آراء ومواقف

جنوب الانتقالي.. خارطة للإيجار مقابل الاعتراف: البلد ساحة نفوذ بالقطعة والمكوّن مجرد مقاول حروب

فتحي بخضر

لا يمكن فهم سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه تناقضاً عرضياً بين خطاب الخارج وممارسة الداخل، بل كوظيفة سياسية مركّبة تقوم على أداء دورين في آن واحد: فاعل محلي متغلب، ووسيط إقليمي قابل للتوظيف ضمن توازنات إقليمية متغيّرة.

في الخارج، يقدّم الانتقالي نفسه بوصفه قوة “منضبطة”، قادرة على ضمان الاستقرار، حماية الممرات البحرية، وضبط الجغرافيا الجنوبية في لحظة إقليمية مضطربة. هذا الخطاب لا يُوجَّه إلى الرأي العام بقدر ما يُصاغ بلغة المصالح، حيث تُختزل القضية الجنوبية لتغدو ملف أمني قابل للتسويق.

في الداخل، وعلى الأرض الجنوبية نفسها، يتصرف الانتقالي كسلطة أمر واقع، لا تستند إلى عقد سياسي جامع، بل إلى القوة المسلحة وفرض السيطرة. هذا التباين لا يبدو خللاً في الأداء، بل جزءاً من معادلة وظيفية: ضبط الداخل بالقوة، وطمأنة الخارج بالخطاب.

 

حضرموت والمهرة.. من الحضور السياسي إلى السيطرة القسرية:

ما يجري في حضرموت والمهرة لا يمكن قراءته كامتداد طبيعي لمشروع تمثيلي جنوبي، بقدر ما يبدو انتقالاً من منطق الشراكة إلى منطق السيطرة. فالقوة التي تدخل مناطق لم تطلب حضورها، وترفض العودة إلى مواقعها السابقة رغم الدعوات المحلية والإقليمية لخفض التصعيد، لا تتصرف كفاعل سياسي تفاوضي، بل كسلطة تسعى لتثبيت واقع جديد.

هنا يتحول السؤال من “ما الذي يريده الانتقالي؟” إلى “لصالح من يُدار هذا التوسع؟”. فالمناطق التي تُدار بالقوة لا تُعامل كمجال تمثيل سياسي، بل كأصول استراتيجية ينبغي الاحتفاظ بها، لا بوصفها مكوّناً في عقد سياسي توافقي.

وإذا كان الانتقالي يقدّم نفسه ممثلاً للجنوب، فإن وجوده العسكري في بيئات رافضة يطرح إشكالية تمثيل حقيقية: كيف يمكن لقوة تدّعي التمثيل أن تستقر في أرض ترفضها اجتماعياً وسياسياً؟

 

الإشارات الإقليمية بين التصريح والوظيفة:

تصريحات وليد جنبلاط حول محاولات تطويق السعودية عبر حضرموت لا يمكن التعامل معها كزلة لسان معزولة، بل كإشارة إلى تصورات متداولة داخل دوائر سياسية إقليمية. هذه التصورات، سواء كانت دقيقة أو مبالغاً فيها، تعكس إدراكاً متنامياً لأهمية حضرموت والمهرة في معادلات الأمن الإقليمي.

في السياق ذاته، يبرز خطاب إيدي كوهين، القريب من دوائر القرار في إسرائيل، بوصفه لافتاً ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب نبرته الواثقة. حين يتحدث عن حضرموت كما لو كانت ملفاً مفتوحاً ضمن معادلات إقليمية، فإن ذلك يشير إلى أن هذه الجغرافيا باتت حاضرة في حسابات تتجاوز الفاعلين المحليين.

اللافت هنا ليس التصريحات بحد ذاتها، بل غياب أي رد أو نفي من المجلس الانتقالي. هذا الصمت لا يُثبت علاقة مباشرة، لكنه يترك فراغاً سياسياً تُملؤه قراءات متضاربة، ويُضعف قدرة الانتقالي على تقديم نفسه كفاعل مستقل القرار.

 

الجغرافيا بوصفها وظيفة لا قضية:

في المشهد الأوسع، تبدو حضرموت والمهرة جزءاً من معادلة جيوسياسية مرتبطة بالموانئ، وخطوط الطاقة، وممرات الملاحة الدولية. في مثل هذه المعادلات، لا تُقاس قيمة الفاعل المحلي بقدرته على بناء دولة، بل بمدى قابليته لأداء دور أمني وظيفي.

ضمن هذا الإطار، لا يظهر المجلس الانتقالي كمشروع دولة مكتمل، بل كأداة محلية قابلة للتكيّف مع مصالح القوى الأكبر. فالدولة تحتاج إلى عقد اجتماعي، بينما الوكيل يحتاج إلى قوة على الأرض وقدرة على الضبط.

 

ختاماً:

القضية الجنوبية، في هذا المسار، مهددة بالتحول من مشروع تحرر سياسي إلى ورقة نفوذ إقليمي.

الانتقالي، سواء أراد أم لم يُرِد، يتحرك اليوم داخل هذه المعادلة: قوة تخطف صوت الداخل وتكتم أنفاسه حتى الموت ليبدو المسرح آمناً للغرباء ، وتعرض عليهم الجغرافيا مقابل الاعتراف والدعم.

وفي ظل اختلال موازين القوى، يبقى الثمن محلياً: دم يُدفع في حضرموت والمهرة، وخسائر يتحملها المجتمع، بينما تُدار المعركة على خرائط أبعد من المكلا والغيضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى