الشيخ حمد بن وهيط.. “حارس سبأ” الذي ظل واقفًا حتى أتاه اليقين

يمن مونيتور / مأرب / خاص
في لحظةٍ فارقة من تاريخ اليمن، ترجل اليوم عن صهوة جواده فارسٌ لم يعرف التعب، وقامةٌ سبئيةٌ شامخة جمعت بين صرامة المقاتل وحكمة المصلح، أسلم اللواء حمد بن صالح بن وهيط العبيدي روحه إلى بارئها، اليوم، بعد حياة حافلة بالنضال والمواقف، تاركاً خلفه إرثاً نضالياً سيبقى محفوراً في ذاكرة الرمال والجبال التي ذاد عنها طواله حياته.
الشيخ حمد بن وهيط، أحد أبرز مشائخ مأرب، وقبائل عبيدة، من مؤسسي مطارح نخلا والسحيل، توفي بعد أن ناهز الثمانين من عمره، قضى آخر سنوات حياته بين الجبهات، على الأطقم العسكرية، وبين مختلف الأسلحة، ورائح البارود في هذه الأسطر نسلط الضوء على جزء من سيرة بطل سبأي، وقائد يمني، ظل واقفاً حتى أتاه اليقين.
“لن نقابلهم إلا بخشومنا.”… عنوان المواقف الصلبة
لم يكن ابن وهيط ممن ينتظرون انجلاء الغبار ليحددوا موقفهم؛ فمنذ اللحظة الأولى التي لاح فيها خطر المشروع الحوثي، كان الرجل في طليعة “الرعيل الأول” الذين استشعر الخطر ودعا لتأسيس مطارح نخلا والسحيل قبل سقوط صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ومنها كان موقفه الواضح حين بهث رسالة تاريخية شديدة اللهجة، أعلن فيها أن مأرب لن تخضع “للطلبة” القادمين من مران، في اشارة إلى صعدة معقل جماعة الحوثي، معاهداً الله والوطن ألا يقابلهم “إلا بخشومها”، أي بفوهات البنادق.
كان يرى في المقاومة واجباً مقدساً لحماية “الأرض والعرض والدين”، مؤكداً أن “مأرب عصية” بفضل سواعد رجالها الأوفياء.
لم تكن كلماته خطابة عابرة، بل إعلان مواجهة. رأى في الدفاع عن مأرب دفاعًا عن اليمن كله، واعتبر أن السلاح في هذه المعركة شرف، وأن التراجع خيانة للأرض والعِرض والدين.
فارس العيار… حين يهزم الجسدُ الألم
رغم تجاوزه السبعين من عمره، ظل الشيخ حمد حاضرًا في الخطوط الأولى، على متن “الطقم”، قابضًا على سلاحه، اصبعه على زناد العيار( سلاح متوسط) الذي عرف به، متنقّلًا بين المواقع والجبهات، لم تُبعده السن ولا المرض، ولم تُثنه جراحه، وما أضعفته الصواريخ التي استهدفته أكثر من مرة.
في إحدى المرات، استهدفه صاروخ حراري، ارتقى ستة من مرافقيه، ونجا هو مثخنًا بالجراح في حمّة المصارية بداية الحرب، وعندما أسعف وجسمه مضرج بالدماء، كانت حالته تستدعي السفر للعلاج إلى الخارج فقال كلمته التي ستبقى محفورة في ذاكرة اليمنيين:
“والله ما أخرج والعَيار يضرب… إما ننتصر أو نموت هنا.، تعافى الرجل الذي اعتاد الوقوف في وجه العواصف، وعاد ليقف من جديد، أكثر صلابة، وأكثر حضورًا، حتى صار يُعرف في مأرب بـ “رمزية الحرب والمقاومة”.

قائدٌ لايهادن… ومرجعية لا تُكسر
لم يكن ابن وهيط مجرد مقاتل، بل كان مرجعًا قبليًا وعسكريًا، وصاحب كلمة مسموعة في السلم والحرب، من أوائل من ثبتوا حين تراجع كثيرون، وأحد أعمدة المعركة الوطنية.
كان شديدًا في ساحات القتال، لكنه في المجتمع إصلاحيًا حكيمًا، يجمع ولا يفرّق، ويقدّم مصلحة الوطن على كل اعتبار، لم يراهن على قوى خارجية، وكان يرى أن التحالف سند، لكن المعركة يمنية والقرار يمني.
لم يتردد في انتقاد أي مسار يراه يضعف السيادة أو يشتت البندقية، مؤمنًا أن النصر لا يُستورد، بل يُصنع في خنادق مأرب.
لم تكن شجاعة ابن وهيط محصورة في فوهات البنادق فحسب، بل تجلت في كلمة الحق التي لم يخشَ فيها لومة لائم؛ فقد كان صوتاً يمنياً خالصاً يدعو للاعتماد على النفس، لم يتردد في انتقاد الأجندات التي رأى أنها قد تضعف وحدة الصف الجمهوري، محذراً من الرهانات الخاطئة، وله مواقف واضحه من عبث الامارات.
حين تبرّع بالسلاح… وتقدّم بالرجال
حين أشتد الخناق والحصار على تعز، قدّم الشيخ حمد من سلاحه الخاص مدفع هاون مع 150 قذيفة دعمًا لمقاومة تعز، وأقسم حينها أنه إن تأمّن الطريق، فسيتجه بنفسه ومعه رجاله للمشاركة في تحريرها، لم يكن ذلك استعراضًا، بل ترجمة صادقة لقناعته بأن المعركة واحدة، وأن اليمن لا يُقسم بين الجبهات.
عُرف الشيخ حمد بن المطاع في قبيلته، الحكيم في طرحه، الصارم والشديد في مواقف، الصلب في مبادئه، الوطني في انتمائه، اليمني المحارب الذي لم يهادن أو يخبو توهجه.

رحيل الجسد… وبقاء الأثر
رحل الشيخ حمد بن وهيط في المدينة المنورة، بعيدًا عن جبال هيلان التي عشقها، لكنه رحل قريبًا من قلوب اليمنيين، الذين رأوا فيه صورة اليمني الصلب، الحر، الذي لا ينكسر، رحل، لكن صدى صوته ما زال يتردد في صحارى مأرب:
“يا مسيرة عودي للوراء… عاد قدامك حمد بن وهيط.”
وبرحيل الشيخ حمد بن وهيط، لا تطوى صفحة رجل فحسب، بل تُطوى مرحلة كاملة من الصدق والشجاعة والنقاء الوطني، حفر اسمه في ذاكرة الأجيال، وصارت مواقفه أعمدة سبأية للرجال في مأرب، وفي وجدان كل يمني آمن بأن الجمهورية موقف قبل أن تكون شعارًا، وأن الرجال يُعرفون في ساعات الشدة لا في مواسم الاحتفال.




