أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

صدمة “خطة ترامب”.. هل فقد الحوثيون “ورقة فلسطين”؟ إرباك أيديولوجي يضرب الجماعة بعد موافقة حماس

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من هبة التبعي

أحدثت الموافقة الجزئية لحركة حماس على اتفاقية السلام وتبادل الأسرى التي طرحتها إدارة ترامب ارتباكًا واضحًا داخل الأوساط الحوثية، القيادة السياسية والدينية في صنعاء اعتبرت ما جرى طعنةً في ظهر «محور المقاومة»، فيما تباينت ردود الفعل بين سلوكٍ رسمي متوازن نسبياً وخطاب حاد خرج من أذرع إعلامية وصفوف صفّ ثاني من القيادات، في محاولةٍ تُقرأ كجهد لإعادة تشكيل السرد الداخلي وتدارك فراغ الرمزية الذي أحدثته التطورات الفلسطينية.

الرد الحوثي اتخذ وجهاً مزدوجاً، من جهة بدا محمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي، حريصًا على نبرة هادئة نسبياً حين قال إن «السلام لا يُبنى بالتهديد، والولايات المتحدة ليست وسيطًا بل طرفًا في العدوان»، واصفًا ما يُعرف بصفقة ترامب بـ«صفقة العار». ومن جهة أخرى ظهرت تغريدات ومقالات من قيادات أدنى حدةً تصف الاتفاق بـ«الاستسلام التاريخي» و«الصفقة الملعونة» التي تمنح الاحتلال غطاءً شرعياً جديدًا، ما دفع بساحة التواصل الحوثية إلى حالة من الارتباك الإعلامي وتضارب الرسائل.

تصاعدت المواقف على مستوى قواعد الحوثيين. تناقلت حسابات وحشود إلكترونية عبارات تندد وتستنفر؛ من ذلك منشور لأكرم حجر، صحفي حوثي على منصة X، جاء فيه:” هل تدركون حجم الجرائم التي ارتكبتها السعودية ولازالت بحق الشعب اليمني؟! لقد مزقت نسيج الوطن الواحد، وبعثرت النسيج الاجتماعي، وزرعت أفاعي سامة تلسع الشعب بسمومها الخبيثة، هذه ليست حربًا عابرة، إنها إبادة ممنهجة تستهدف الوجود اليمني كله!”

هذا النوع من الخطاب يعكس غضبًا حوثياً ملموسًا يحول الانتباه من أزمة الهوية الرمزية (فقدان موضع فلسطين كقضية تبريرية موحّدة) إلى تأجيج مشاعر العداء تجاه خصوم إقليميين، وتغذية روايات انتقامية من دول الخليج تحديدا.

منشورات مثل منشور أكرم تُستخدم كوقودٍ تعبوي لإضفاء شرعية تاريخية على سياسات الجماعة واليات تعبئتها، وتعمل كدليل على أن الساحة الداخلية ليست في حالة صمت أو قبول؛ بل في طور إعادة إنتاج خطاب يستبدل الرمز الخارجي المفقود بمشاعر استياء محلية موجهة.

Military helicopter belonging to the Houthis flies above the cargo ship ‘Galaxy Leader’ as Houthi fighters move on the ship’s deck in the Red Sea in this image released on Monday 19/11/2023 (Reuters)

انقسام غير معلن

يقول نبيل البكاري، محلل سياسي،: ” حتى الآن لا يوجد موقف حوثي صريح من موقف حماس تجاه مبادرة ترمب بالسلام ووقف الحرب في غزة مما يعني أنهم أيضا في حالة ارتباك تام مما جرى”.

ويرى البكاري في حديثه لـ”يمن مونيتور”، أن الحوثيين مستاؤون من موقف حماس؛ لأنه في حال تحقق السلام في غزة سيفقد الحوثيون أهم ورقة سياسية يزايدوا بها ويدغدغوا بها العواطف ويستخدمونها للمناورة في الداخل اليمني لضرب كل صوت يطالبهم بحقوقه وخدمات باعتبارهم سلطة الأمر الواقع في مناطق سيطرتهم.

داخل صفوف الجماعة، ثمة انقسام غير معلن، جناح يُطالب بضبط النبرة وعدم مهاجمة الفصائل الفلسطينية علنًا خشية تفكك «محور المقاومة»، وآخر يرى في أي صمت موقفًا مخاتلاً قد يُفهم على أنه تواطؤ. مصادر محلية تشير إلى أن قيادة الجماعة لجأت إلى بث خطابات قديمة لعبدالملك الحوثي وتكرار مفردات مثل «القدس رمز لا يُساوم عليه» و«الحق لا يقاس بالأشخاص» لتثبيت حالة الولاء، وإقناع القواعد بأن ما يحدث اختبار إيماني أكثر منه فشلًا سياسياً.

الضغوط تظهر أيضًا من القواعد الشعبية الميدانية؛ عناصر شابة ومقاتلون سابقون عبّروا عن خيبة أمل وشكّ في المشروعية الرمزية التي كانت تُقدّم لهم في دورات تدريبية وثقافية عامّة. بعض القنوات والمجموعات على تيليغرام وفيسبوك دعت إلى معاقبة المطبعين وتوجيه اللوم لإيران على «صمتها»، بينما ظهر منسوب عالٍ من رسائل التحريض التي تطالب بالاستعداد لمرحلة جديدة من الصراع.

ردود قيادية أخرى أعادت صياغة الأجندة لتشمل شماعات جديدة: الخطاب تحول إلى تحذير من «الخطر الأمريكي والإسرائيلي في البحر الأحمر وباب المندب»، وإلى تكرار اتهامات لدول خليجية بأنها «خُذلت الأمة» و«تتآمر على القضية». هذا التحول ليس بريئًا؛ فهو يخدم غرضين متوازيين، هما تشتيت الانتباه عن الفشل الاقتصادي والاختراقات الأمنية الداخلية، وإعادة تعبئة القواعد عبر خلق عدو خارجي قابل للعدّ وخصومة.

سحب الدخان تتصاعد في السماء من غزة عقب وقوع انفجارات كما شوهدت من الجانب الإسرائيلي من الحدود مع القطاع يوم 5 أكتوبر تشرين الأول 2025 . تصوير: أمير كوهين – رويترز

تغطية أخبار الضربات الإسرائيلية

تكتيك الإعلام الحوثي احتوى بعدًا عمليًا آخر، تضخيم وترويج أخبار الضربات الإسرائيلية على غزة، مع التركيز على صور الضحايا والقصص الإنسانية المأساوية. هذا التضخيم يخدم وظيفة مزدوجة؛ أولاهما تشتيت داخلي عن نقاط الضعف، وثانيتهما محاولةٌ لإعادة حشد مشاعر الغضب التي قد تدفع فصائل فلسطينية لإعادة التفكير في توازناتها أو حتى الانسحاب من بنود الاتفاق، ما يطيل أمد الصراع ويُحمّل الحوثيين نصيبًا من «الاستمرار في القضية» التي طالما وظفوها لتبرير سلطتهم. واستخدامه كأداة استراتيجـية لإبقاء الملف الفلسطيني عاملاً حيويًا في حساباتهم الداخلية والخارجية.

في المشهد التكتيكي، صدرت تصريحات أخرى تُحيك هذا السرد؛ من بينها تصريحات نسبت إلى قيادات داخل الحركة تقول إن «الكرة الآن في ملعب الدول العربية والإسلامية لمساندة حماس»، بينما نادت أصوات شعبية موالية للحوثيين على منصات التواصل بمواقف عدائية تجاه دول خليجية، معتبرةً أن حكوماتها مسؤولة عن المآسي في اليمن. هذه الخطابات تعمل على خلق عداءٍ داخلي يتحول بدوره إلى ملصق لحشد الجماهير، ويبرر تَشديد القبضة الأمنية وتكثيف الدعوات للتعبئة والجباية تحت عنوان «الاستعداد للمواجهة».

 

أزمة السلام

“ربما إذا ما مضى مبادرة ترمب إلى نهايته وتوقف الحرب في غزة، سيتجه ترمب وحلفائه إلى تصفية حساباتهم مع إيران ووكلائها في المنطقة وفي مقدمتهم الحوثيين الذين دخلوا في دائرة الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي”، يضيف البكاري.

ويرى عبدالستار الشميري، محلل سياسي أيضا، أن الاحتياجات الايرانية الحالية تستدعي ان تنشط المصد الحوثي؛ لأنه لا مصد اخر يمكن تنشيطه. وبما ان الحوثي هو رادار لاتجاهات السياسة الخارجية الايرانية، فاعتقد انه سيواصل نشاطه على الاقل في البحر الاحمر، بحجج جديدة.

“إيران ستخترع للحوثي شماعة جديدة”، يقول الشميري، و “لكن واقع الامر أن المجتمع الدولي والاتحاد الاوروبي تحديدا سيتحسن موقفه تجاه الغضب نحو الحوثي والانتقال من دائرة الدفاع على السفن فقط إلى دائرة الانخراط مع امريكا وبريطانيا في الهجوم المباشر على الحوثي”.

بمعنى أخر أن هناك شرط موضوعي متوفر الان وهو الغضب الخارجي وإذا ما تعانق هذا الشرط مع الشرط الذاتي وهو جاهزية الشرعية للزحف وضرب الحوثي من الداخل في حال توفر الدعم‘ فإن الحوثي سيسقط. ولكن ليس ضربة واحدة ولكن ستجفف مصادر التمويل سيتلقى ضربات موقعة، كما يعتقد الشميري.

ويضيف في حديثه لـ”يمن مونيتور”:” مع الزمن يمكن أن يحاصر أو يضعف تدريجيا وبعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، يمكن أن نقول أن الجماعة الحوثية أزمة، وسوف تعود إلى أماكن محددة في الخارطة المتسعة التي هم فيها مثل عمران. لكن هذا ليس بالقريب. وهذا التنبؤ مشروط بجاهزية الشرعية وتحركها، أما إذا بقيت في هذا الموقف دون حركة والاعتماد على الخارج فقط. فاعتقد أننا امام سيناريو أخر يقول ان الحوثي سيظل قادر على البقاء والاستمرار لكن لا يملك القدرة على الاستقرار”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى