كتابات خاصة

عن مذكرات الرئيس علي ناصر

هذه ليست انطباعاً عاماً ولا تلخيصاً لمذكرات الرئيس علي ناصر محمد.

الكتاب عبارة عن مراجعات وتوثيق للتجربة من قبل رجل كان في أعماقها. لا يمكن الخروج بجل ما تناول في مقال أو مقالين.

يمكن تقديم انطباع جزئي عن أهم الأسباب التي صدعت بناء الدولة في الجنوب وطبيعة الصراع وخلفياته. وهذا أهم عنوان وأكبرها.

لم يترك الاستعمار دولة ولا مؤسسات، وتجربة الثوار في بناء وتسيير الدولة كانت قليلة.

هذا ما يجب أن نفهمه قبل تلخيص التجربة ومراجعتها.

كانت انعدام التجربة وضعف الخبرة السياسية هي أول عثرة في طريق الدولة.. “انتقالنا الدراماتيكي المفاجئ من السلاح إلى السلطة قد شكل – موضوعياً – أرضية للخلل الذي حصل، وكان بالإمكان حصر الأضرار الناجمة عن ذلك الخلل في أضيق الحدود لو أحسن التعامل بواقعية وتجرد مع المعطيات الجديدة… ولكن كان يغلب على المرحلة العشوائية والارتجال.”

ولم تكن القيادة غافلة عن هذا الارتباك ولكن طريقة المعالجة كانت ارتجالية ولم تسلم من فخ التصفيات المبكرة ومعالجة الخلافات بالإقصاء.

ينقل عن عبدالفتاح من حوار صحفي أجرته صحيفة روز اليوسف: “عندما استلمنا السلطة أحسنا بأننا تائهون، كان استلامنا للسلطة مفاجأة لم نعد أنفسنا لها… وهي حقيقة لا يجوز أن ننكرها.. لم تكن أزمتنا أزمة كادر فقط، وإنما أزمة برنامج أيضاً. كان كل ما عندنا ميثاق الجبهة القومية الذي تم إقراره عام 1965. والميثاق نفسه يحتاج إلى إعادة تفكير، الميثاق عبارة عن مجموعة من المنطلقات النظرية: هل تبقى كما هي؟ هل تحتاج إلى المزيد من التحديد؟ هل تحتاج إلى المزيد من الإيضاح..؟”

ويؤكد أيضاً: “عدم كفاية الحصيلة النظرية والفكرية التي بدأنا نسترشد بها في تجربتنا الجديدة. ضعف المقولات الاشتراكية ومحدوديتها، والطابع الميكانيكي التلقيني الذي غلب على التعامل معها، خلق الفوضى والمزايدات في التفسير والاجتهادات.”

من خلال القراءة للتجربة وما تخللتها من صراعات مبكرة يتضح ببساطة أن الخلل البنيوي في تجربة الجبهة هو التفكير الإقصائي، والإيمان الأعمى بالنظرية.

وللأسف فإن عقلية الإقصاء والتصنيف كانت تجر الاختلاف السياسي من مجرد تباين رؤى إلى تنافس أخلاقي عن الحقيقة والصواب.

منذ العام الأول، او قل اللحظة الاولى، كان الزخم الثوري والحماس الزائد والتهور والتعلق بقشور النظريات سبباً أساسياً لمآلات التجربة فيما بعد.. من صراعات، وانقسامات، ومزايدات أضرت ببنية الدولة وأفقدتها كوادر إدارية وعسكرية مهمة.

كانت الدولة بحاجة إلى شيء من الواقعية السياسية إلا أن النخبة انخرطت مبكراً في دهاليز التنظير الأيديولوجي الذي جعل المشروع يتآكل ويستهلك نفسه.

معادلة التحمس الثوري المفرط والتشبع التلقيني بالفكر الأيديولوجي هو ما أنتج معادلة التطرف ومحاولة فرضه دون اعتبار للواقع المحلي.

ولعل علي ناصر محمد لم يبح باعتداليته، أو بتفكيره الأقرب لليمينية حسب التصنيف التقدمي آنذاك، وتلحظ ذلك من خلال سخريته الممتدة على طول الخط من التنظير والانفصال عن الواقع.ولعل علي ناصر محمد لم يبح باعتداليته، أو بتفكيره الأقرب لليمينية حسب التصنيف التقدمي آنذاك، وتلحظ ذلك من خلال سخريته الممتدة على طول الخط من التنظير والانفصال عن الواقع.

“انقسم الحزب الواحد بين يمين ويسار، وتقدمي ورجعي، وبرجوازي وثوري.  مصطلحات لا يفهمها حتى الذين كانوا يرددونها، فقد جاءت جاهزة معلبة من لبنان، بعد أن نقلها إلينا بعض متخرجي الجامعة الأمريكية.  نايف حواتمة ينقل معه وثائق جاهزة لتدمير جهاز الدولة القديم وبناء الميليشيات الشعبية والمجالس الشعبية، وتدمير الإمبريالية وبناء الاشتراكية في حضرموت. الآخرون يرددون كلمات ومصطلحات لا يفهمونها عن الثورة الروسية والصينية، بل يقلدون الملابس على الطريقة الصينية. والرئيس قحطان الشعبي في حيرة وهو يشاهد المنظرين والمزايدين، وتحت تأثير هذه الضغوط أصدر القرار الجمهوري رقم 10 لعام 1968م، إضافة إلى قرارات أخرى قضت بتسريح مدنيين وعسكريين وخسرت الدولة الفتية خيرة الكفاءات التي كان من الممكن أن يُستفاد منها في بناء الدولة الجديدة، بسبب المزايدات والتطرف. وفيصل عبداللطيف الشعبي_، العقل المفكر للثورة والدولة، عاش ممزقاً حائراً، وسط موجات التطرف والمزايدة والمطالبة بأن يتحمل الآخرون السلطة لإحراقهم بمشاكلها، حتى يأتوا فيما بعد بديلاً أفضل، كما كان ينظر إلى ذلك حواتمة_.”

بدأت الثورة بإقصاء خصومها ورفضها التعددية السياسية، ورسخت حكم الحزب الواحد، وشجعت هذا النهج، وكان غلاة التنظير يزايدون على أصحاب الفكر الواقعي مثل قحطان وفيصل عبداللطيف.

تتجلى مفارقة أن عبادة النظرية ووهم امتلاك الحقيقة والفكر الإقصائي الرافض لمساحة اختلاف مع الآخر على لسان أحد أبطال رواية بخور عدني لعلي المقري إذ يعلق على أحداث ما بعد الثورة: “تتخلصون الآن من منتقديكم والمختلفين معكم بالقوة. سيجيء يوم تبحثون فيه عن أعداء جدد ولن تجدوا غير أنفسكم.”

وبالفعل هذا ما حدث، وهذه العقلية هي ما أوصلت الرفاق إلى 27 مارس الانقلاب على الرئيس قحطان ورفيقه فيصل عبداللطيف الشعبي، إلى 26 يونيو التي أطاحت بالرئيس سالمين، وصولاً لأحداث يناير الدموية…

“نشوة النصر والاستقلال تتحطم على جبال عدن السوداء، وعلى صخرة الأفكار المستوردة، ويحث التنظير الصراعات التي دمرت كل ما هو جميل وفتحت المقابر حتى نعق الغراب على قبورنا وعلى أحلامنا الجميلة، والمواطنون يصابون بإحباط شديد. الفوضى بلغت ذروتها نتيجة لذلك في النماذج والتعقيدات التي مررنا بها عشية انتقال السلطة للجبهة القومية. ولم ندرك أهمية هذه السلطة ومسؤوليتنا تجاه الشعب، وكان كل منا يخشاها في مرحلة مهمة ومظلمة لم يتميز ويتحدد فيها الخيط الأبيض من الأسود، رغم كل المحاولات التي بُذلت للخروج من هذا النفق المظلم الذي قادنا إليه الآخرون، وكان من الصعب الإمساك بعض الخيوط الرفيعة التي تحرك الأحداث، فالناس يتصارعون ويقتتلون ويموتون وتنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة من التنظير والأحلام والآلام لينقض على البلاد كابوس يظهر في صورة مختلفة من الرعب. تشعر بأنك تعيش في أحلام جميلة وتصحو على أحلام مزعجة، وسرعان ما يبدأ الشقاء والإعياء في آن واحد. ”

الخلاصة

تكشف مراجعات علي ناصر محمد أن أزمة التجربة الجنوبية لم تكن نتاج مؤامرة أو خطأ منفرد، بل حصيلة عوامل متداخلة بدأت بضعف الخبرة في إدارة الدولة بعد الاستقلال، ثم تعمقت مع هيمنة التنظير الأيديولوجي والتصنيفات السياسية الحادة. ومع مرور الوقت تحولت الخلافات من تباين في الرؤى إلى صراع على الحقيقة والثورية والشرعية، فأُقصيت الكفاءات، وتآكلت مساحات التوافق، وانتهى الأمر بصراعات داخلية استنزفت الدولة والحزب معاً. ولعل أكثر ما تتركه هذه المذكرات هو التحذير من أن الأفكار حين تنفصل عن الواقع، وحين يُنظر إلى الاختلاف بوصفه خطراً لا ضرورة، فإن المشاريع الكبرى تبدأ في استهلاك نفسها من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى