويات العالمية، وفقاً لمجلس الشحن العالمي. وفي عام 2023، سجلت قناة السويس عبور 26,434 سفينة، بما في ذلك 5,847 سفينة حاويات، بمتوسط يقارب 16 سفينة حاويات يومياً.

بدأ الحوثيون هجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن في أكتوبر 2023، حيث شُن نحو 120 هجوماً منذ ذلك الحين. ونتيجة لذلك، تحولت حركة التجارة من البحر الأحمر إلى الطريق الأطول والأكثر تكلفة حول أفريقيا. وفي عام 2025، انخفض حجم التجارة عبر مضيق باب المندب إلى نحو 35% من مستويات عام 2023، بينما بلغت حركة المرور في قناة السويس نحو 41% مقارنة بعام 2023. وباتت السفن الضخمة (التي تزن 7,500 طن فأكثر) تتجنب حالياً الممرين بشكل كامل تقريباً؛ إذ تراجعت حركة سفن الحاويات عبر قناة السويس إلى نحو 6% مما كانت عليه في عام 2023، ولم تعبر سوى تسع سفن فقط مضيق باب المندب خلال عام 2025.

ويعد البحر الأحمر أيضاً شرياناً حيوياً للنفط والغاز الطبيعي المسال، حيث يهدد الانفلات الأمني فيه إمدادات أوروبا ومناطق أخرى. وقبل الأزمة، كان يمر عبر البحر الأحمر نحو 9.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية، وفقاً لأرقام إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ويمثل هذا الحجم نحو 12% من إجمالي النفط المتداول بحراً في العالم قبل عام 2023، وهو العام الذي بدأت فيه هجمات الحوثيين.

ورغم أن اليمن قد طوى صفحة جديدة باستعادة سلطة الحكومة على المناطق المطلة على باب المندب وخليج عدن، إلا أن أجزاء واسعة من ساحل البلاد على البحر الأحمر لا تزال تحت سيطرة الحوثيين. ومن جهة أخرى، اتخذ سعي “أرض الصومال” أحادي الجانب للاستقلال منحى سيئاً بعدما أقحم أطرافاً خارجية، مثل إسرائيل. كما شهدت الحرب في السودان تدهوراً إضافياً في عام 2025، مما أثر على أمن المنطقة بأسرها.

إن التجارة والأمن كلاهما في خطر حينما يتم اختراق أمن كابلات الألياف الضوئية تحت الماء، نظراً لأهميتها القصوى في نقل البيانات بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. وبالمثل، تثير الهجمات الحوثية على ناقلات النفط مخاطر وقوع كوارث بيئية كبرى في المنطقة.

ولا يزال الإرهاب يمثل تهديداً خطيراً، خاصة مع تحالف الحوثيين وحركة الشباب لزعزعة استقرار المنطقة، فضلاً عن التهديدات المستمرة المتمثلة في الاتجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية، والمخدرات.

وتشهد المنطقة عسكرة مكثفة، حيث توجد العديد من القواعد الأجنبية في جيبوتي على سبيل المثال؛ إذ تمتلك الولايات المتحدة أكبر قواعدها في أفريقيا هناك، وهي القاعدة الأساسية لقيادة أفريقيا (أفريكوم). كما تمتلك الصين أول قاعدة عسكرية لها في الخارج هناك، ولفرنسا أكبر قواعدها الخارجية في جيبوتي أيضاً، كما تحتفظ اليابان وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة ودول أخرى بوجود عسكري في البلاد.

إضافة إلى ذلك، أطلقت الولايات المتحدة عملية “حارس الازدهار” في جنوب البحر الأحمر، ويقود الاتحاد الأوروبي عملية “أتالانتا” على طول الساحل الصومالي وعملية “أسبيدس” بالقرب من باب المندب. كما أرسلت القوات البحرية المشتركة، ومقرها البحرين، قوة مهام خاصة بالبحر الأحمر، في حين تعمل تركيا أيضاً على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.

ورغم الترحيب بهذه الجهود القادمة من خارج المنطقة، إلا أن هناك حاجة ملحة لتنسيق جهود الأطراف المحلية، ليس فقط في القضايا الأمنية، بل ضمن أجندة أكثر شمولاً تتضمن الدبلوماسية، والتكامل الاقتصادي، وحماية البيئة، ومكافحة التجارة غير المشروعة.

كل هذه القضايا تستدعي تنسيقاً أوثق بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن. وربما تكون المملكة العربية السعودية هي الدولة الأكثر تأهيلاً للقيام بهذا الدور التنسيقي، لامتلاكها أطول ساحل على البحر الأحمر وروابط تاريخية عميقة مع كافة الدول المطلة على هذين الممرين المائيين. وبصفتها صاحب أكبر اقتصاد إقليمي، فإن للمملكة مصلحة راسخة في استعادة الاستقرار والأمن في هذه المنطقة؛ فقد خصصت مبالغ ضخمة لتعزيز التجارة والسياحة على طول ساحلها وجزرها في البحر الأحمر كجزء من جهود تنويع اقتصادها ضمن “رؤية 2030”. كما تستعد البلاد لاستضافة “إكسبو 2030” وكأس العالم لكرة القدم 2034 وغيرها من الأحداث الكبرى في المستقبل القريب، وهي مناسبات تتطلب الحفاظ على أمن وسلامة هذه المنطقة.

  • د. عبد العزيز العويشق هو الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية. الآراء الواردة هنا شخصية ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر المجلس.
  • نشر المقال بعنوان: The case for a new Red Sea security architecture
  • صحيفة “عرب نيوز الإنجليزية” بتاريخ 26-1-2026 الصفحة 9

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى