تحقيق حصري- أدلجة القهوة في صنعاء: كيف حوّل الحوثيون مساحات النساء الخاصة إلى ثكنات تلقين؟
يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص:
تتحول العاصمة اليمنية صنعاء، التي عُرفت تاريخياً بكونها مهد القهوة العربية ورمزاً لـ “المخا”، إلى ساحة لمعركة من نوع آخر؛ معركة تضيق فيها المساحات الشخصية وتُصادر فيها الخيارات البسيطة تحت لافتات أيديولوجية صارمة.
في الآونة الأخيرة، تصاعدت وتيرة استهداف “الكافيهات النسائية” عبر سلسلة من الإجراءات الأمنية والضغوط المجتمعية التي لم تكتفِ بإغلاق الأبواب بالشمع الأحمر، بل سعت إلى شيطنة هذه الأماكن وتصويرها كـ “بؤر تآمرية” ضمن ما يُعرف بـ “الحرب الناعمة”، وتنتشر “الزينبيات/المشرفات” في المقاهي لفرض طقوس أيدولوجية صارمة.
يستعرض تحقيق “يمن مونيتور” واقع التضييق الممنهج وتداعياته على النسيج الاجتماعي والاقتصادي في العاصمة الخاضعة لسلطة الجماعة.
أدلجة الفضاء العام: القهوة في مواجهة “الملازم”
لم تكن عملية إغلاق المقاهي النسائية في صنعاء مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تعكس تحولاً جذرياً في هوية المكان العام، حيث يتم استبدال المساحات الثقافية بقاعات للتلقين الأيديولوجي.
تروي (س.د)، رائدة مقهى ثقافي، كيف تحول حلمها من مساحة هادئة للكتب والقهوة إلى قاعة درس إجباري، حيث تقول: “دخلت المشرفات فجأة، وأمرن بإزالة القصائد والكتب التنويرية، ثم استبدلنها بالملازم.. كل طاولة صارت كومة من الأدلجة”. وتضيف بمرارة واضحة: “رائحة الحبر الطائفي قتلت رائحة القهوة، والنساء لم يعدن يلتقين للحديث، بل للامتثال”.
هذا التحول القسري طال حتى النواحي الجمالية والفنية داخل هذه المرافق، حيث تشير (أروى – 32 عاماً) لـ”يمن مونيتور” إلى أن الجداريات الفنية أُزيلت بعنف وصودرت الروايات، ومنع نادي القراءة النسائي. وتصف أروى المشهد قائلة: “دخلت المشرفات ورفعن أصواتهن بفرض العباية الفضفاضة حتى داخل الجدران المغلقة.. قالوا لازم العباية للجميع حتى وإحنا جوّا!”. وترى أروى أن النتيجة المباشرة لهذه الإجراءات هي “اغتيال الجمال ومصادرة العقول”، مؤكدة أن المدينة تتحول تدريجياً إلى “سجن كبير وبصمت”.

وفي سياق متصل، تؤكد الطالبة (أنسام) لـ”يمن مونيتور” أن الوصاية لم تعد تقتصر على الجهات الرسمية بل امتدت لتشمل اقتحام الخصوصية من قِبل “مجهولات” يمارسن دور الرقيب؛ إذ تروي حادثة انضمام امرأة غريبة لنقاش حول رواية حديثة قائلة: “بدأت بمحاضرة حادة معتبرة أن قراءتنا للروايات ثقافة مغلوطة وغزو فكري، وطالبت بأن نترك هذه الكتب ونعود إلى الثقافة القرآنية”.
خلال حديثها حاولت (س.ع) ـ (28 عامًا) أن تشرح جانبًا من هذا الجدل..أنا مستغربة من الناس اللي يقولوا إن الكافيهات النسائية تهديد، بالنسبة لي هي مجرد أماكن للاسترخاء والخصوصية، ليس أكثر.” وتؤكد المتحدثة أنها لا تفهم سبب ربط هذه المساحات النسائية بـ”مؤامرة غربية”، كما يردد البعض في وسائل التواصل. “أنا فقط أريد أن أكون حرة في وقتي واختياراتي.. أرتاح بدون ما أخاف من نظرات أحد أو تعليقات ما لها معنى”.
هذا النوع من الضغط اليومي جعل الكافيهات، في نظر مرتاداتها، مساحات مفروضة للتلقين بعد أن كانت متنفساً للحوار الحر.
هندسة الرقابة: “الوقائيات” وشرطة الأخلاق المجتمعية
تجاوزت الرقابة حدود المقهى لتصبح شبكة معقدة تعتمد على ما يُسمى بـ “الوقائيات” أو الاستخبارات النسائية، وهي منظومة هدفها رصد أنفاس النساء وتصنيف آرائهن. (ليلى)، خريجة شريعة وقانون، تلخص هذه التجربة بمرارة بعد أن اكتشفت أن أقرب الناس إليها قد يكونون جزءاً من هذه المنظومة، قائلة: “عمّتي قالت لي إنهم بلّغوا عني فقط لأنني انتقدت تعيين قضاة بلا دراسة.. اكتشفت أننا مراقبات في كل مكان”. هذا المناخ من الريبة جعل الكثيرات يلجأن للصمت المطبق خوفاً من تلك “العيون الخفية”.
الجانب الأمني في هذه الملاحقات يتخذ طابعاً خشناً في كثير من الأحيان، كما تروي (د.م – 36 عاماً) عن ليلة اقتحام مقهى في منطقة “حدة” عام 2019، حيث وصفت مشهد الأطقم العسكرية والمسلحين الذين اقتحموا المكان: “أهانونا بالتفتيش كأن وجودنا جريمة.. حققوا مع اللاتي يرتدين عبايات ملونة وطلبوا أرقام أولياء أمورهن كأننا قُصّر”. انتهت تلك الليلة بإغلاق المقهى بالشمع الأحمر، في رسالة أمنية مفادها أن “رائحة البن لا تشفع أمام فوهة البندقية”.
تروي سلوى ـ طالبة تجربة ما زالت تلازمها كلما خرجت إلى فعالية نسائية في صنعاء..في عيد ميلاد بنت عمي طلبوا نفتح الجوالات، صار الموضوع عادة، واحدة منهم قالت لي: افتحي الهاتف… نريد نبحث عن أي مخالفة في الصور والمجموعات، حتى الفيسبوك والواتساب.” تقول سلوى إن اللحظة كانت صادمة أكثر مما توقعت: حسّيت أنهم يفتشوا عقلي، مش تليفوني.. كأننا واقفات قدّامهم بدون أي خصوصية، الخوف كان قوي جدا…”وتضيف أنها خرجت دون مشاكل، لكن التجربة بقيت عالقة فيها…:الحمد لله ما لقوا شي (لم يجدوا شيئاً)… لكن الخوف ما زال عالقا في ذاكرتي..”!

ويمتد هذا الطوق الرقابي ليشمل الأحياء السكنية عبر تفعيل “الشرطة المجتمعية”. وينقل (م.س الهمداني)، عاقل حارة، تفاصيل توجيهات رسمية تلزمهم بجمع معلومات شهرية عن السكان ورصد التحركات، مؤكداً أن التوجيهات تركز على “مراقبة الكافيهات والمطاعم والحدائق لحماية النساء مما يسمى بالحرب الناعمة”.
ويضيف الهمداني أن المطلوب هو الإبلاغ الفوري عن أي تجمع أو تحرك قد يُفهم منه الاعتراض، مما يحول الأحياء إلى وحدات رقابة دائمة تُقوّض الخصوصية الاجتماعية.
المسألة لم تعد تقييد أماكن أو منع فعاليات، بل تضييقاً على حق المرأة في الوجود والتعبير من دون وصم.
وتحدثت أم رمزية…(50عاما) تبدو عليها حسرة واضحة.. تقول: “لم تعد الكافيهات مجرد قهوة… كانت مجالس وعي، ملتقى بناتنا وفُسحة نقاش. واليوم صارت تهمة..”..تشرح كيف تغيّر كل شيء بسرعة: “أرادوا كسر هذا التجمع وتشويه صورته… والناس صدّقوا..”!
تخشى على بناتها، حتى إنها باتت تمنعهن من الذهاب إلى المقاهي، لا اقتناعًا بل خوفًا: “زرعوا الشك فينا… حتى بين الصديقات.”….إحدى بناتها صارحتها بأنها تتردّد قبل أن تتحدث مع رفيقتها: “تقول لي: أخاف تكون مخبرة من الوقائيات..”.
وصمة وتحريض
ويستعيد محمد شوقي ـ (48 عاماً) ما حدث معه في خطبة الجمعة قائلاً: حضرتُ الخطبة وما سمعته كان إساءة صريحة لبناتنا وأخواتنا، الخطيب ترك الحديث عن الإيمان وبدأ يشيطن الأماكن التي ترتادها النساء…”يضيف شوقي: “صوته ملأ الجامع وهو يصف الكافيهات بأنها أوكار للرذيلة، لم يكن يناقش ظاهرة، بل يطعن في شرف المجتمع..”…
ويتابع: “شعرتُ بالغضب والخزي.. المنبر تحوّل إلى وسيلة للتحريض على التضييق على النساء بدلاً من توجيه الناس بالحكمة.”ويختم قائلاً: “المشكلة ليست في الرأي، بل في خطاب يزرع الشك ويقوّض الاحترام داخل المجتمع.”
وتقول د/جميلة طريق ـ (48 عاماً) إن الذهاب إلى مقهى أو استراحة “لم يعد فعلاً عادياً… بل وصمة”، مؤكدة أن النظرة المتداولة اليوم “تشوّه سمعة النساء وتطال عائلاتهن أيضاً..”، وأن التشويه “لم يعد مقتصراً على الكلام بل صار حملة علنية…”.
وتشير إلى أن الطالبة (ع.م) أن أساتذة جامعيين “ينشرون منشورات تصف استراحات النساء بأنها أماكن فساد..”، معتبرة أن التحريض اكتسب خطورة أكبر حين خرج من أشخاص يفترض أنهم قدوة.
كما وثقتُ صدور توجيهات رسمية تمنع الفنانات من العزف على العود في أي تجمع نسائي، وتُلزمهن بالاكتفاء بـ”الأناشيد الملتزمة” والزوامل،… وتقول إحدى الفنانات: “أخذوا الفرح من أرواح بناتنا… وقضوا على الفن باسم الفضيلة..”.

حدود المكان العام وذريعة التضييق
تكشف بعض السلوكيات في الأماكن العامة عن غياب واضح للوعي بالفضاء المشترك، ما يحوّل الحرية الشخصية إلى فوضى تربك المجتمع.
تؤكد ابتسام المقطري _ التي ترتدي أحد المقاهي بشكل دائم بالقول: بعض الفتيات بدأن بتصوير مقاطع غير لائقة داخل استراحات السيدات ونشرها بحثاً عن “الترند”، لتتحول فور انتشارها إلى مادة يستخدمها المجتمع ضد النساء.
وتضيف: “رأيت فتيات يصورن حركات محرجة داخل الاستراحة، وبمجرد انتشار المقاطع يبدأ الهجوم علينا وكأننا جميعاً مسئولات عنها”.
وتؤكد ابتسام أن هذه التصرفات الفردية أصبحت سبباً في تشويه سمعة الكافيهات والاستراحات النسائية، قائلة: “بسبب أخطاء لا تمثلنا، يتم وصم المرأة اليمنية، ويجد البعض مبرراً للمطالبة بإغلاق ما تبقى لنا من مساحات..”.
سمر العريقي ـ (محامية) تقول: ” إن غياب الوعي بالمكان العام هو المشكلة الحقيقية، فالحرية لا تعني الانفلات أو تجاهل الذوق العام في مجتمع محافظ..”.. وتبرز ممارسات مثل التصوير العشوائي أو الظهور المبالغ فيه كتعدٍ مباشرعلى الآخرين، وهي أفعال تمنح – كما تصف العريقي – “الذريعة المجانية للمتشددين لفرض الحظر والتضييق، وتضعف موقف المدافعين عن الحقوق، رغم أنها لا تبرر أي قمع..”.

اغتيال الفرح وحصار “الفن”
لم تتوقف الخسائر عند حدود حرية التعبير، بل امتدت لتضرب قطاع الأعمال النسائية الصغير في مقتل. (ط.ف)، صاحبة مقهى نسائي، تتحدث عن تحول مشروعها إلى “تهمة” ومصدر للقلق الدائم بسبب مراقبة الجيران والمارة الذين باتوا يمارسون دور “شرطة أخلاق متطوعة”.
وتقول بحسرة: “الزبونات توقفن عن القدوم خوفاً من الوصم أو البلاغات.. خسرنا السوق لأن ثقافة العيب لاحقت المرأة حتى في مساحة تبحث فيها عن ساعة لنفسها”.
هذا الحصار طال القوى الناعمة أيضاً، حيث وثقت تقارير صدور توجيهات تمنع الفنانات من العزف على العود في التجمعات النسائية. إحدى الفنانات علقت على ذلك قائلة: “أخذوا الفرح من أرواح بناتنا وقضوا على الفن باسم الفضيلة”.
ويؤكد الإعلامي (أحمد المجيد) أن التفتيشات المتكررة ومنع الموسيقى أضعفا الإقبال على المنشآت السياحية، مما دفع العديد منها للإغلاق النهائي، وهو ما تعتبره (أسمهان) “قمعاً موجهاً” يعيد المجتمع إلى عصور من العبودية والتحكم في التفاصيل الشخصية الدقيقة.
أخيراً، يبرز البعد الإنساني في شهادات رجال من المجتمع الصنعاني؛ فبينما يرى البعض مثل (محمد شوقي) أن منبر الجمعة بات يُستخدم للتحريض و “الطعن في شرف المجتمع” عبر شيطنة المقاهي، يضطر آخرون مثل (نجيب) و (أحمد المنتصر) لمنع قريباتهم من ارتياد هذه الأماكن ليس اقتناعاً بل خوفاً من الابتزاز الرقمي أو الكاميرات المخفية في ظل غياب الدولة
وتلخص رائدة الأعمال (جميلة الحرازي) هذا المشهد المأساوي بالقول: “حين تُغلق المقاهي في صنعاء، لا تُغلق أبواب فقط.. بل تُغلق معها آخر منافذ الناس إلى حياة طبيعية”.
*تحدثت معظم النساء في التقرير دون الكشف الكامل عن اسمائهن خشية الانتقام.




الحقيقة أن ما أدهشني أولاً هو قوة السرد والحبكة في هذا التقرير؛ وكأني أقرأ تحقيقاً في كبرى الصحف العالمية أو أستعيد زمن الصحافة الذهبي، أسلوب وطرح في غاية الروعة والذكاء.
وبالحديث عن المضمون، فإن قضية التضييق على النساء في صنعاء ليست مجرد إجراءات عابرة، بل هي قنبلة موقوتة تخلق ما نسميه ‘الاحتقان المجتمعي’. يجب أن نعي أن إغلاق المتنفسات الخاصة والآمنة للنساء هو السبب المباشر خلف حالة الفوضى والمشاكل الاجتماعية المتفاقمة التي نراها اليوم؛ فالكبت لا يولد فضيلة، بل يولد انفجاراً وظواهر سلبية كانت مجتمعاتنا في غنى عنها.”