زيد الشامي يفتح “الصندوق الأسود” لسقوط صنعاء: لماذا رفضنا الانتحار عسكرياً في 2014؟ وكيف خذل “الجيش المحايد” الجمهورية؟

يمن مونيتور – مأرب/ (خاص):
في شهادة سياسية للتاريخ، نفض القيادي البارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ورئيس كتلته البرلمانية سابقاً، زيد الشامي، الغبار عن واحدة من أكثر اللحظات جدلاً في تاريخ اليمن الحديث؛ وهي لحظة سقوط العاصمة صنعاء بيد جماعة الحوثي في سبتمبر/أيلول 2014، كاشفاً عن الكواليس التي دفعت الحزب لاتخاذ قرار “عدم المواجهة”، ومسلطاً الضوء على خذلان مؤسسات الدولة و”حياد الجيش” الذي شرعن للانقلاب.
جاء ذلك في حوار مطول تابعه “يمن مونيتور”، ضمن بودكاست “يمانون” الذي يقدمه الإعلامي بشير الحارثي، حيث استعرض الشامي محطات مفصلية من تاريخ الحركة الإسلامية، والوحدة، وحروب صعدة، وصولاً إلى الشتات الحالي.
كواليس القرار الأصعب في 2014
في توضيح طال انتظاره حول اتهام حزب الإصلاح بـ”تسليم صنعاء”، أكد الشامي أن قرار عدم الانجرار للمواجهة العسكرية كان نابعاً من قراءة واقعية لمشهد “غير متكافئ”. وأوضح الشامي أن شباب الحزب جاؤوا إليه حينها يتساءلون عن جدوى القتال في ظل انسحاب الأطقم العسكرية والدبابات من الشوارع، فكان رده حاسماً: “هل ستقاتلون وحدكم؟ هذا انتحار”.
من وجهة نظر زيد الشامي، لم يكن سقوط صنعاء هزيمة في معركة عسكرية، بل كان نتيجة مباشرة لقرار سياسي واضح صدر من أعلى هرم السلطة بالتخلي عن واجب الدفاع عن العاصمة. يُقدم روايات محددة تدعم هذه الحجة، وتكشف عن غياب تام للإرادة السياسية للقتال، مما وضع أي قوة راغبة في المقاومة في مواجهة خيار مستحيل.
يقول الشامي مقتبساً المشهد بمرارة: “إذا كان رئيس الجمهورية (عبدربه منصور هادي في ذلك الوقت) لا يريد أن يدافع عن صنعاء، وإذا كان وزير الدفاع يقول لك: أنا محايد! هذه نظرية جديدة في الجيوش؛ أن يظل الجيش محايداً والناس يتقاتلون وهو ينظر إليهم”.
وتتعزز هذه الحجة بشهادته الصادمة حول موقف وزير الدفاع آنذاك، الذي تبنى ما أسماه الشامي بسخرية “نظرية جديدة في الجيوش”. “إذا كان وزير الدفاع يقول لك أنا محايد هذه نظرية جديدة في الجيوش أن الجيش يظل محايد يتقاتلوا الناس وهو ينظر.”
ويسرد الشامي موقفاً يكشف عمق الخذلان الذي تعرضت له الوحدات العسكرية، مشيراً إلى ما حدث مع كتيبة حماية التلفزيون الرسمي: “عندما وصلوا إلى التلفزيون قاومت الكتيبة، فجاء وزير الدفاع وقال لهم: ما لكم تقاومون؟ قالوا: يريدون احتلال التلفزيون! فرد عليهم: (يحتلوا.. إيش دخلك؟).. إذا كانت هذه توجيهات وزير الدفاع، فماذا بقي؟”.
هذه الرواية الملموسة تظهر أن قيادة الدولة لم تكن غائبة فحسب، بل كانت حاضرة في الميدان لتفكك بشكل نشط ومادي دفاعاتها، وتأمر جنودها الموالين بالتنحي. هذا التخلي المتعمد هو الذي خلق المأزق الذي وجدت فيه القوى السياسية، وعلى رأسها حزب الإصلاح، نفسها.
“لستم الدولة”.. صرخة في وجه العبث
ينقل الشامي في مقابلته التي وصلت إلى أكثر من ثلاث ساعات ونصف، صورة حية للحالة التي عاشها شباب الثورة وقواعد حزب الإصلاح في تلك الساعات العصيبة، حين وجدوا أنفسهم وحيدين في الميدان بعد انسحاب القوات الحكومية.
وروى عضو مجلس النواب تفاصيل لقاء جمعه بشباب الحزب في حارته بصنعاء قائلاً: “جاء الشباب إليّ وقالوا: يا أستاذ، لا ندري ماذا نفعل؟ الأطقم التي كانت في الشوارع سُحبت، والدبابات التي عند المطار سُحبت، لم يعد هناك أحد.. هل نقاتل وحدنا؟”.
ويضيف الشامي موضحاً رده الحاسم عليهم: “سألتهم: هل تقاتلون وحدكم أم معكم أحد؟ قالوا: لا، وحدنا. فقلت لهم: لا، أنا لا أنصحكم، هذا نوع من الانتحار”.
ويبرر الشامي موقفه هذا بأن المعركة كانت خاسرة سلفاً وفق الحسابات العسكرية: “أنت تواجه خصماً بدبابة ومدفعية ورشاشات وطيران، وقصف يأتي من جبل نقم ومن عيبان.. أن تواجه ببندق شخصي، فهذا انتحار. قلت لهم: إذا الدولة تخلت عن واجبها، فلستم مسؤولين أن تقوموا بالواجب نيابة عنها”.
وحول منشوره الشهير على فيسبوك “أيها الإصلاحيون لستم الدولة”، الذي أثار جدلاً واسعاً حينها، أوضح الشامي أن ذلك المنشور كان اجتهاداً شخصياً نابعاً من قراءة واقعية للمشهد، ولم يكن بتوجيه حزبي، لكنه كان ضرورياً لحقن الدماء.
يقول الشامي مدافعاً عن وجهة نظره: “كتبت المنشور لأقول: أنتم جئتم للتربية وللتوجيه وخدمة الناس.. الدولة إذا كانت موجودة وتخليتم عنها فهنا الخطأ، لكنها تخلت. ماذا كان سيحصل لو واجهنا؟ كانت ستقع مجزرة ودماء لن تتوقف، ولن تتغير النتيجة”.
ويرد الشامي بقوة على من يحملون الحزب مسؤولية سقوط العاصمة: “لماذا يحمل الناس الإصلاح الدفاع عن صنعاء؟ هل هي بيتي وحدي؟ هل هي عاصمتي وحدي؟ أنا جزء من الناس.. إذا وقفت الدولة سأقف معها، لكن أن تطلب مني أن أحل محل الدولة فهذه ليست مهمتي”.
خذلان القشيبي.. “استهبال للعقول”
وفي سياق متصل، رفض الشامي الاتهامات الموجهة للإصلاح بخذلان العميد حميد القشيبي في عمران قبل سقوط صنعاء، معتبراً أن هذا الطرح يهدف لتبرئة الجاني الحقيقي.
يتساءل الشامي باستهجان: “الكل يريد أن يجعل الدولة تتنصل عن واجبها! وزارة الدفاع بمخازنها وصواريخها وطائراتها.. هذه لم تخذله كقائد؟ والإصلاح الذي قدم مئات الشهداء هو الذي خذله؟ هذا نوع من استهبال العقول”.
ويضيف واصفاً الموقف البطولي للقشيبي وتخلي القيادة عنه: “كان القشيبي هو الرجل الشجاع الذي وقف وصمد، بينما الدولة كان بإمكانها تحريك أطقم ودبابات قبل أن تصل (الميليشيا) إلى ضروان.. لكنهم وقفوها وأرجعوها”.
شهادة زيد الشامي تعيد ترتيب سردية سقوط صنعاء، محملة المسؤولية التاريخية للنظام السياسي والعسكري الذي آثر “الحياد” والمكايدة السياسية على حماية الجمهورية، معتبراً أن مطالبة طرف سياسي مدني بصد اجتياح عسكري شامل في ظل “خيانة الدولة” لم يكن سوى دعوة لمحرقة عبثية.
أسرار لقاء عبدالملك الحوثي بعد سقوط صنعاء
في الفصل الأكثر حساسية من شهادته على السقوط، روى القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، زيد الشامي في مقابلته التي تابعها “يمن مونيتور”، تفاصيل المحاولة السياسية الأخيرة لـ”ترويض الوحش” عقب سقوط العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014. كاشفاً عن كواليس زيارته الشهيرة إلى صعدة للقاء زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وهي الزيارة التي وصفها بأنها كانت “محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”، وانتهت باكتشاف “خديعة السلام”.
ففي الوقت الذي كانت فيه جماعة الحوثي تقتحم منازل قيادات الإصلاح ومقراته في صنعاء، جاء طلب من الجماعة نفسها لقيادة الحزب بضرورة اللقاء في صعدة “لترتيب الوضع”.
يؤكد الشامي أن الذهاب لم يكن خياراً سهلاً، بل كان تجرعاً لكأس السم في سبيل حقن الدماء. يقول الشامي واصفاً مشاعره حين كُلف بالمهمة: “الحقيقة.. لم أكن أريد القيام بهذه المهمة، بل دمعت عيني وأنا أترجاهم أن يذهب غيري، لأني كنت أشعر بثقل الموقف. لكن الإخوة في القيادة قالوا: نشعر أنك قد تكون أكثر قدرة على التعامل مع الموقف، فوافقت على مضض”.
