المفارقة اليمنية: عنف بلا تأسيس، وشرعية بلا قوة

مقدمة
غالبا ما يُساء توظيف نظريات نشوء الدولة خارج سياقاتها التاريخية، إما بتحويلها إلى وصفات جاهزة، أو باستخدامها لتبرير وقائع سياسية معاصرة لا تنطبق عليها شروطها الأصلية. وتُعد أطروحة تشارلز تيلي حول العلاقة بين الحرب وبناء الدولة من أكثر النظريات عرضة لهذا النوع من التبسيط. غير أن القراءة الدقيقة لتيلي لا تكشف فقط آليات تشكّل الدولة الأوروبية، بل تفتح أيضاً مجالاً لفهم أعمق لأسباب فشل مشاريع الدولة في السياقات الهشّة والمعاصرة، ومن بينها الحالة اليمنية.
أولا: سؤال تيلي المركزي – لماذا فشلت أغلب الكيانات في أن تصبح دولا؟
يرى تشارلز تيلي أن جوهر مشروعه النظري لم يكن تفسير نشوء الدولة الأوروبية بحدّ ذاته، بقدر ما كان تفسير سبب فشل الغالبية الساحقة من الكيانات السياسية في التحوّل إلى دول. فاللغز الذي شغله تمثّل في الانخفاض الحاد لعدد الوحدات السياسية في أوروبا من نحو 500 وحدة عام 1500 إلى قرابة 20 وحدة فقط بحلول عام 1900. وقد خلص تيلي إلى أن العامل الحاسم في هذا “الفرز التاريخي” لم يكن الشرعية أو التفوق الأخلاقي، بل العجز عن التكيّف مع ضغوط الحرب والمنافسة الجيوسياسية–العسكرية.
ثانيا: الحرب بوصفها آلية تصفية تاريخية
ويعزّز سجلّ “وفيات الدول” هذا الاستنتاج؛ إذ تشير الوقائع التاريخية إلى أن الحرب شكّلت العامل التدميري الأبرز في تصفية الكيانات السياسية منذ العصر الإقطاعي، حيث اندثرت مئات الوحدات السياسية ولم ينجُ منها سوى عدد محدود تحوّل إلى دول مستقرة. وتؤكد دراسات تجريبية حديثة أن أكثر من 75% من حالات انهيار الدول في التاريخ الحديث كانت نتيجة موت عنيف. وبناء على ذلك، يربط تيلي بشكل وثيق بين عدم الكفاءة في خوض الحرب أو الاستعداد لها وبين العجز عن تطوير المؤسسات السياسية والإدارية اللازمة لتشكّل الدولة. فالوحدات السياسية الأقل قدرة على إدارة العنف المنظّم كانت، في الوقت ذاته، الأقل قدرة على بناء الدولة.
ثالثا: أطروحة “زعيم العصابة” وحدودها النظرية
في هذا السياق، قدّم تيلي أطروحته الإشكالية الأشهر حين شبّه بناة الدول الأوروبية بزعماء العصابات: يفرضون الحماية، يحتكرون العنف، يجمعون الموارد، ويقصون المنافسين بالقوة، قبل أن تتحوّل هذه البنى العنيفة – عبر الزمن – إلى دول “شرعية” تحتكر العنف وتعيد تنظيمه قانونياً.
غير أن هذه الأطروحة، على قوتها التفسيرية، لا تقول إن امتلاك السلاح وحده يصنع دولة، بل تؤكد أن القدرة على خوض الحرب كانت شرطا تأسيسيا في سياق تاريخي محدد، لا وصفة صالحة لكل زمان ومكان. فالحرب كانت مدخلا لبناء الدولة، لا الدولة نفسها.
رابعا: مفارقات إسقاط النظرية على السياق الإقليمي
وعند إسقاط هذا التحليل على السياق الإقليمي المعاصر، تبرز مفارقات لافتة. ففي الخليج، على سبيل المثال، تبدو الإمارات أكثر استعدادا لاستخدام القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة دفاعا عن مصالحها وتوسيعا لنفوذها، وهو ما منحها وزنا سياسيا وإقليميا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، مقارنة بقوى إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية، التي تتحرك بحذر أكبر وتحت كلفة سياسية واستراتيجية أعلى.
خامسا: الحالة اليمنية – الفاعلون المسلحون وغياب مشروع الدولة
أما في الحالة اليمنية، فتتجلى المفارقة بصورة أكثر حدّة. فالقوى التي أظهرت استعدادا فعليا لخوض الحرب وتحمل كلفتها السياسية والعسكرية هي جماعة الحوثي والمجلس الانتقالي الجنوبي. كلاهما يمتلك أدوات العنف، وشبكات تعبئة، واستعدادا لنَفَسٍ طويل في الصراع، وهو ما جعلهما فاعلين حقيقيين في ميدان القوة.
في المقابل، فإن “الشرعية” – بصيغتها الراهنة – خرجت عمليا من منطق المنافسة الصلبة على السلطة، ولم تعد مشروعا قادرا على فرض نفسه كدولة، لأنها انسحبت من منطق تيلي القائم على الحسم والصراع، حيث لا يبقى في المشهد إلا من يمتلك إرادة القتال وأدواته.
سادسا: لماذا لا تكفي القدرة العسكرية؟
غير أن هذا الاستنتاج، على وجاهته الجزئية، يظل ناقصا ما لم يُستكمل بتحليل أعمق لطبيعة الدولة ذاتها. فالسياق اليمني يكشف بوضوح أن القدرة على الصمود العسكري لا تعني بالضرورة القدرة على بناء دولة. فالحوثيون، رغم سيطرتهم العسكرية على العاصمة وأجزاء واسعة من الشمال، يواجهون تحديات بنيوية جسيمة في الحكم: إدارة الاقتصاد، توفير الخدمات، الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وإنتاج شرعية تتجاوز منطق القهر والتعبئة الأيديولوجية. ما يمتلكونه هو سلطة أمر واقع، لا دولة مستقرة.
سابعا: الفجوة بين تجربة أوروبا والحالة اليمنية
وهنا تتبدى الفجوة الجوهرية بين تجربة أوروبا التي حللها تيلي والحالة اليمنية المعاصرة. فبناة الدول في أوروبا كانوا يخوضون حروبهم بوصفهم أصحاب مشاريع سيادية مستقلة لبناء الدولة، لا بوصفهم وكلاء لمشاريع خارجية. كما أن صراعاتهم، رغم عنفها، جرت ضمن أفق واضح: توحيد المجال السياسي، احتكار الجباية، وبناء مؤسسات حكم قابلة للاستمرار.
أما في اليمن، فإن العنف يجري داخل حرب إقليمية بالوكالة. فالحوثيون والانتقالي، رغم امتلاكهما إرادة الحرب وأدواتها، محكومان بسقوف إقليمية تحدد مساراتهما وحدود حركتهما. وعنفهما، بهذا المعنى، ليس عنفا تأسيسيا لدولة وطنية مستقلة، بل عنفٌ وظيفي مرتبط بصراعات نفوذ تتجاوز اليمن وحدوده.
خاتمة: المفارقة اليمنية – عنف بلا تأسيس
وعليه، فإن الخلاصة التي يفرضها هذا التحليل هي أن القدرة على خوض الحرب شرط ضروري لأي مشروع دولة، لكنها ليست شرطا كافيا. فالدولة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بشرعية محلية، وقدرة مؤسسية، وتماسك اجتماعي، وأفق وطني جامع. وبدون هذه العناصر، يتحول السلاح من أداة لبناء الدولة إلى عائق أمام نشأتها، ويتحول منطق تيلي من تفسير تاريخي دقيق إلى سوء فهم معاصر يُبرّر بقاء القوى المسلحة دون أن يُنتج دولة حقيقية.
بهذا المعنى، تكمن المأساة اليمنية في مفارقة قاتلة: القوى الأكثر قدرة على القتال ليست بالضرورة الأقدر على بناء الدولة، بينما القوى التي يفترض أن تحمل مشروع الدولة انسحبت من منطق الصراع، فتركت المجال مفتوحاً لعنف بلا أفق دولتي، وصراع بلا نهاية سياسية واضحة.




