أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

تحقيق حصري- أخوة المعابر: كيف حوّل “الانتقالي” جنوب اليمن إلى رئة يتنفس منها الحوثيون عسكرياً ويختبئ خلف “شماعة” حضرموت؟

يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص

في خضم المشهد اليمني الشائك، حيث ترتفع الشعارات السياسية لتعانق السماء، تجري على الأرض وقائع مغايرة تنسف السرديات المعلنة للصراع، وتكشف عن وجه آخر للحرب تحركه المصالح المالية البحتة بعيداً عن الخنادق الأيديولوجية.

بينما يرفع المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) شعارات “تأمين الجنوب” و”مكافحة الإرهاب” لتبرير تحركاته العسكرية نحو وادي حضرموت والمهرة، تكشف الحقائق الميدانية عن واقع مغاير تماماً في “عقر داره”. يرسم هذا التحقيق خارطة دقيقة لمسارات تهريب السلاح، والمشتقات النفطية، وتقنيات الطائرات المسيرة التي تتدفق من السواحل والمنافذ الخاضعة لسيطرة الانتقالي وصولاً إلى مناطق الحوثيين. لا نتحدث هنا عن ثغرات أمنية عابرة، بل عن “بنية تحتية” للتهريب محمية بنفوذ عسكري، وتُدار بمنطق “الجباية” وتقاسم المصالح.

 

“التخادم”.. مصالح الضرورة

منذ 2019م لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع عسكري تقليدي بين طرفين متنازعين، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية معقدة تتغذى على استمرار النزاع. في هذا السياق، يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على مساحات شاسعة من جنوب اليمن، بما في ذلك العاصمة المؤقتة عدن، ومحافظات لحج والضالع وأبين، بالإضافة إلى الشريط الساحلي الاستراتيجي الممتد من باب المندب غرباً إلى حدود شبوة شرقاً. هذه الجغرافيا المسيطر عليها “نظرياً” من قبل قوى مناوئة للحوثيين، أصبحت “عملياً” المنطقة الأكثر نفاذية للتهريب.

يُظهر هذا التحقيق الاستقصائي، المستند إلى وثائق أممية وشهادات ميدانية دقيقة وتحليلات جيوسياسية، كيف تحولت المناطق الخاضعة لسيطرة “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتياً، وتحديداً في عدن ولحج والضالع،  إلى شريان حيوي يضخ السلاح والوقود والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة إلى جماعة الحوثي في صنعاء. ورغم أن المجلس الانتقالي يرفع لافتة “مكافحة الإرهاب” و”تحرير الجنوب”، إلا أن الوقائع تثبت وجود “تخادم” براغماتي ومنهجي بين قيادات عسكرية نافذة في تشكيلاته وبين جماعة الحوثي، حيث طغت هوامش الربح الهائلة من التهريب التي يحققها أمراء الحرب في الانتقالي على العداء السياسي، ليخلق “تحالفاً صامتاً” يمرر ترسانة الموت عبر نقاط التفتيش التي يُفترض أنها وُضعت لتأمين محافظات الجنوب.

لا يشير مصطلح “التخادم” هنا بالضرورة إلى تحالف سياسي معلن، بل إلى تقاطع مصالح نفعية بين أمراء الحرب. فالحوثي يحتاج السلاح والوقود والتكنولوجيا (مثل محركات الطائرات المسيرة)، وقيادات الفصائل الجنوبية تحتاج إلى التمويل والسيولة النقدية التي توفرها رسوم مرور هذه الشحنات. هذا “التحالف الصامت” خلق بيئة تسمح بمرور شحنات استراتيجية، مثل مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة، من موانئ الإنزال في الجنوب، إلى مخازن التصنيع في الشمال، تحت أعين وربما وحماية المجلس الانتقالي الجنوبي التي تدّعي محاربة الحوثي.

رأس العارة: موانئ الظل ومخيمات المهربين

لم تعد السواحل الجنوبية لليمن مجرد حدود جغرافية، بل تحولت منطقة “رأس العارة” الساحلية في محافظة لحج، القريبة استراتيجياً من باب المندب، إلى بؤرة إقليمية للتهريب متعدد الأنشطة، تعمل كمنطقة حرة خارج سلطة القانون رغم خضوعها لسيطرة قوات تابعة للمجلس الانتقالي وقبائل الصبيحة.

