أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

الجنرال الذي لا يرتدي “الكتاف” رئيسا للأركان.. كيف تصنع “عائلة الحوثي” جنرالاتها؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:

أكدت جماعة الحوثي، عبر إعلان تعيين يوسف المداني رئيساً جديداً لهيئة الأركان، ترسيخ مركزية السلطة العسكرية في يد الدائرة الأسرية المقربة من زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي. ويأتي هذا التعيين، الذي يُبلغ عنه عقب مقتل رئيس الأركان السابق محمد عبدالكريم الغماري في 16 أكتوبر/تشرين الأول، ليضع المداني في أعلى منصب عسكري نظامي تحت المجلس السياسي الأعلى.

ويُعد المداني، البالغ من العمر 48 عاماً، تجسيداً لدمج القوة العسكرية مع الشرعية الأسرية-الإيديولوجية داخل الجماعة. فهو ليس مجرد قائد ميداني، بل يمثل حجر الزاوية الذي يربط بين قيادة الحملات العسكرية الاستراتيجية، وإدارة شبكة الدعم الخارجي المعقدة مع إيران وحزب الله.

 

القرابة الأسرية: الحصانة والشرعية

يستمد المداني، الذي ينتمي إلى طبقة “السادة” النخبوية في الفكر الزيدي والفكر العقائدي لحركة الحوثيين، شرعيته ونفوذه السياسي من روابط القرابة التي لا يمكن تعويضها مع قيادة الجماعة. هذه الروابط هي التي تضمن ولاءه المطلق وتجعل سلطته محصنة ضد المنافسة الفئوية داخل الحركة.

فهو صهر زعيم الجماعة الحالي، عبدالملك الحوثي، مما يضمن له الوصول المباشر وغير المشروط إلى مراكز القيادة والقرار. كما تزوج المداني من إحدى بنات حسين بدر الدين الحوثي مؤسس الحركة و”شهيدها” الأول، وهو ما يعزز شرعيته ويربطه بجذور الحركة وتاريخها.

توضح علاقة العائلتين مدى التجذر، حيث كان شقيقه الراحل طه المداني، الذي قُتل في 2017 مسؤولاً أمنياً بارزاً ومتزوجاً من شقيقة عبد الملك الحوثي، مما يدل على استراتيجية واضحة لإضفاء الطابع المؤسسي على عائلة المداني داخل الهيكل الأسري الأساسي للجماعة.

إن تضافر مكانة المداني كـ “سيد” وروابطه الزوجية المباشرة بأسرة آل الحوثي يمثل المؤهل الأساسي لأدواره الحساسة والرفيعة المستوى (القيادة العسكرية والاتصال الخارجي).

الدور الوظيفي والأهمية الاستراتيجية

تاريخ يوسف المداني العسكري يوضح أنه ليس مجرد رمز عائلي، بل قائد ذو خبرة ميدانية واسعة في العمليات الاستراتيجية والقيادة العقائدية. ومنذ الأيام الأولى لبدء حركة الحوثيين كان يوسف المداني واشقاءه جزء من جهود الجماعة القبلية للقتال ضد الحوثيين، لكن كانت علاقات القرابة مع عائلة الحوثي هي الأكثر أهمية “للمداني” والتي لا يمكن تعويضها.

ويعمل المداني كعقدة حاسمة للقيادة والسيطرة (C2) ضمن “مجلس الجهاد” الحوثي. ويتضح دوره في ضمان تنفيذ الاستراتيجية بكفاءة في الميدان، خاصة في الحملات الهجومية الكبرى. وكان يوصف المداني-قبل2014- بأنه القائد الثاني للجماعة، ووظيفته الأساسية تنفيذ استراتيجيات الجماعة والقيادة العقائدية للحركة وبناء القوات المحلية.

وكان مسؤولاً إلى جانب “أبو علي الحاكم” و”عبدالخالق الحوثي” عن قيادة العمليات العسكرية في عمران ودخول صنعاء، ومسؤولاً بشكل مباشر عن العلاقات العسكرية والقبلية وبناء القوات العقائدية والعسكرية بعد 2015م.

بعد عام 2017، تولى قيادة المنطقة العسكرية الخامسة التي تشمل محافظات الحديدة، وحجة، والمحويت، وريمة. وتتركز أهمية هذا المنصب في إشرافه على الساحل الغربي الاستراتيجي على البحر الأحمر. ومواجهة الضغط الذي فرضه التحالف في عملية تحرير “الحديدة” التي أطلقتها الحكومة اليمنية والتحالف العربي والتي انتهت باتفاق “ستوكهولم”.

استعراض عسكري للحوثيين يرفع شعارات الجماعة وصورة ومؤسسها والد زوجة يوسف المداني (انترنت)

لم يكن دوره في الحديدة يهدف إلى السيطرة الكاملة بقدر ما كان لإدارة نقطة ضغط استراتيجي. فقد أدت قيادته إلى انتهاكات مستمرة لأحكام وقف إطلاق النار في اتفاق الحديدة، استخدم المداني العمليات العسكرية كشكل من أشكال الضغط غير الحركي، لضمان بقاء الأزمة الإنسانية نقطة ضغط مستمرة على التحالف العربي. وعلى هذا الأساس وضعه  مجلس الأمن في 2021 في قوائم العقوبات باعتباره ضمن الأفراد الذين يقومون بأعمال تهدد السلام والاستقرار في اليمن. واستند التبرير تحديداً إلى قيادته لحملات عسكرية تسببت في انتهاكات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة، مما فاقم الأزمة الإنسانية.

واعتباراً من عام 2021، كُلّف المداني بقيادة حملة هجومية عالية المخاطر للسيطرة على موارد الطاقة في محافظة مأرب؛ والتي انكسرت في نهاية المطاف على أيدي قوات الجيش الوطني وتكبد الحوثيون فيها خسائر فادحة. لكنها أيضاً حققت مكاسب بالسيطرة وتثبيت الوجود في مديريات رحبة والعبدية وحريب والجوبة وجبل مراد.

وطوال ظهوره بالزي العسكري التزم يوسف المداني بارتداء الزي الرسمي والالتزام بتقاليد الرتب – على سبيل المثال، عدم ارتداء شارات الأركان الحمراء (كتاف) إذا لم يكونوا قد التحقوا بكلية الأركان. ولم يلتحق (المداني) بأي كلية عسكرية أو تعليم نظامي، ويقتصر فقط على العلوم الدينية الزيدية في محافظة صعدة بداية نشأته.

 

حلقة الوصل الحاسمة مع محور إيران وحزب الله

يُعد المداني “همزة الوصل الرئيسة” بين جماعة الحوثي ورعاتها الخارجيين، وتحديداً الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. ويُعتبر هذا الدور حيوياً لقدرة الحوثيين على الصمود واستمرار القتال.

وكما أسلفنا فإن جزءاً كبيراً من مسؤوليته بناء القوات المحلية لذلك فإن مسؤولياته المباشرة ضمن الاتصال الخارجي مرتبط بمهامه الداخلية: حيث يتولى الإشراف على عملية تدريب المقاتلين، سواء في المعسكرات الداخلية في اليمن، أو عبر إرسالهم إلى معسكرات الحرس الثوري في إيران وسوريا (قبل سقوط بشار الأسد).

كما أشرف على عملية استقدام الخبراء والمدربين العسكريين من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله إلى اليمن. وهذا أمر ضروري لتطوير قدرات الحوثيين في الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات البحرية. كما يتمتع بنفوذ على قيادة على العمليات اللوجستية والدعم المقدم للجماعة، مما يشير إلى ارتباطه المباشر بعمليات تهريب الأسلحة المعقدة وتوزيع العتاد.

إن مستوى الحساسية والأمن المطلوب لإدارة هذا الملف الخارجي العسكري يحتم وضع فرد أساسي من العائلة في هذا الدور. فالروابط الأسرية للمداني هي العامل المُمكّن لتعيينه كحلقة وصل حاسمة، حيث تُعتبر ثقة طهران فيه عاملاً أهم من أي نصر عسكري منفرد. يحتاج الحرس الثوري إلى طرف مقابل في صنعاء يثقون في أنه يقدم تقاريره مباشرة إلى أعلى سلطة (عبد الملك الحوثي)، والمداني بصفته صهر الزعيم، يحقق هذا المطلب.

 

سلطة محصنة في منافسة فئوية

يُعد الترابط العائلي العميق عاملاً هيكلياً يضمن ولاء المداني المطلق، ويجعل سلطته محصنة ضد المنافسة الفئوية داخل الحركة. ويشير تحليل هيكل السلطة إلى أن تضافر مكانته ضمن روابطه الزوجية المباشرة بأسرة آل الحوثي كمؤهل الأساسي لأدواره الحساسة والرفيعة المستوى (القيادة العسكرية والاتصال الخارجي).

إن بقاءه السياسي وقوته مكفولان بهذه الصلة الأسرية، التي تتجاوز مجرد الأداء العسكري البحت. ففي جماعة تتمحور حول الأسرة المؤسسة، يجب أن تُوكل الأدوار التي تتطلب ثقة عالية، مثل التنسيق مع إيران أو قيادة الحملات الوجودية (مأرب)، إلى أقرب الأقارب الموثوق بهم.

إن التعيينات المتتالية ليوسف المداني في أدوار قيادية عليا، والتنسيق الوثيق والموثوق الذي يجريه مع طهران، يؤكد أن الجماعة تتجه نحو تعميق المركزية العسكرية وضمان بقاء السيطرة على أهم شؤونها، وهي الحرب والتمويل، لتبقى محصورة ضمن الدائرة الأسرية الضيقة. ما يعكس مقاومة هيكلية داخل الجماعة لأي ترتيبات مستقبلية قد تتطلب تفكيك -أو تقاسم- السلطة العسكرية في أي اتفاق سلام يمكن أن يحدث.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى