المعتقلون الأمميون كأوراق استراتيجية.. كيف أجبر الحوثيون الأمم المتحدة على شرعنة “مسار الابتزاز”؟ -تحليل خاص

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
شهد المشهد السياسي والأمني في اليمن تحولاً خطيراً مع إعلان جماعة الحوثي، يوم الأربعاء 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، “فتح مسار التفاوض” بشأن عشرات الموظفين المعتقلين من العاملين في منظمات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية. يمثل هذا الإعلان، الذي جاء على لسان المتحدث باسم الجماعة محمد عبدالسلام، انتقالاً استراتيجياً من السيطرة الضمنية على قطاع الإغاثة إلى استخدام المعتقلين – الذين يزيد عددهم عن 60 موظفاً – كورقة مساومة سياسية عالية القيمة.
تعكس هذه الخطوة قناعة راسخة لدى الحوثيين بنجاح “التكتيكات القسرية” نتيجة للسياسة التاريخية للمنظمات الإنسانية التي اعتادت تقديم التنازلات لضمان الوصول للمحتاجين. هذا التصعيد يهدف إلى تطبيع استخدام موظفي الإغاثة كأصول تفاوضية لانتزاع مكاسب تتجاوز الإطار الإنساني بكثير.
سمحت المنظمات الإنسانية بشكل عام للحوثيين بمواصلة “فرض شروطهم على العلاقة معهم” على مر السنين، مما أدى إلى تآكل مستمر للمبادئ الإنسانية. هذه السياسة التاريخية، التي اعتبرت التنازلات “شر لا بد منه” في إطار السعي لخدمة الفئات الأكثر هشاشة، رسخت قناعة لدى الحوثيين بأن التكتيكات القسرية ناجحة، مما أدى حتماً إلى تزايد جرأتهم في التصعيد الحالي.
وقال محمد عبدالسلام إنه التقى في مسقط المبعوث الأممي بحضور “معين شريم المكلف ببحث موضوع العاملين في بعض المنظمات المحتجزين في صنعاء بتهمة التورط في خلايا التجسس”.
الأمم المتحدة تشرعن مسار الحوثيين
منح تعيين الأمم المتحدة معين شريم (نائب المبعوث)- وتأكيد عبدالسلام لمهمته- ببحث موضوع المحتجزين بتهمة “التورط في خلايا التجسس”، إقراراً فعلياً من المنظمة الدولية بفتح مسار للتفاوض حول الثمن الذي ستدفعه للحوثيين مقابل سلامة موظفيها.
أشار محمد عبدالسلام إلى أن التفاوض يسعى لإيجاد “الحلول العادلة والمنصفة” التي تسمح بـ”استمرار التنسيق” وعمل المنظمات، لكنه أصر في الوقت ذاته على تهم “التجسس” الموجهة للمعتقلين. هذه الازدواجية الخطابية تؤكد أن العملية هي عملية مقايضة سياسية وليست إجراءً قضائياً.
إن ربط مصير المحتجزين بتأمين استمرار العمل الإنساني، مع التهديد بأن المنظمات تستخدم “غطاءً لأنشطة تجسسية”، يهدف إلى إجبار وكالات الأمم المتحدة على الانخراط في عملية معاملاتية لضمان سلامة موظفيها. هذا الموقف يرسل رسالة مفادها أن سلامة الموظفين هي مجرد تنازل يتم الحصول عليه عبر المقايضة. وليس حقاً غير مشروط مكفولاً بموجب القانون الدولي، ما يهدد بتقويض مبدأ الحياد والاستقلال للأمم المتحدة ورأسمالها المعنوي عالمياً.
الباحثة المتخصصة في الشأن اليمني، فاطمة أبو الأسرار، أكدت أن بيان عبدالسلام يوضح نية الحوثيين المدعومين من إيران بوضوح: “اتهامات التجسس الموجهة لموظفي الإغاثة لن تختفي؛ بل أصبحت ورقة مساومة. لقد ربطوا حياة البشر بالنفوذ السياسي”.
ويعتبر إشراك مسؤول مكلف بشكل خاص بملف المعتقلين، هو معين شريم، يؤكد أن الحوثيين نقلوا ملف المحتجزين من مسار قضائي إلى مسار سياسي تفاوضي. هذا الإجراء هو الذي يضفي الشرعية على ما وصفه الخبراء بـ”مسار الابتزاز”. بالإضافة إلى ذلك، فإن التهديد الموجه ضد المنظمات التي يجري استخدامها “غطاءً لأنشطة تجسسية” يخدم كأداة ردع قوية، هدفها إجبار المنظمات على ممارسة الرقابة الذاتية والامتثال لمطالب الحوثيين لتجنب المزيد من الاتهامات، معلناً أن هذه الأنشطة تضرب “الثقة بعملها الإنساني”.
توقيت الاعتقالات وتوظيفها الاستراتيجي
تأتي موجة الاعتقالات الجماعية، التي شملت أكثر من 60 موظفاً واجتاحت مقرات وكالات رئيسية مثل اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي، والأوتشا، ومفوضية اللاجئين والمنظمات الأخرى الأممية، في توقيت مرتبط بشكل مباشر بهجوم إسرائيلي رفيع المستوى أدى إلى مقتل رئيس حكومة الحوثيين وعشرة وزراء، ورئيس هيئة الأركان محمد عبدالكريم الغماري. وقد اتهم زعيم الجماعة الموظفين الأمميين بالعمل في “خلايا تجسس” ساهمت في عملية الاغتيال.
هذا الارتباط يوضح نمطاً استراتيجياً: تستغل الجماعة لحظات الضعف الأمني الداخلي (الاغتيالات) أو الضغط الإقليمي لتنفيذ تصعيد داخلي يضمن تحقيق أقصى قدر من الضجة الدبلوماسية. إن الهدف هو استعراض القوة وصرف الانتباه عن أي إخفاق أمني، عبر استهداف الأصول الأكثر قيمة دبلوماسية—أي موظفي الإغاثة—لتحقيق أقصى قدر من النفوذ بتكلفة عسكرية ضئيلة.
ويزيد هذا التكتيك من خطورة الوضع، خاصة مع رفع التهمة إلى “الخيانة العظمى والعمالة” التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وتُضاف إلى السابقة المأساوية لوفاة موظف في برنامج الأغذية العالمي في سجون الحوثيين في فبراير/شباط الماضي دون مساءلة.
كانت الأزمة بين الحوثيين والأمم المتحدة قد تصاعدت بشكل دراماتيكي في عام 2025. بدأت موجة أولية من الاعتقالات في يونيو/حزيران 2025، حيث تم احتجاز سبعة موظفين يمنيين يعملون لدى الأمم المتحدة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. التصعيد الأكبر جاء في الثلاثة الأشهر الأخيرة (أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الجاري) عندما شنت الجماعة حملة اعتقالات واسعة النطاق طالت ما لا يقل عن 60 موظفاً إضافياً للأمم المتحدة وموظفين في منظمات أخرى، وكان بعضهم محتجزاً بالفعل منذ عام 2021. وشملت المداهمات مقار اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتظل مقرات بعض هذه الوكالات تحت سيطرة الحوثيين حتى اليوم.
ما يوضح أن الحملة كانت سابقة للاغتيالات التي استهدفت الحكومة، وشيطنة الأمم المتحدة كان مستمراً منذ سنوات بكونها تتجسس لصالح التحالف الذي تقوده السعودية.
الانتقال من “الحق القضائي” للتفاوض
يتميز بيان محمد عبدالسلام بازدواجية خطابية تخدم غرضاً استراتيجياً مزدوجاً. فمن جهة، يُبدي البيان مرونة شكلية بالتأكيد على أنه “بالمبدأ لا مصلحة باحتجاز أي شخص يعمل في المنظمات دون مسوغ”. ومن جهة أخرى، يشدد بقوة على أن المحتجزين قاموا بـ”دور تخريبي” وأن “الأجهزة المعنية مستعدة لعرض الأدلة والوثائق التي تثبت تورطهم في أنشطة تجسسية تحت غطاء العمل الإنساني”.
الاتهامات الموجهة للموظفين هي اتهامات خطيرة، خاصة وأنها ربطت المحتجزين مباشرة بالتآمر في اغتيال محمد عبد الكريم الغماري. وعلى الرغم من أن الحوثيين أكدوا استعدادهم لتقديم “الأدلة والوثائق”، فإن مصداقية هذه التهم تظل معدومة في غياب الشفافية والإجراءات القانونية السليمة. وقد رفضت الأمم المتحدة هذه الاتهامات بشكل قاطع، محذرة من أنها “تعرض حياتهم للخطر”. مطالبة الحوثيين بحقهم في مقاضاة الموظفين تتناقض مع رفضهم الالتزام بالشفافية والمساءلة حتى في حالة وفاة موظف برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه.
لذلك يكمن الهدف الأساسي من استهداف واحتجاز موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في تعظيم النفوذ السياسي للحوثيين، الذين يعانون من عزلة دولية متزايدة منذ تصنيفهم كـ”منظمة إرهابية” في الولايات المتحدة، وتسببت العقوبات الاقتصادية بوضع سيء للحركة منذ بداية العام. فالموظفون المعتقلون يمثلون أصولاً استراتيجية تخلق ضغطاً دولياً هائلاً فورياً، وتستدعي إدانات مجلس الأمن وتجبر على مفاوضات دبلوماسية رفيعة المستوى.
على الصعيد الداخلي، تخدم الاعتقالات تعزيز رواية الحوثيين حول اليقظة الأمنية والدفاع عن الوطن ضد “دول معادية”، مما يضفي الشرعية على أجهزتهم الأمنية ويبرر القمع. أما الهدف الأعمق، فهو تحقيق السيطرة الشاملة على قطاع المساعدات، لضمان توجيهها لخدمة الأهداف العسكرية والسياسية للجماعة. إن إجبار الأمم المتحدة على التفاوض بشأن إطلاق سراح موظفين متهمين بالخيانة يحقق هدفاً حيوياً للجماعة: شرعنة اختصاصها القضائي على هؤلاء الموظفين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الغالبية العظمى من المحتجزين هم من الموظفين اليمنيين. هذا التكتيك مصمم للقضاء على مفهوم الحياد داخل القوى العاملة المحلية، فمن خلال مساواة العمل لدى المنظمات الدولية بالخيانة، يخلق الحوثيون بيئة من الخوف تجبر على تحويل الولاء من المنظمة الدولية إلى سلطة الأمر الواقع، مما يضمن الاستحواذ المؤسسي والاستخباراتي على العمليات الإنسانية.

السابقة التاريخية والمطالب المتوقعة للحوثيين
تتوافق هذه الإجراءات تماماً مع نمط تاريخي متبع من قبل الحوثيين لاستخدام الرهائن والمحتجزين ذوي القيمة العالية (سواء صحفيين أو دبلوماسيين أو عمال إغاثة) كأدوات لتحقيق أهداف سياسية، وهو تكتيك أثبت فعاليته في بيئة تعطي فيها المنظمات الدولية الأولوية للوصول الإنساني بأي ثمن في وقت يحتاج فيه 18 مليون يمني للمساعدة العاجلة.
تندرج مطالب الحوثيين، المستخلصة من السياق والأنماط السابقة، ضمن مستويين: أولاً، الشروط التشغيلية المعلومة، التي تشمل تأمين إجلاء طبي لقيادات الجماعة المصابة أو العسكرية إلى الخارج، والحصول على تنازلات مالية، أو ضمان تدفق المساعدات النقدية دون قيود. ثانياً، المطالب الجيوسياسية الضمنية، التي تشمل السعي للحصول على اعتراف سياسي أو شرعية دولية من خلال إجبار الأمم المتحدة على الانخراط في مفاوضات مباشرة غير إنسانية حول وضع “السجناء الأمنيين”، واستخدام هذا الملف للضغط على المملكة العربية السعودية والقوى الإقليمية الأخرى لتخفيف أثار العقوبات الدولية على الحركة، أو التنازل عن شروط في مفاوضات السلام، وهو ما تجلى بوضوح في مناقشة ملف المعتقلين في الجلسة ذاتها التي تحدث فيها عبدالسلام عن تنفيذ “خارطة الطريق” الأممية التي “التزمت بها السعودية”.
إن الاتهام الصريح بأن عمل الأمم المتحدة هو “غطاءً لأنشطة تجسسية” يقوض الثقة ويضرب في صميم مبدأ الحياد. إن هذا التصريح لا يهدد فقط سلامة موظفي الإغاثة، بل يحول المساعدات إلى أداة سياسية، مما يضمن استخدام موارد الإغاثة (التي تُقدر بمليارات الدولارات) لخدمة الأهداف الاستراتيجية والعسكرية للحوثيين؛ فما الذي يضمن للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن المساعدات الوجود الأممي في مناطق الحوثيين لا يخدم الحركة المسلحة وأن قيادتها لعملية السلام هو تنفيذ لشروط الحوثيين ما يجعل مبدأ الحياد الذي يفترض أن تلتزم به الأمم المتحدة في محل شك.
تكتيك إيراني وسابقة دولية خطيرة
يمثل قرار الحوثيين بفتح “مسار الابتزاز” استراتيجية عالية المخاطر تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب السياسية والمالية على حساب المعايير الإنسانية وسلامة موظفي الإغاثة.
إن استخدام الرهائن ذوي القيمة العالية وموظفي الإغاثة كأوراق ضغط هو عنصر راسخ في أدوات “محور المقاومة” التابع لإيران. هذا التكتيك ليس حدثاً منعزلاً، بل هو جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الإقليمية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني ضمن أدوات “محور المقاومة”، ويهدف إلى تخفيف الضغط الدبلوماسي عن الجماعة.
إن قبول الأمم المتحدة بهذا المسار التفاوضي، مقابل إطلاق سراح الموظفين، يهدد بإرساء سابقة خطيرة على مستوى العالم، ويشجع الجهات الفاعلة الأخرى من غير الدول على استخدام موظفي الإغاثة كرهائن لتحقيق أهداف سياسية.