ورافق الشامي في هذه الرحلة، التي تمت بوساطة وحضور اللواء الراحل عبدالقادر هلال، ورئيس الدائرة السياسية للإصلاح حينها سعيد شمسان، والقيادي الحوثي مهدي المشاط (رئيس المجلس السياسي الأعلى لسلطة الحوثيين)
وكشف الشامي عن تفاصيل لقاءين عقدهما مع عبدالملك الحوثي في صعدة؛ الأول استمر ساعة ونصف، والثاني امتد لأربع ساعات ونصف.
وعن انطباعه عن زعيم الجماعة، أشار الشامي إلى مفارقة غريبة في طريقة تفكيره، حيث كان الحوثي يختزل أزمات اليمن المعقدة في حلول سطحية.
يقول الشامي: “هو إنسان عادي، لكن فهمه محدود حسب ما يُقدم له. على سبيل المثال، عندما تكلمنا عن الوضع الاقتصادي المنهار، قال لي: (مشكلة اليمن محلولة.. يدفع حميد الأحمر الضرائب التي عليه، وتُحل مشكلة اليمن كاملة!). استغربتُ، كنت أظن أن لديه رؤية أكبر من هذا”.
ويصف الشامي أجواء اللقاء بـ”البروتوكولية الصارمة” التي تفرضها الجماعة على زعيمها:”كان صالح هبرة وعلي العماد ومهدي المشاط حاضرين، لكنهم كانوا كالتماثيل. عندهم (برستيج) معين؛ إذا تكلم عبدالملك لا يتكلم أحد، لا بنعم ولا بلا”.
وخلال اللقاء، حاول الشامي طرح القضايا الشائكة التي رافقت اجتياح صنعاء، وعلى رأسها اقتحام جامعة الإيمان ونهب المؤسسات.
ينقل الشامي ما دار بينه وبين الحوثي حول الجامعة: “قلت له: أنتم اقتحمتم جامعة الإيمان ونهبتموها. فرد عليّ: (قالوا لنا إن فيها معامل لصناعة المتفجرات في البدرومات). قلت له: هل تصدق هذا الكلام الفارغ؟ الجامعة هناجر أصلاً وليس فيها بدرومات.. هذا كلام لا يقبله عقل”.
كان الهدف من الزيارة الخروج باتفاق يوقف الانتهاكات ويضمن سلامة الناس، وتم الاتفاق بالفعل على “بيان إعلامي” مشترك يبث عبر وسائل الإعلام لتهدئة الشارع، لكن الحوثيين بدأوا بالمماطلة.
يقول الشامي: “اتفقنا على تصريح صحفي، لكن بعد عودتنا لصنعاء رفضوا نشره في قناة المسيرة. اختلفوا معنا على التسميات، رفضوا أن نقول (تم اللقاء بالأخ عبدالملك)، وأصروا على (السيد عبدالملك). وبعد وساطة عبدالقادر هلال أذاعوه”.
لكن “القشة التي قصمت ظهر البعير” كانت التحرك العسكري للحوثيين باتجاه منطقة “أرحب” فور انتهاء اللقاءات، في تناقض صارخ مع وعود السلام.
يضيف الشامي بمرارة: “قلت لعبدالقادر هلال: ما هذا؟ اتفقنا على السلام وهم يهاجمون أرحب؟ تواصل هلال معهم وطلبوا تأجيل الاجتماع 24 ساعة.. حينها أدركت أنها خديعة، فقلت له: انتهى الأمر”.
لماذا اعتذر الشامي لشباب الثورة؟
وفي تلك اللحظة، قرر الشامي الانسحاب من المشهد وكتابة منشوره الشهير الذي حمل عنوان “براءة واعتذار”، معلناً نهاية مسار التفاوض مع الجماعة. يقتبس الشامي من موقفه حينها: “كتبتُ حينها اعتذاراً لكل الشباب الذين أساؤوا الظن بنا.. قلت لهم: مشينا في اتجاه نريد السلام وكنا صادقين، لكن طالما حصل هذا الغدر، فأنا أعتذر وأنسحب”.
بعد أحداث أرحب واستمرار الزحف العسكري، حاول الحوثيون استئناف التواصل، وجاء وفد منهم إلى مقر الإصلاح بصنعاء، لكن الشامي اتخذ موقفاً شخصياً حاسماً.
يختتم الشامي حديثه عن تلك اللحظة المؤلمة، مستحضراً مقتل العميد حميد القشيبي: “عندما جاؤوا إلى مقر الإصلاح، خرجتُ من الاجتماع. قلت في نفسي: لا أطيق أن أرى وجه قاتل حمزة (في إشارة لقتلة القشيبي).. تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع وحشي.. لم أعد أحتمل أن أدخل في تفاوض مع قتلة، ومن حينها توقفت”.
تؤكد شهادة الشامي أن محاولة “التعايش مع الأمر الواقع” لم تكن خياراً استراتيجياً للإصلاح، بقدر ما كانت مناورة اضطرارية لكشف النوايا، انتهت سريعاً بوضوح الرؤية: لا سلام مع ميليشيا تقتات على الحرب.




