خطر مزدوج يهدد اليمن.. مجموعة الأزمات تدعو لـ “دبلوماسية متعددة الأطراف” لإنقاذه

يمن مونيتور/ بروكسل/ خاص:
حذرت مجموعة الأزمات الدولية (ICG) في تقرير صدر عنها يوم الخميس من أن اليمن يواجه “خطراً مزدوجاً” يتمثل في استمرار الحرب الأهلية وتداعيات أزمة البحر الأحمر الناتجة عن هجمات جماعة الحوثي، داعية الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف الضغط الدبلوماسي لإنقاذ البلاد من هذا المأزق المعقد.
وأشار التقرير، الذي يعتبر أحد الجهود النادرة الذي يربط بشكل وثيق بين تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر وبين الجمود في مسار السلام اليمني الداخلي، إلى أن المواجهة الإسرائيلية-الحوثية، التي تلت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في غزة، أدت إلى تأخير جهود إنهاء الحرب الأهلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا في عدن، وأسهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية غير المسبوقة.
بدأ المتمردون الحوثيون، الذين يسيطرون على جزء كبير من شمال اليمن بدعم من إيران، بإطلاق النار على سفن الشحن في البحر الأحمر وصواريخ باتجاه إسرائيل، مُعلنين أن هدفهم هو تعطيل التجارة البحرية للضغط من أجل إنهاء حرب غزة ومساعدة “محور المقاومة”.
وقد أدت هذه الهجمات إلى تعطيل التجارة البحرية العالمية: تأثرت دول الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، حيث كانت معظم السفن المستهدفة مرتبطة بها، وعانت اليونان من أكبر عدد من الحوادث.
ردت إسرائيل بضربات على منشآت وقادة حوثيين، كما أطلقت الولايات المتحدة مهمة “حارس الازدهار”، وتبعها الاتحاد الأوروبي بمهمة “أسبيدس” الدفاعية لحماية الملاحة في فبراير/شباط 2024.
وعلق الحوثيون حملتهم خلال وقف إطلاق النار في غزة (منتصف يناير/كانون الثاني-منتصف مارس/آذار 2025)، لكن الأعمال العدائية استؤنفت لاحقاً، تخللتها حملة ضربات جوية أمريكية مكثفة أوقفتها واشنطن لاحقاً بموجب هدنة بوساطة عمانية لا تشمل إسرائيل.
ألقى التصعيد في البحر الأحمر بظلاله الكثيفة على الجهود الرامية لإنهاء الحرب الأهلية، ما أدى إلى تعثر خارطة الطريق السعودية-الحوثية المعلقة التي كانت تهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على الهدنة الفعلية بين الطرفين. وبحسب التقرير، رأت الرياض وواشنطن أن استمرار المحادثات في ظل هجمات الحوثيين يضفي عليهم شرعية.
وفي ظل الجمود الدبلوماسي، شهدت جبهات القتال، خاصة في مأرب وعلى الساحل الغربي، تحصينات عسكرية وتعزيزات متبادلة بين الجيش اليمني والقوات الحوثية، ما يهدد بانهيار الهدنة الفعلية القائمة منذ انتهاء الوقف الرسمي لإطلاق النار في 2023.
خارطة طريق متعثرة
وقالت مجموعة الأزمات الدولية: ألقت المواجهة في البحر الأحمر بظلالها الكثيفة على المحادثات الهادفة إلى إنهاء الصراع بين الحوثيين المدعومين من إيران من جهة، والحكومة المعترف بها دولياً والتحالف الذي تقوده السعودية ويدعمها من جهة أخرى. فقبل بدء المواجهة، كانت المفاوضات التي تتوسط فيها سلطنة عمان بين الجماعة والتحالف تتقدم، حيث توصلت الأطراف إلى مجموعة من التفاهمات بشأن خارطة طريق من ثلاث مراحل تهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على الهدنة الفعلية وتنفيذ المرحلة الإنسانية من الاتفاق، والتي تشمل دفع الرواتب وتقاسم الإيرادات.
لكن هذه المحادثات تعثرت بمجرد أن بدأ الحوثيون هجماتهم على الشحن الدولي. فقد رأت الرياض وواشنطن (والشركاء الآخرون) أن الاستمرار في المحادثات في ظل هذه الظروف سيضفي شرعية على الحوثيين ويكافئهم. وفي غياب التقدم في هذه المحادثات، يتم الحفاظ على السلام على الأرض بموجب هدنة فعلية فقط، وهي التي تحكم سلوك الأطراف منذ انتهاء صلاحية وقف إطلاق النار الرسمي في عام 2023. وعلى هذه الخلفية، وجد المبعوث الخاص للأمم المتحدة أيضاً صعوبة في إيجاد مسار دبلوماسي قابل للتطبيق. فقد رفض الحوثيون مناقشة أزمة البحر الأحمر أو هجماتهم على إسرائيل – التي يعتبرونها مرتبطة بالحرب في غزة – وحتى في الشؤون الإنسانية مثل تبادل الأسرى أو فتح الطرق، واجه مكتب المبعوث صعوبة في ممارسة نفوذه.
في غضون ذلك، قام خصوم الحوثيين اليمنيون بتعزيزات عسكرية خاصة بهم. ففي عدة جبهات، لا سيما في محافظة مأرب الوسطى وعلى طول الساحل الغربي، قامت القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي بتحصين مواقعها وتلقت تعزيزات، في حين أرسل الحوثيون أيضاً قوات وإمدادات جديدة. يولي الحوثيون أهمية خاصة للساحل الغربي، خوفاً من أن يهاجم خصومهم هناك، لا سيما من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المقاومة الوطنية، وهو فصيل متحالف مع مجلس القيادة الرئاسي بقيادة طارق صالح. ونتيجة لذلك، عززوا دفاعاتهم في هذا القطاع، ووقعت بعض الاشتباكات المتفرقة بين الجانبين.
الأزمة الاقتصادية والإنسانية
على الرغم من جميع التحديات السياسية والعسكرية التي يواجهها اليمن، فإن التحدي الأكبر يكمن في الحرب الاقتصادية بين الحوثيين وخصومهم. يظل النظام المالي منقسماً بين بنكين مركزيين – أحدهما في صنعاء تحت سيطرة الحوثيين والآخر في عدن تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. تعمق الانقسام في يوليو 2025 بعد أن طبع الحوثيون عملة جديدة دون تنسيق مع عدن، ما قوض التفاهمات التي تم التوصل إليها في عام 2024 لتخفيف التوترات. وتتراجع إيرادات الحوثيين، ويعود ذلك جزئياً إلى تعطل التجارة عبر الحديدة.
على هذه الخلفية، يواجه اليمن أزمة إنسانية متعددة الأوجه ومتصاعدة. فاليوم، يواجه أكثر من 17 مليون شخص في اليمن الجوع، من بينهم 41,000 على الأقل على شفا المجاعة. ويعاني نحو 2.4 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد. وقد تراجعت أحجام المساعدات بسبب نقص التمويل، مع خفض الولايات المتحدة مساهماتها وشعور العديد من المنظمات الدولية بالضيق. وتم تقليص أو تعليق برامج الإغاثة التي كانت تدعم أعداداً كبيرة من السكان، لا سيما في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. وفي الوقت نفسه، شددت الجماعة القيود على وكالات الإغاثة، واعتقلت العشرات من الموظفين بتهمة التجسس، ما دفع المنظمات إلى تقليص الأنشطة وتعطيل تدفق المساعدات أكثر. كما أدت إعادة تصنيف إدارة ترامب للحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية في مارس، إلى جانب عقوبات اقتصادية أخرى على الجماعة، إلى خلق المزيد من العقبات، ما أجبر الوكالات على إعادة توجيه المساعدات أو تغيير الغرض منها.
توصيات: طريق الخروج من الأزمة
دعت مجموعة الأزمات الدولية الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى اتباع نهج شامل يتجاوز الرد العسكري الدفاعي، ويشمل أربعة مسارات دبلوماسية رئيسية:
الضغط لإنهاء عنف البحر الأحمر: استخدام وقف إطلاق النار في غزة (الذي توسط فيه ترامب وأُعلن عنه مؤخراً) كـ “ذريعة مرفوعة” للضغط على الحوثيين عبر كافة القنوات لوقف الهجمات بشكل دائم.
بناء هيكل أمني إقليمي: الاستثمار في إطار أمني طويل الأجل للبحر الأحمر، مثل إحياء مجلس البحر الأحمر، والاستفادة من العلاقات مع مصر والسعودية لتشجيع حل جماعي للأمن الإقليمي.
إحياء مسار السلام اليمني: التشجيع على استئناف المحادثات بدءاً بـ خارطة الطريق السعودية-الحوثية كقاعدة للانتقال إلى مفاوضات يمنية-يمنية أوسع تحت رعاية الأمم المتحدة، مع إشراك واشنطن في استخدام الرفع المحتمل للعقوبات كحافز للتقدم.
تعزيز الروابط المجتمعية والدعم الإنساني: دعم مبادرات المسار الثاني (Track II) لتعزيز العلاقات بين المجتمعات في مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق الحكومة (مثل مشروع كهرباء مأرب)، وتكثيف الدعم الإنساني والتنموي، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة كنموذج للحوكمة.
الجهود الانسانية في اليمن
واختتم التقرير بالقول: يجب على الاتحاد الأوروبي مواصلة – ومن الناحية المثالية تكثيف – جهوده الإنسانية والتنموية في جميع أنحاء اليمن. يجب أن يمتد هذا الدعم إلى ما هو أبعد من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة ليصل إلى السكان الخاضعين لسيطرة الحوثيين بالقدر الذي تسمح به التراخيص الإنسانية بموجب أنظمة العقوبات المختلفة. ونظراً للاختلافات الصارخة في الظروف بين جزأي البلاد، هناك حاجة إلى نهج مزدوج. ففي المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، تواجه المنظمات غير الحكومية الدولية – الشركاء الإنسانيون الرئيسيون للاتحاد الأوروبي على الأرض – حملات قمع من الجماعة وتكاليف تسليم عالية (بسبب تكاليف التأمين والسفر البري من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة). لا توجد طريقة سهلة للقيام بذلك، ولكن قد يستكشف التكتل والدول الأعضاء فيه قنوات بديلة، بما في ذلك الشراكات مع المنظمات المحلية والقطاع الخاص، مع استخدام المناطق التي تسيطر عليها الحكومة أيضاً كمركز لوجستي للوصول إلى المحافظات الشمالية.
وفي المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، تسمح الظروف بمشاركة أكثر طموحاً. يجب ترجمة علاقات الاتحاد الأوروبي الراسخة مع الحكومة اليمنية إلى دعم ملموس: تعزيز مؤسسات الدولة، وتحسين قدرة السلطات المحلية على تقديم الخدمات العامة، ومساعدة المجتمعات على بناء المرونة. وقد يشمل ذلك تصعيد الدعم للمؤسسات الرئيسية مثل خفر السواحل، والبنك المركزي في عدن، والمكاتب المحلية التي تقدم الخدمات العامة، لتعزيز قدرتها التشغيلية. يجب على الاتحاد الأوروبي أيضاً مضاعفة الجهود لمساعدة السلطات المحلية في دعم النازحين داخلياً وغيرهم من الفئات اليمنية الضعيفة من خلال المبادرات الإنسانية والتنموية. ولن تؤدي هذه الجهود إلى تحسين الحوكمة في هذه المناطق فحسب، بل ستخلق أيضاً نموذجاً ملهماً للأشخاص الخاضعين لسيطرة الحوثيين للمطالبة بخدمات ومساءلة أفضل.



