
لم يُفكَّك المشهد الجنوبي بالقوة وحدها، بل جرى تفكيكه بهدوء، عبر سياسة أكثر خبثاً من السلاح: استنساخ التمثيل حتى يفقد معناه. هكذا أدار المجلس الانتقالي الجنوبي حضوره السياسي، لا بوصفه إطاراً تمثيلياً جامعاً، بل كسلطة تعمل على تحويل السياسة إلى ملحق للأمر الواقع.
فإلى جانب شبكته الواسعة من التشكيلات المسلحة، عمل الانتقالي على إنتاج عشرات الكيانات السياسية المصمَّمة سلفاً، لا لتوسيع التعدد، بل لإغراقه. مكوّنات بلا جذور، بلا تاريخ، وبخطاب متشابه، تؤدي وظيفة واحدة: تشويش المشهد ومغالبة القوى الأصيلة بالكثرة المصطنعة لا بالشرعية الشعبية.
هذه الكيانات لم تنشأ من حراك اجتماعي طبيعي ولا من تراكم مطالب سياسية، بل ظهرت دفعة واحدة، كأنها خرجت من غرفة واحدة وبقالب واحد. وجودها لم يكن استجابة لفراغ تمثيلي، بل أداة لخلقه. وفي مقدمة من استُهدف بهذا النهج كانت المكونات الحضرمية، وعلى رأسها حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، بوصفهما تعبيرين متجذرين يصعب احتواؤهما أو القفز عليهما.
اليوم، تتضاعف خطورة هذا المسار مع اقتراب مؤتمر الرياض للحوار بين المكونات الجنوبية، الذي ترعاه المملكة العربية السعودية. فبينما يُفترض أن يكون المؤتمر مساحة لإعادة التوازن وتنقية أجواء القضية الجنوبية، تشير المؤشرات إلى أن المجلس الانتقالي يتعامل معه كفرصة لإعادة إنتاج الهيمنة داخل قاعة الحوار نفسها.
الرهان واضح: تحويل المكونات المستنسخة إلى كتلة جاهزة تفرض النتائج مسبقاً. بهذه الصيغة، لا يعود الحوار أداة تفاهم، بل وسيلة لتسويغ اختلال قائم، وإعادة تدويره بغطاء سياسي ورعاية إقليمية.
هنا، تبرز مسؤولية المملكة العربية السعودية لا كداعٍ فحسب، بل كضامن لجوهر العملية. فنجاح أي حوار لا يُقاس بعدد الحاضرين، بل بمدى صدقية تمثيلهم. وإغراق الطاولة بواجهات سياسية مصممة يفرغ الحوار من مضمونه، ويحوّله إلى تمرين شكلي يُبقي القضية الجنوبية رهينة لمن يملك التمويل لا لمن يملك الامتداد الاجتماعي.
التجارب الإقليمية والدولية واضحة في هذا السياق: تضخيم عدد الفاعلين على حساب وزنهم الحقيقي لا يصنع استقراراً، بل يؤجل الانفجار. فالكثرة التي لا تمثل الناس لا تصنع شراكة، بل تغطي على فراغ سياسي عميق.
حضرموت، بثقلها الاجتماعي والتاريخي والجغرافي، لا يمكن اختزالها في أصوات مُلحقة أو مقاعد مُستعارة. وأي مسار سياسي يتجاهل هذه الحقيقة لن ينتج تسوية مستدامة، بل سيعيد إنتاج الأزمة بأدوات أنعم ونتائج أشد تعقيداً.
في ضوء ما تقدّم، يتبيّن أن أخطر ما يتهدّد الحوار الجنوبي المرتقب ليس الخلاف السياسي في ذاته، بل قابلية تحويل الحوار نفسه – إن غابت اليقظة – إلى أداة للهيمنة أو سانحة تلتقي فيها اليد بالجنبية. فالمجلس الانتقالي لم يدرك حتى الآن أن الغلبة لا تُنتج شرعية، وأن الكثرة المصطنعة لا تُكسب تمثيلاً، وأن أي تسوية تُبنى على هذا المنطق قد تنجح شكلياً، لكنها ستفشل واقعياً، لحظة تعود السياسة إلى مسرحها الطبيعي: الشارع.




