تراثنا في أوساكا 2025: المراجلة اليمنية تبهر اليابانيين

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من مأرب الورد
لم يكن جناح اليمن في معرض إكسبو 2025 الدولي في أوساكا اليابانية، مجرد ركن للعرض التجاري، بل نافذة ثقافية مفتوحة على الحرف والرموز والمنتجات التقليدية، تُحاكي شيئًا من هوية بلد ضارب في القدم.
وفي قلب هذا المشهد، وجد الزوار اليابانيون أنفسهم أمام تجربة غير مألوفة: فن المساومة وقد تحوّل إلى حوار إنساني، وكرم ضيافة يمزج التاريخ بالحياة اليومية.
يستعرض هذا المقال فن المساومة اليمنية، المعروف باسم ‘المراجلة’، من خلال تجارب يابانيين اختبروه هناك، ليكشف كيف تتداخل التجارة مع الثقافة والاحترام المتبادل.

شهادات يابانيين
وصفت الكاتبة اليابانية شيمادا آيا شعورها عند زيارة جناح اليمن بالدهشة والاهتمام. لم تكن تعرف شيئًا عن اليمن، لكنها وجدت نفسها محاطة بشرح دافئ عن الثقافة، وموظفين يتحدثون اليابانية ما جعلها تشعر بالترحاب.
تذكرت آيا أن الموظفين سألوها: “ما الذي أثار اهتمامك؟” فأجابت: “لاحظت الحروف حول الرسومات، كانت جميلة جدًا.” فوجئت حين علمت أنها حروف خط المسند اليمنية القديمة من القرن السادس قبل الميلاد، ويمكن للزوار طلب كتابة كلماتهم على تعويذات يدوية للبيع.
لم تستطع آيا مقاومة هذا العرض، ووافقت على كتابة اسمها على إحدى التعويذات، وعندما حان وقت الدفع، اكتشفت أن نظام الدفع لم يكن جاهزًا بعد، لكنه لم يزعجها، فقد ابتسموا وقالوا: “لا حاجة، ادفعي متى شئتِ. كل موظفي اليمن سينتظرون عند البوابة حتى تأتي آيا”. شعرت آيا بالدهشة والإعجاب وقالت: “كرمهم السلس مع وزن التاريخ والثقافة في حروف المسند أغرق قلبي بالإحساس”.
بينما وجدت ساتسوكي نفسها في قلب تجربة التفاوض التقليدي. بالنسبة لها، لم تكن هذه تجربة عادية، فقد كانت هذه المرة الأولى التي تلتقي فيها بتاجر يمني، لكنها لم تكن لتستسلم لأي مفاجآت.
جذبها خاتم بحجر أزرق فاتح ولم يكن سعره مكتوبًا، فسألت التاجر عن الثمن فابتسم قليلاً، ثم أخرج آلة حاسبة وكتب السعر: 28,000 ين.

بدأت المساومة خطوة بخطوة بالإنجليزية والعربية واليابانية معًا. قالت: “8,000 ين!”، فرد التاجر بكتابة 18,000 ين، وفي النهاية توصلت ساتسوكي إلى 13,500 ين، ووافق التاجر على السعر. كانت جديتها واضحة، كما لاحظت إحدى السيدات المارة: “واو، هي تتفاوض حقًا!”
شعرت بلحظة احترام متبادل حقيقية مع التاجر، واصفة التجربة بأنها “مشتريات بمثابة تبادل دولي في الاقتصاد العالمي”. بالنسبة لها، الكيمونو والأكسسوارات التي اختارتها تعكس احترامها لليمن وتجعلها تتوق لزيارته.
أما تجربة あおいろdays فقد حملت طابعًا أبسط وأخف، إذ لم تشغلها كثيرًا لعبة التفاوض بقدر ما كانت تبحث عن قطعة صغيرة تذكارية. تقول عن تجربتها: “اشتريت سوارًا هناك! يُشاع أن اليمن يسمح بالتفاوض على الأسعار.” في البداية قيل لها إن السعر 5,000 ين، لكنها شعرت أن السعر مرتفع وأظهرت ترددها، فقاموا بخفض السعر إلى 4,500 ين. وتواصل قائلة: “ربما بسبب شخصيتي، لم أستمتع بالتفاوض كثيرًا، لذلك اشتريته مباشرة بسعر 4,500 ين. حصلت على سوار لامع جدًا”.
ومن جهة أخرى، اختارت الكاتبة يوكينكو أن تخوض التفاوض حتى نهايتها، قبل أن تكتشف جانبًا آخر من سحر الجناح، ممثلًا في طعم البقلاوة اليمنية ولطف التجار. تقول إنها ذهبت إلى المتجر، حيث وجدت خواتم وقلائد تبدو وكأنها من سوق في الشرق الأوسط.
بدأت المساومة على أحد الخواتم، فتسأل: “كم ثمن هذا؟” فرد البائع مبتسمًا: “8,000 ين، ليس دولارًا، ين فقط، أليس رخيصًا؟” ضحكت في نفسها: “8,000 ين؟ مبالغ فيه قليلًا، إنه مجرد فضة والحجر يبدو عاديًا”.
قدمت عرضها: “ماذا عن 7,000 ين؟” فأجاب الرجل بابتسامة: “حسنًا، حسنًا!” وطلب مصافحة البائعة، لكنها صرخت ضاحكة: “انتظروا!” وسحبت يدها وأكملت التفاوض: “3,000!”، فكان الرد: “لا، لا، 3,500!”، حتى انتهى التفاوض عند “5,000!”.
بعد ذلك، وجدت البقلاوة اليمنية التي تعشقها، وكانت على شكل قطعة تحتوي على مكسرات كبيرة ونكهة القهوة، مانحة توازنًا رائعًا بين الحلاوة والمرارة، وبجودة عالية جدًا.
وتعلّق يوكنكو على التجربة قائلة: “عند التفاوض في الخارج، كثير من الباعة يظهرون استياءهم إذا بالغت في المساومة، وقد تشعر بالرغبة في الاستسلام. لكن الباعة اليمنيون في المعرض لا يغضبون مهما قلت. لا يقولون لك أن تغادر أو تذهب بعيدًا. يستجيبون بابتسامة وعبارة لطيفة مثل: ‘حسنًا، لا بأس…’ إنهم لطفاء جدًا لدرجة قد تجعلك تقع في حبهم. ربما لهذا كان الأمر ممتعًا للغاية.”

السوق اليمني: ثقافة المساومة
في أحد أزقة أسواق صنعاء القديمة، يجلس بائع أمام متجر صغير تتدلى على واجهته الجنابي المزخرفة، يقترب زبون يبحث عن هدية، فيبدأ البائع بعرض سعر بدا أنه مرتفع. يبتسم الزبون ويرد بسعر أقل بكثير. يتصاعد الحوار في جو من الضحك والمزاح، يرفع البائع حاجبيه متظاهراً بالدهشة من جرأة المشتري، بينما يرد الأخير بخفة ظل. وبعد دقائق من الأخذ والرد، يتفقان على سعر وسط يرضي الطرفين، وينتهي المشهد بمصافحة ودية وفنجان قهوة يُقدَّم كخاتمة رمزية للصفقة.
هذا المشهد البسيط يلخص المساومة، وهي ليست مجرد نقاش حول السعر، بل ممارسة اجتماعية عريقة تحمل طابعًا ثقافيًا وأخلاقيًا. فالتفاوض التجاري يفتح مجالًا للحوار بين البائع والمشتري، ويمنح عملية البيع بعدًا يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى مستوى العلاقات الإنسانية.
تحمل المساومة مجموعة من المصطلحات الخاصة التي تكشف عن بعدها الثقافي. فكلمة “المكاسر” تُستخدم للإشارة إلى الأخذ والرد حول السعر، بينما تعني كلمة “فصل” الوصول إلى الاتفاق النهائي. أما عبارة “بالبركة عليك”، فهي الصيغة التقليدية التي يختم بها البائع عملية البيع، لتضفي على الصفقة معنىً من البركة والرضا المتبادل.
وترجع هذه العادة إلى طبيعة الأسواق التقليدية، حيث كان التفاوض ركيزة أساسية للتجارة، ويعود جزء من هذا الإرث إلى دور اليمن كمركز للقوافل التجارية، خاصة تجارة البخور والبهارات؛ ففي تلك الحقبة، لم تكن المساومة التقليدية مجرد مساومة على سعر سلعة، بل عملية متكاملة تقوم على الثقة والسمعة، وتمثل اختبارًا لمكانة التجار وقدرتهم على الإقناع.
وتختلف طبيعة المساومة التقليدية باختلاف المكان والزمان. ففي الأسواق الشعبية في المدن، يكون التفاوض جزءًا متوقعًا من التجربة التجارية، بينما في الأرياف تتحول إلى جزء من لقاء أسبوعي يجمع الناس من قرى متعددة، فلا تقتصر على البيع والشراء فقط، بل تُصبح مساحة للتعارف وتقوية الروابط الاجتماعية. وتظل هذه العادة أكثر شيوعًا في البيع بالتجزئة، خصوصًا في السلع التقليدية والمصنوعات اليدوية والمنتجات المحلية، بينما تقل نسبيًا في معاملات الجملة.

هناك أيضًا عوامل تؤثر في سير المساومة مثل نوع السلعة الذي يحدد طبيعة النقاش؛ فالتحف والمشغولات اليدوية تفتح مجالًا أوسع للتفاوض مقارنة بالسلع الحديثة، كما أن العلاقة بين البائع والمشتري تلعب دورًا مهمًا، فإذا كان الطرفان يعرفان بعضهما، يسير الحوار التجاري بسلاسة وودية أكبر. كما أن العادات والتقاليد تختلف من منطقة إلى أخرى، فتمنح المساومة طابعًا محليًا متنوعًا.
يقوم هذا التكتيك على مجموعة من القواعد غير المكتوبة. على المشتري أن يعرف قيمة السلعة، وأن يُظهر بعض التردد قبل قبول السعر، وأن يستخدم المجاملة والحديث الودي لكسب تعاطف البائع. أحيانًا يبالغ المشتري في خفض عرضه لاختبار مرونة البائع. ومن جانب البائع، هناك أساليب مثل الصبر، التظاهر بعدم الرغبة في البيع، أو تخفيض السعر تدريجيًا لإظهار حسن النية. وفي بعض الحالات، حين يبلغ الحوار نهايته، قد يلجأ البائع إلى القسم (اليمين) ليؤكد أن السعر المعروض نهائي ولا يحمل ربحًا كبيرًا، في إشارة إلى أن الثقة والصدق هما جوهر العملية أكثر من المكسب المادي.
المساومة بهذا الأسلوب ليست مجرد وسيلة لتحديد الثمن، بل تجربة اجتماعية متكاملة، تتشبه برقصٍ متوازن بين عرض السعر والرد عليه. ومع ذلك، فإن لهذه الممارسة جوانب أخرى لا تخلو من النقد. فالإطالة في الحوار قد تجعل عملية الشراء مرهقة، خاصة للزوار أو لمن لا يملكون وقتًا كافيًا، كما أن غياب الأسعار الثابتة يفتح أحيانًا بابًا للريبة أو الاستغلال، ولا سيما مع غير المتمرسين في أساليب السوق. إلى جانب ذلك، قد تشعر المساومة التقليدية بعض المشترين بعدم المساواة، إذ تمنح ذوي الخبرة والجرأة فرصًا أفضل من غيرهم في الحصول على أسعار مناسبة. وفي زمن التسوق الإلكتروني والمتاجر الكبرى التي تقوم على الشفافية والسرعة، تبدو هذه الممارسة التقليدية موضع تساؤل: هل هي ميزة ثقافية ينبغي الحفاظ عليها، أم عقبة أمام تطور السوق الحديث؟
الأبعاد الاجتماعية والثقافية للتفاوض
لا يمكن النظر إلى المساومة في اليمن باعتبارها مجرد أسلوب تجاري، بل هي ممارسة ذات أثر عميق على العلاقات الإنسانية والهوية الثقافية. فهي تُعزز الثقة بين البائع والمشتري، وتجعل التبادل التجاري أقرب إلى حوار إنساني منه إلى صفقة مادية بحتة. ومن خلالها يظهر مزيج من القيم مثل الصبر، المرونة، والحكمة، فتتحول المساومة إلى جزء من الموروث الشعبي والاجتماعي الذي يربط التجارة بالحياة اليومية.
من أبرز ما يميز هذه الثقافة ما يُعرف بفلسفة البركة. فحين يتنازل البائع عن جزء من ربحه ويقول لزبونه: “بالبركة عليك”، فإنه لا يقدم مجرد مجاملة، بل يعكس فكرة أن رضا الزبون أهم من الربح المالي. ولهذا لا يُنظر إلى التفاوض على السعر على أنها انتصار لطرف وهزيمة للآخر، بل كعملية كسرٍ للسعر الأولي للوصول إلى نقطة توازن ترضي الجميع. في هذا الإطار، يظل الاحترام المتبادل حاضرًا.
ويعزز هذا التصور ما ذهب إليه الباحث في علم الاجتماع وسام محمد، إذ يرى أن المراجلة ليست منفصلة عن سياقاتها الاقتصادية والاجتماعية. فهي، في نظره، ارتبطت تاريخيًا بندرة الموارد وشحة السلع، وربما تعود جذورها إلى عهود الإمامة الزيدية حين كان البيع والشراء أقرب إلى المقايضة منه إلى التعامل النقدي، مما استدعى حوارًا تفاوضيًا دائمًا للوصول إلى اتفاق عادل.
ويشير الباحث قي مقابلة خاصة إلى دور الأسواق الأسبوعية التي كانت تنتشر في مختلف مناطق اليمن، حيث يختلط الزحام التجاري بالممارسات غير النزيهة، فيتسلح القادمون إليها بكمٍّ من النصائح ليتفادوا الغش أو الخداع. ومن زاوية أخرى، يرى أن القات بما هو سلعة يومية غير مستقرة الثمن، أسهم بدوره في ترسيخ ثقافة المساومة بوصفها ممارسة يومية.

المقارنة الثقافية: سوقان مختلفان
يبدو السوق اليمني قريبًا من مجلس حوار صغير، حيث تختلط الأصوات بالابتسامات، وتُفتح أبواب التفاهم من خلال التفاوض التقليدي. أما السوق الياباني فيشبه آلة دقيقة تعمل وفق نظام ثابت لا يحتاج إلى تعديل. في اليمن، تعكس المساومة التقليدية روح المرونة والبحث عن حلول وسط، بينما تجسد في اليابان قيم الانضباط والوضوح واحترام الوقت.
كلا النموذجين له جماله الخاص؛ فالسوق اليمني يخلق دفئًا إنسانيًا ويمنح الزائر إحساسًا بالمشاركة في تجربة اجتماعية حيّة، بينما يوفر النظام التجاري الياباني شعورًا بالطمأنينة ويضمن عدالة التعامل دون خوف من الاستغلال. في النهاية، يمثل كل منهما فلسفة مجتمعية مختلفة: الأولى تقوم على الروابط الشخصية والعلاقات الإنسانية، والثانية تعتمد على الثقة المؤسسية والالتزام بالقوانين.
في اليابان، غالبًا ما تبقى الأسعار ثابتة، ولا يترك مجال واسع للتفاوض كما في اليمن. ومع ذلك، توجد استثناءات محدودة. ففي أسواق السلع المستعملة يمكن التفاوض على السعر بأدب، وفي متاجر الإلكترونيات قد يحصل المشتري على تخفيض عند الشراء بكميات كبيرة إذا طلب الأمر بلطف. هنا لا تُمارس المساومة بشكل قوي، بل تُقدَّم بصيغة سؤال مهذب.
من الأسواق المحلية إلى المعارض الدولية
عندما انتقل الطابع اليمني إلى معرض أوساكا، بدا الأمر وكأن جزءًا من السوق اليمني قد أُعيد خلقه في قلب اليابان. فالجناح لم يكن مجرد مساحة لعرض منتجات، بل تحول إلى فضاء حيّ لتجربة ثقافية مختلفة. هذا المشهد يكشف قيمة أعمق: فالثقافة لا تنتقل فقط عبر الصور أو المصنوعات، بل أيضًا من خلال الممارسات التي تمنح الأشياء معناها. وهكذا، لم تكن المساومة التقليدية في أوساكا مجرد تفاوض حول الأسعار، بل أداة لتعريف الزوار بالهوية اليمنية، ورسالة صامتة تؤكد أن التجارة في اليمن فعل إنساني قبل أن تكون تبادلًا ماديًا.




