الانفصال من الداخل: الزُبيدي يُعيد تشكيل الدولة اليمنية خارج صلاحياته ثلاثة سيناريوهات متوقعة
يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
أصدر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وهو عضو مجلس القيادة الرئاسي قرارات تعيين منفردة، في منحدر خطير للغاية في ظل محاولة الحكومة والبنك المركزي البناء على الإصلاحات المالية والاقتصادية.
لا يملك عيدروس الزُبيدي الصلاحية لإصدار تلك القرارات والتي تشمل تعيين نواب لوزراء ووكلاء للمحافظين ومسؤولين في هيئة الأراضي والنفط.
فما الذي يعنيه هذا القرار الذي يتجاوز مسألة التعيين للشخصيات المذكورة إلى تكريس الصورة أن “عيدروس الزُبيدي” هو رئيس الرئيس، وبدلاً من أن تصدر القرارات من “رشاد العليمي” رئيس مجلس القيادة بات يصدرها هو بشكل مباشر.
الإطار القانوني الناظم: اتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة
يُعدّ “إعلان نقل السلطة” ؟(2022) و”اتفاق الرياض” (2019) الإطارين القانونيين الأساسيين اللذين يُفترض أن يحكما عمل مجلس القيادة الرئاسي وينظمان العلاقة بين مكوناته. ويمنح قرار نقل السلطة رئيس المجلس، رشاد العليمي، صلاحيات حصرية وواضحة، أبرزها القيادة العليا للقوات المسلحة، وتمثيل الجمهورية، بالإضافة إلى سلطة تعيين محافظي المحافظات ومدراء الأمن وقضاة المحكمة العليا ومحافظ البنك المركزي.
كما نص اتفاق الرياض، الذي وُقّع في نوفمبر /تشرين الثاني 2019، على ضرورة توحيد كافة القوات العسكرية والأمنية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية. ويرفض المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات توحيد القوات تحت قيادة الوزارتين ويحتفظ بقواته التي تصل إلى أكثر من 100 ألف مقاتل.
وفيما يتعلق بالتعيينات، نص الاتفاق على أن يعين رئيس الجمهورية “بالتشاور” محافظي المحافظات الجنوبية ومديري الأمن، بما في ذلك محافظ ومدير أمن عدن، في فترات زمنية محددة. وبناءً على ذلك، فإن قرارات التعيين الصادرة عن الزُبيدي لا تمثل انتهاكًا لإعلان نقل السلطة الذي يمنح هذه الصلاحيات لرئيس المجلس فحسب، بل هي أيضًا تجاوز صريح للآلية المتفق عليها في اتفاق الرياض التي تنص على أن تكون التعيينات بالتشاور.
وجاء إعلان نقل السلطة (2022) كمحاولة لإنشاء إطار سياسي جديد يجمع مختلف الأطراف لمواجهة جماعة الحوثي. لكنه لم يحل الخلافات الأساسية، بل وضعها تحت مظلة “شراكة” هشة. أصبح الزبيدي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، لكن تظل أهدافه الانفصالية تتعارض مع أهداف الشرعية المتمثلة في توحيد البلاد. شهدت العلاقة بين الانتقالي والعليمي توترات متزايدة، حيث اتهمت مصادر مقربة من العليمي المجلس الانتقالي بتعطيل الإصلاحات الاقتصادية. كما أظهرت الصراعات على النفوذ في حضرموت وشبوة، وهما محافظتان غنيتان بالنفط، بوضوح أن الشراكة السياسية لم تترجم إلى توافق فعلي على الأرض.
ويثبت هذا المسار أن الإطار القانوني الموحد، الذي كان يهدف إلى دمج المجلس الانتقالي، قد فشل في تحقيق هدفه، وأن المجلس الانتقالي لم يتخل عن مشروعه السياسي، بل استغل وجوده في أعلى هرم الشرعية لتنفيذ الانفصال من الداخل، وعندما وجد المقاومة من المسؤولين الحكوميين انفجر واصدر قراراته الجديدة لترسيخ مشروعه.

طبيعة القرارات ومداها
وهذه القرارات ليست عشوائية بل في إطار ترسيخ لأهدافه الكلية، فسلسلة من القرارات الإدارية التي تجاوزت صلاحياته كنائب لرئيس مجلس القيادة الرئاسي شملت تعيين وكلاء لمحافظات مختلفة ورؤساء لهيئات تنفيذية تابعة للمجلس الانتقالي في محافظات حيوية مثل عدن والضالع وحضرموت وشبوة وسقطرى وأبين ولحج. وقد كانت هذه التعيينات منهجية وغير عشوائية، حيث تضمنت تعيين وكلاء لمحافظات، ورؤساء لهيئات تنفيذية محلية مثل هيئة الأراضي، وشركة النفط. ويعكس هذا النمط الاستراتيجي للمجلس الانتقالي إلى بناء هيكل إداري ومؤسسي داخل الحكومة الشرعية، يستمد مشروعيته وقرارات تعيينه من الزُبيدي ولا يخضع للإشراف الحكومي الرسمي.
ولم تقتصر هذه الخطوات على البُعد الإداري فحسب، بل تشير القرارات إلى أنه يتم توثيقها رسميًا في “الجريدة الرسمية للمجلس الانتقالي الجنوبي” ، في خطوة تؤكد أن المجلس يرى نفسه ويعمل ككيان ذي سيادة مستقلة عن مؤسسات الدولة اليمنية.
منذ بداية العام بدأ المجلس الانتقالي عملية هيكلة وتعيينات واسعة داخلية، ضمن إجراءات لبناء مؤسسات توازي مؤسسات الدولة الحالية. وتشير القرارات الصادرة إلى نية واضحة من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي لفرض أمر واقع في المناطق الخاضعة لسيطرته، وتوسيع نفوذه بشكل يتجاوز دوره كجزء من الشراكة. إن إصدار قرارات بتعيين وكلاء للمحافظات ورؤساء هيئات ووكلاء وزراء هي بمثابة محاولة لإنشاء دولة موازية أو فرض سيطرته على مؤسسات الدولة، لا سيما في المحافظات الجنوبية التي يعتبرها الانتقالي مجال نفوذه.
- تحليل معمق- الريال اليمني ينتعش والمجلس الانتقالي يناور.. هل تنهار مصالح حيتان النفط والكهرباء؟
- المجلس الانتقالي يعيّد هيكلة قيادته
- البرلمان يُفتّش.. والمجلس الانتقالي يتحدى: الانقسام يتّسع ويختبر المؤسسات السيادية
السيطرة من الداخل
تُعد قرارات الزُبيدي انتهاكًا مباشرًا للصلاحيات الحصرية لرشاد العليمي. وقد أكد البرلماني علي عشال أن هذه القرارات تمثل “خرقًا خطيرًا للدستور وتهديدًا مباشرًا للشرعية ومؤسسات الدولة”. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يبرر المجلس الانتقالي قراراته بأنها تأتي في إطار استراتيجية “ترسيخ العمل المؤسسي” و”بناء مؤسسات قوية” على طريق “استعادة الدولة الجنوبية الكاملة السيادة”.
ويكشف هذا التبرير أن الدافع الحقيقي وراء هذه التعيينات ليس دعمًا للشرعية القائمة، بل هو تنفيذ خطة طويلة الأمد تهدف إلى استبدال هياكل الحكم الحالية بهيكل سلطوي خاص. ويُظهر الأسلوب الذي يتبعه المجلس الانتقالي، والذي يعتمد على العمل من داخل الإطار الرسمي للشرعية لتقويضها، تكتيكًا يُمكن وصفه بـ”السيطرة من الداخل”. هذا النهج يختلف عن الانقلابات التقليدية التي تعتمد على القوة العسكرية المباشرة، حيث يسعى المجلس إلى تحقيق أهدافه من خلال الإدارة والتعيينات والسيطرة على مؤسسات الدولة، مما يمثل انقلابًا ناعمًا وفعالًا.
تفاقم أزمة الرئاسة وعلاقة التحالف
ولا تقتصر أزمة الشرعية على المواجهة مع المجلس الانتقالي فحسب، بل تمتد إلى تفكك داخلي في صلب مؤسسة الرئاسة نفسها. وقد كشفت مصادر مطلعة عن صراع حاد حول الصلاحيات والمهام داخل مكتب رشاد العليمي، بين مدير مكتبه، صالح المقالح، ومدير مكتب رئاسة الجمهورية، يحيى الشعيبي. وانتهى هذا الصراع باستقالة المقالح، الذي كان يُعتبر “النافذة المهمة والذراع الشخصي” للعليمي وعلاقتهما تمتد لسنوات.
وبالإضافة إلى صراع الصلاحيات، راجت أنباء خطيرة حول اتهام المقالح بـ”التجسس لحساب جماعة الحوثيين” أو وجود صلات قديمة له بإيران. وعلى الرغم من أن هذه الأنباء لم تثبت بشكل قاطع، فإن مجرد تداولها حول شخصية بهذا المستوى من القرب من رئيس مجلس القيادة يُشير إلى ضعف بنيوي خطير في المؤسسة الرئاسية.
كما تلقي الأزمة الراهنة الضوء على موقف التحالف العربي، وخاصة السعودية والإمارات. فالمملكة هي الضامن الرئيسي لاتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة، ولهذا، فإن صمتها أو موقفها سيكون له تأثير كبير على مسار الأحداث. السعودية تسعى للحفاظ على جبهة موحدة ضد الحوثي، وتعتبر تفكك الشرعية تهديدًا لأمنها القومي. وقد تُمارس الرياض ضغوطًا على الزبيدي للتراجع عن قراراته، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في خسارة حليف استراتيجي قوي في الجنوب.
السيناريوهات المتوقعة:
القبول بالوضع الراهن (السيناريو الأقل احتمالاً على المدى الطويل)
قد يختار مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي والمملكة العربية السعودية غض الطرف عن هذه القرارات لتجنب أي مواجهة مباشرة مع المجلس الانتقالي الجنوبي. قد يكون الدافع وراء هذا السيناريو هو الرغبة في الحفاظ على جبهة موحدة في مواجهة الحوثيين.
هذا المسار ستكون له عواقب وخيمة على الشرعية. سيؤدي إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وإضعاف سلطة العليمي، وإضفاء شرعية على ممارسات الانفصال. بمرور الوقت، سيفقد مجلس القيادة الرئاسي مصداقيته أمام الشعب والمجتمع الدولي، ويتحول إلى مجرد واجهة لتقسيم البلاد، مما يسهل على المجلس الانتقالي ترسيخ سيطرته والاستعداد لإعلان الانفصال الكامل.
المواجهة السياسية والمؤسسية (السيناريو الأكثر احتمالاً)
في هذا السيناريو، سيعلن العليمي ومجلس القيادة الرئاسي بطلان القرارات الصادرة عن الزبيدي. سيعملون على اتخاذ إجراءات سياسية ومؤسسية للرد، مثل إصدار بيان رسمي يؤكد أن القرارات باطلة ومخالفة للدستور واللوائح، واللجوء إلى القنوات القانونية والدستورية، مثل دعوة مجلس النواب لاتخاذ موقف حاسم ضد هذه التجاوزات. سيعتمد العليمي أيضًا على دعم السعودية والدول الأخرى المعنية بالصراع اليمني للضغط على المجلس الانتقالي للالتزام بالاتفاقيات السابقة.
هذا المسار سيؤدي إلى تصعيد التوتر. قد يرفض المجلس الانتقالي الانصياع للضغوط، مما قد ينذر بانهيار الشراكة تمامًا. قد تظهر انقسامات داخل مجلس القيادة نفسه، خاصة إذا لم يتفق الأعضاء على خطة موحدة. يمكن أن تتطور الأزمة إلى صراع عسكري جديد في المحافظات الجنوبية، مما يشتت جهود مكافحة الحوثيين.
الوساطة والحلول الوسط (حل مؤقت)
قد تتدخل السعودية، وهي الراعي الرئيسي لاتفاقيات الرياض، للوساطة بين الأطراف. سيكون الهدف هو إيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف، مثل إلغاء القرارات مقابل تقديم تنازلات أخرى للمجلس الانتقالي.
التداعيات: هذا السيناريو قد يؤجل المواجهة، ولكنه لن يحل المشكلة الأساسية. كل جولة من الوساطة ستمنح المجلس الانتقالي مزيدًا من النفوذ، وتُضعف الشرعية اليمنية. هذا الحل لن يكون سوى “مُسكّن” للألم، ولن يعالج جذور الخلاف المتمثلة في الأهداف المتباينة للطرفين: وحدة الدولة مقابل الانفصال.