وحسب مصدرين أمنيين مطلعين على التفاصيل في المنطقة تحدثا لـ”يمن مونيتور” يوجد ما يقرب من 80 مخيماً للمهربين في هذه المنطقة تعمل بحرية شبه تامة، حيث تصل القوارب الخشبية القادمة من القرن الإفريقي أو إيران محملة بالأسلحة والممنوعات، ليتم نقل حمولتها عبر قوارب صيد صغيرة إلى نقاط إنزال “عمياء” بعيداً عن الرصد الراداري.

وقالا إن هذه المناطق تستخدم لتجميع المهاجرين الأفارقة (كمصدر دخل عبر الفدية أو التجنيد)، وتخزين شحنات الأسلحة والممنوعات القادمة من القرن الأفريقي (جيبوتي/الصومال)، ضمن شبكات تهريب دولية، تستقبل الشحنات من إيران وشرق آسيا، وتنقلها إلى ” رأس العارة” قبل نقلها براً.

وأضافا أن هذه الأحواش تعمل تحت نظر -وأحياناً بحماية مباشرة- من قيادات عسكرية في القوات المسيطرة على المنطقة، والتي تفرض “إتاوات” على كل قارب يفرغ حمولته.

ويشيران إلى وجود مساحات شاسعة على الشريط البحري مغلقة ويمنع الدخول إليها ، تقع إلى الغرب من رأس العارة، وبحراسة أمنية من قادة يتبعون المجلس الانتقالي الجنوبي. مقابل نسبة من الأموال مثل قائد ما يسمى حزام الصبيحة وضاح عمر سعيد.

إن استمرار تدفق آلاف الأطنان من المهربات عبر منطقة عسكرية بامتياز لسنوات طويلة لا يمكن تفسيره إلا بوجود تواطؤ مباشر وضوء أخضر من القوى المسيطرة على الأرض، التي حولت الوظيفة الأمنية إلى شراكة تجارية في السوق السوداء.

وعادة ما تشهد تلك المناطق اشتباكات على النفوذ حيث تنتشر قوات “الحزام الأمني” واللواء التاسع صاعقة، أدى ذلك إلى أن تدفع قوات “درع الوطن” – غير خاضعة للانتقالي- في وقت سابق هذا العام بقوة عسكرية إلى المنطقة لمواجهة التهريب لكنها اشتبكت أكثر من مرة مع قوات الانتقالي على أحقية تأمين الشريط البحري، كان أخرها في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

في الحالات التي يتم فيها ضبط مهربين (غالباً بسبب خلافات على القسمة أو ضغوط خارجية بتلقي معلوكات استخباراتية)، يتم احتجازهم لفترات وجيزة في سجون غير رسمية تابعة للألوية العسكرية، ثم يُفرج عنهم. يتم تبرير ذلك بـ “عدم وجود أدلة” أو “تدخلات قبلية”، لكن الحقيقة تكمن في دفع الفدية والرشاوى- كما يقول فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، اندلعت اشتباكات عنيفة في رأس العارة بين قوات الحزام الأمني ومسلحين قبليين يتبعون القيادي “عصام هزاع”. لم يكن الخلاف أمنياً، بل كان حول محاولة إنشاء “ميناء بحري خاص” لإنزال البضائع والمهربات بعيداً عن الرقابة الرسمية وميناء عدن. الصراع كشف عن حجم العوائد المالية الضخمة التي يدرها هذا الشريط الساحلي، والتي يتسابق قادة المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة عليها.

 

طور الباحة: طريق الإمداد الذهبي للحوثيين

ومن الساحل، تنتقل الرحلة إلى البر عبر خط “طور الباحة” الذي يمثل الشريان الأهم لربط الساحل الجنوبي بمناطق سيطرة الحوثيين في محافظتي تعز وإب، (وسط اليمن) وهو طريق يخضع لسيطرة اللواء التاسع صاعقة التابع للانتقالي وقوات الحزام الأمني.

وقد تحول هذا الطريق إلى سلسلة لا تنتهي من نقاط التفتيش التي تدار بنظام “الجبايات” المؤسسي، حيث يتم السماح بمرور الشاحنات المحملة بمكونات لصناعة الأسلحة والمتفجرات مقابل مبالغ مالية ضخمة تصل لملايين الريالات للشاحنة الواحدة، دون تفتيش دقيق أو بناءً على تصاريح منحها قيادات عليا في المجلس الانتقالي الجنوبي.

وهنا يبرز دور “الوكلاء المحليين”، وهم شخصيات نافذة وقيادات وسطية في الحزام الأمني، تقوم بتنسيق عملية الاستلام من الساحل والتخزين المؤقت في “أحواش” ومزارع خاصة، قبل الدفع بها عبر الشاحنات المموهة ببضائع تجارية إلى مناطق سيطرة الحوثيين. هذا التنظيم الدقيق للعملية، من البحر إلى مخازن الحوثي، يؤكد أننا لسنا أمام حالات تهريب فردية، بل شبكة عنكبوتية منظمة تستفيد من نفوذ السلطة العسكرية في الجنوب لخدمة الترسانة العسكرية الحوثية.

تعتبر شحنات “اليوريا”  و”نترات الأمونيوم” و”أنابيب تحمل نتروجين” من أهم المواد التي تمر عبر هذا الطريق. يتم تمويه هذه المواد (التي تستخدم في تصنيع المتفجرات ووقود الصواريخ) كأسمدة زراعية. وبدلاً من مصادرتها، تكتفي النقاط الأمنية بفرض رسوم مضاعفة عليها والسماح بمرورها، مدركين تماماً أن وجهتها النهائية إلى مصانع الحوثيين العسكرية.

وتؤكد مصادر “يمن مونيتور” أن هذه النقاط تعمل وفق مبدأ “ادفع ومر”، بل إن الصراع على عوائد هذه الجبايات أدى في مناسبات عدة إلى اشتباكات مسلحة بين فصائل المجلس الانتقالي نفسها وشيوخ قبليين، لتقاسم “كعكة” التهريب، وليس لمنعه، مما يوفر للحوثيين خط إمداد بري آمن ومستدام.

ولا يقف الأمر عند غض الطرف، بل يتعداه إلى توفير الحماية، حيث تشير المصادر التي تحدثت لـ”يمن مونيتور” إلى أن عمليات نقل البضائع المهربة تتم أحياناً بحراسة أطقم عسكرية تابعة لهذه التشكيلات لضمان وصولها إلى مناطق التماس مع الحوثيين في “الحوبان” بتعز أو “دمت” في الضالع إذا كانت الشحنة عبر مطار عدن. وتبرز أسماء واضحة مثل “فاروق الكعلولي” قائد اللواء التاسع حزام أمني الذي ينتشر في طور الباحة، وأقاله المجلس الانتقالي في منتصف 2024 ورفض قرار الإقالة. و”ياسر الصوملي” القيادي البارز في المجلس الانتقالي والذي يملك عديد من نقاط الجبايات على الطريق.

وقال مسؤول محلي في محافظة لحج (جنوب غرب اليمن) لـ”يمن مونيتور”: إن قرار المحافظة بيد قادة الانتقالي الذين يعملون بالتهريب ويملكون شبكة عنكبوتية مع شيوخ القبائل والمجتمعات المحلية تسهل عمليات التهريب بما في ذلك حمايتها ونقلها منها شحنات الأسلحة والمخدرات.

لفت المسؤول المحلي إلى أن قوات المجلس الانتقالي تتعامل مع “المخدرات مثل الشبو، كأنه سلعة تجارية مهربة، ترتفع الأسعار والتفاوض فيما يخص المواد الأخرى الأكثر تأثيراً والأسلحة والمواد المصنعة لها، ولديهم قائمة بالمواد التي تستخدم في الأسلحة حصلوا عليها من المؤسسات الرسمية لمكافحة التهريب، لكن الحزام الأمني يستخدمها للتفاوض من أجل المزيد من الأموال”.

وعادة ما اشتبك “فاروق الكعلولي” مع رفقائه من قادة المجلس الانتقالي أو قادة في “محور طور الباحة” على النفوذ الاقتصادي وإيرادات النقاط التي تصل لملايين الريالات يومياً من شاحنات التهريب والبضائع، بما فيها التهريب الأسلحة إلى الحوثيين.

ميناء عدن: الاختراق المؤسسي 

بينما تتجه الأنظار عادة إلى السواحل المفتوحة، يمثل ميناء عدن والمنطقة الحرة، الخاضعان لسيطرة أمنية كاملة من قبل قوات الانتقالي، نقطة اختراق أخطر بكثير نظراً لطبيعة المواد التي تمر عبره.

بين هذه العمليات ما أعلنت عنه قوات الحزام الأمني في منطقة “الحسيني” بمحافظة لحج، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أنها أحبطت محاولة تهريب شاحنة تحمل حاوية محملة بمعدات عسكرية متطورة كانت متجهة إلى جماعة الحوثي، تضم أنظمة رادار بحرية من شركة وفرونو، وقطع غيار تستخدم لتشغيل الطائرات بدون طيار، وأجهزة اتصالات لاسلكية من شركة موتورولا يُعتقد أنها مخصصة لأغراض عسكرية.

هذه العملية التي سوقها الحزام الأمني باعتبارها كـ”انجاز أمني”، تجاهلت أن الحاوية التي تحمل الشحنة كانت في ميناء عدن وسُمح لها بالمرور، ومرّت من جميع قوات الحزام الأمني، وتمكنت نقطة “الحسيني” بالعين المجردة ودون خبراء من اكتشاف الشحنة.

ورغم تعدد هذه الحوادث إلا أن حادثة ما تزال راسخة، حين اقتحمت قوات من الانتقالي في 2020 بقيادة قاسم سيف ركن عمليات لواء جبل حديد (في ذلك الوقت) الميناء وتهريب عدة حاويات ومنع أي محاولة لتفتيشها بشكل قانوني، واختفت الحاويات.

وتتكرر ظاهرة “الاختفاء الغامض” للمضبوطات الاستراتيجية في عدن بشكل يثير الريبة، حيث وثق فريق الخبراء الأممي حالات تم فيها ضبط معدات ثنائية الاستخدام وأجهزة اتصالات عسكرية في نقاط تابعة لما يسمى القوات الجنوبية التابعة للانتقالي، لكن هذه المعدات لم تُسلم للجهات الحكومية ولم يتم إتلافها، بل وجدت طريقها “بشكل غامض” لاستكمال رحلتها إلى صنعاء. يشير هذا النمط السلوكي إلى وجود قنوات اتصال خلفية تسمح “بشراء” المضبوطات وإعادتها لخط التهريب، في عملية تدوير للموت تعزز قدرات الحوثيين التي تُستخدم لاحقاً ضد الملاحة الدولية وضد الجنوبيين أنفسهم. إن تكرار حوادث الإفراج عن الشحنات بعد ضبطها يؤكد أن المنظومة الأمنية في عدن مخترقة من الداخل، أو أن هناك قراراً ضمنياً من قيادات عليا بالاستفادة المالية القصوى من هذه الشحنات بدلاً من مصادرتها.

قبل أسابيع، استيقظت الأوساط الأمنية على وقع ضبطية وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ الحرب، حيث تم اكتشاف شحنة تزن أكثر من 2500 طن، تحتوي على مكونات تصنيع عسكرية، محركات نفاثة للطائرات المسيرة، ومعدات تجسس دقيقة كانت مخبأة في 58 حاوية قادمة من الصين-أعلنت وحدة مكافحة الإرهاب التابعة للانتقالي اكتشافها بعد أن حولت السفينة طريقها من الحديدة إلى ميناء عدن. لم يعلن عن اسم السفينة كما يجري عادة ما يثير التكهنات حول وجهتها النهائية من الموانئ. وحسب مصدر أمني في عدن فإن “إخبارية وصلت من قوات دولية حول الاشتباه بشأن السفينة والشحنة التي تحملها، وطالبت باحتجازها حتى التفتيش”.

إن وصول شحنة بهذا الحجم الهائل إلى رصيف ميناء رسمي، وتجاوزها لإجراءات التفتيش الأولية، لا يشير إلى مجرد “إهمال وظيفي”، بل يؤكد وجود “مسار أخضر” (VIP Lane) داخل الميناء تديره شبكة نافذة من القيادات الأمنية التي سهلت استخراج تصاريح تجارية مزورة وتلاعبت بالبيانات الجمركية لتمرير هذه التكنولوجيا العسكرية الحساسة تحت غطاء بضائع مدنية. وتؤكد المصادر أن هذه الحادثة لم تكن يتيمة، بل هي رأس جبل الجليد لعمليات تهريب منهجي حولت ميناء عدن إلى بديل استراتيجي آمن للحوثيين بعد تشديد الخناق الدولي على ميناء الحديدة.

وتحدثت المصادر لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويتها لحساسية الموضوع.

 

بروتوكول “القبض والإفراج”.. تدوير الجريمة

تُطبق القوات التابعة للانتقالي في تعاملها مع ملفات التهريب سياسة ممنهجة يمكن وصفها بـ “الباب الدوار” أو بروتوكول “القبض والإفراج”، هي سياسة تختلف جذرياً عن البروتوكولات الدولية الصارمة. فبدلاً من تقديم المهربين والشبكات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني للمحاكمات العلنية، يتم الإفراج عنهم بقرارات “فوقية” غامضة أو عبر صفقات مالية وتسويات تتم في الغرف المغلقة.

ويمتد هذا البروتوكول ليشمل تدوير الأسلحة المضبوطة في الأسواق المحلية، كما يحدث في أسواق السلاح بمديرية الشيخ عثمان في عدن. فرغم الإعلان المتكرر عن حملات أمنية ومداهمات لهذه الأسواق، إلا أن الأسلحة المصادرة لا يتم توريدها لمخازن الدولة الرسمية، بل يعاد بيعها عبر “وكلاء” لتجار السلاح أنفسهم، أو يتم تهريبها مرة أخرى. وتؤكد التحقيقات أن كبار تجار السلاح يتمتعون بحماية من قيادات في الفصائل المسلحة والانتقالي مقابل إتاوات منتظمة، مما يحوّل الحملات الأمنية إلى “مسرحيات” لامتصاص الغضب الشعبي عقب حوادث الاغتيالات، بينما تستمر دورة بيع السلاح دون توقف.

 

نقض ذرائع “وادي حضرموت”

بناءً على ما سبق، يبدو الحشد العسكري للانتقالي تجاه وادي حضرموت والمهرة محاولة مفضوحة للهروب إلى الأمام، وغطاءً سياسياً للسيطرة على موارد النفط والجغرافيا، وليس لتأمين البلاد. فالمنطقة العسكرية الأولى، التي حافظت على تماسك الدولة وبنت تفاهمات مع القبائل لمنع التهريب عبر الصحراء وقاتلت تنظيم القاعدة الإرهابي منذ وقت مبكر، اُستهدفت اليوم بتهمة “التواطؤ”، بينما يقف “المتهم الحقيقي” في عدن ولحج، حيث الموانئ المفتوحة والنقاط المرتشية.

إن السيطرة على الوادي من قبل قوات تعتمد عقيدة “الغنيمة” وتفتقر للتسلسل القيادي المنضبط، كما هو الحال في عدن، لن تؤدي إلا إلى تحويل الصحراء والمناطق الحدودية مع السعودية إلى “مناطق رمادية” جديدة وممرات آمنة للمخدرات والسلاح، مما يهدد الأمن القومي للمملكة والمنطقة برمتها، ويعيد إنتاج نموذج الفشل الأمني الذي حول عدن من عاصمة مؤقتة إلى مخزن إمداد خلفي لجماعة الحوثي.

علاوة على ذلك، تمتلك المنطقة العسكرية الأولى في الوادي سجلاً موثقاً في عمليات ضبط وإتلاف كميات ضخمة من المخدرات والأسلحة بشكل علني، وهو ما يتناقض مع سياسة “الاختفاء” و”الإفراج” المتبعة في مناطق نفوذ الانتقالي. وتظهر البيانات الميدانية أن نقاط التفتيش في الوادي تخضع لرقابة عسكرية أكثر صرامة، بينما تحولت نقاط الانتقالي في الجنوب إلى بوابات عبور مدفوعة الثمن. هذا التباين الواضح يؤكد أن اتهام المنطقة الأولى بالتهريب ليس سوى “فزاعة” سياسية وذريعة باطلة لتبرير اجتياح الوادي عسكرياً.

وبناءً عليه، يتضح أن الأهداف الحقيقية للتصعيد في حضرموت لا علاقة لها بالأمن أو بوقف تدفق السلاح للحوثيين، بل تتركز حول الرغبة في السيطرة على حقول النفط في “المسيلة” وفرض السيطرة الجغرافية الكاملة لتحقيق مشروع الانفصال. إن الانشغال بمعارك جانبية في حضرموت تحت مبررات واهية، بينما يتم تغذية الحوثي بالسلاح عبر “عقر دار” الانتقالي في الجنوب، يمثل خدمة استراتيجية مجانية للحوثيين، ويطيل أمد الحرب عبر تعزيز قدراتهم العسكرية بأسلحة ومعدات تمر بأيدي من يدعون محاربتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى