كتابات خاصة

الزعيم و الوطن

لم اشاهد الفلم الوثائقي الذي بث من شاشة العربية عن اللحظات الاخيرة لمقتل الرئيس صالح، لأنني في مدينة بدون كهرباء، ومن طبقة متوسطة وصلت لحافة الفقر والعوز، وعاجزة عن شراء وسائل الطاقة البديلة، التي اثقلت كاهل المجتمع بكل طبقاته، ومن كان لديه مدخرات من الاموال، صار فقيرا بعد ان صرفها في شراء وسائل الطاقة البديلة ومواجهة ضنك العيش ، وهذا حال عدن وما وصلت اليه، بسبب سياسات العند في الصراع من اجل السلطة، الذي كان صالح متمسكا بها، ورافضا التخلي عن الزعامة، وارغم على التسليم الشكلي للسلطة، واحتفظ بالزعامة، التي جعلته يرسم مخططات ذلك الاحتفاظ، بدعم حلفائه في الاقليم ومن خلفة العالم المنافق، الذي تستهويه السيطرة على الدول النامية من خلال صناعة صنم الزعامة، وهي سلطة الفرد والجماعة والجاه والحظوة، سلطة سيادة القبيلة والعشيرة التي تضيق حلقاتها لتخنق الاخر فكرا وتوجها وعقيدة وايدلوجيا، لتبقى السلطة مجرد زعيم وهيلمان حمايته ورعية تحت طاعته، والنتيجة صراع دموي على السلطة و والهيمنة والاستبداد، حيث لا شراكة ولا حرية حقه ولا سيادة للوطن والامة، وطن مجرد سلطة مرتهنة ودمى تحركها القوى الاستعمارية لتبقي على الصراع كأمر واقع معطل لفكرة الدولة الوطنية دولة الاجماع، ووطن مرتهن تقوده دمى على راسها جعنان ينفذ اجندات فرض دولة الجماعة وفقدان السيادة وضرب روح الارادة الوطنية.

لا احتاج ان اشاهد سيناريو برمجنده اعلامية من صناعة المستعمر الجديد وادواته في المنطقة، لهدف الابقاء على جدوة الصراع، واثارة المجتمع ليعيش الماضي، ويغفل عن حاضره ليبقى معاق للولوج لمستقبل أمن ومستقر وافضل.

لم يكن صالح وغيره من الزعامات المتعاقبة على حكم اليمن شماله وجنوبه، لا تجارب مريرة يفترض انها دروس وعبر، تعطينا صورة واضحة بحجم التحديات التي نوجهها، الانقلابات العسكرية والتصفيات الجسدية، والصراعات الدموية، واقصاء الاخر، وهي مأساة مفاصل سيناريوهات الماضي، التي كان نظام صالح فيها الخاتمة في تدمير وطن كبير اسمه اليمن، بكل تاريخه المشهود من حضارة وحكمة واصالة، دمره نظام صالح، الذي انتج لنا واقعنا اليوم من ادوات اصابها صالح بالذل والهون، وروضها على الخصومة الفاجرة والصراعات والتصفيات الجسدية، ونثر فيها الكراهية والعنصرية، وافسدها ماديا واخلاقيا ، وهي اليوم تفرغ كل ما فيها على واقعنا، الذي هو مجرد ركام من سياسات واستراتيجيات وثقافة صالح، الذي قال عنهم (خبز يدي والعجين).

لم يكن الفلم سوى رسالة خبيثة، تعيد للشعب التذكير بعهد صالح، ليبقى المجتمع منقسم، بين منتقم وتائه بين ماضيه وحاضره، رسالة لتبقى ثقافة الحسم والقوة كأداة للوصول للسلطة، رسالة مفادها ان الحكمة هي من افرازات الضعف، وان المعلم الحنون لا يبني جيل، فالأجيال تبنى بمعلم عصاه تسبق لسانه، والعقاب اهم من الثواب، مجتمع يحمل ثقافة (قع رجال)، يضرب المثل بالمستبد والطاغية كزعيم، بينما يصعب على الحكمة والعقل ان يتزعما امة ، فعجزنا على التبادل السلمي للسلطة، وتفننا في صناعة الاصنام وكلاب حراستها، واصبحنا نتبادل السلطة كمنتصر ومهزوم، تسكننا ثارات واحقاد وضغائن، نعجز عن حماية احلامنا ومشاريعنا الوطنية، التي ندوس رايتها بأقدامنا، لكي نبقى عبيد للصنم نصفق لنعيقه ونجمل صورته، ونتباهى بموكبه، وما يرتديه من اغلى الماركات ويركب افخم الموديلات من السيارات، ونحن نتضور جوعا وعطشا.

صالح و واولاده وما اكتسبه من ثروة، صالح الذي تفاخر ببناء افخم مدينة في الخليج، و ساهم في تدمير مرتكزات وطنه الاقتصادية، في عهده لم يلقى ميناء عدن غير الموت والدمار الاقتصادي، وفقدت المدينة عدن وهجها وهي اليوم تعاني من نتائج ذلك التدمير الممنهج في ثقافة وروح وفكر المجتمع والمدينة، تدمير ما كان له ان يتم لولاء توظيف بعض الادوات الرخيصة، والابواق التي تقاقي اليوم ان الثورة كانت خطيئة، وان صالح كان الملاك، فذهب صالح وترك الواقع للشياطين، ويبقى السؤال من هم الشياطين هل هم شياطين صالح، ام انهم مرضى سياساته وخبثة وتدبيره، وهم اليوم ما زالوا يحكمون ويتحكمون بمصير الوطن، ويعاقبون المواطن المتطلع للتغيير والتحول المنشود، فهل التطلع والطموح جريمة، وما زال الناس يتطلعون للتغيير، و يطمحون بدولة الاجماع وما زالت الجريمة تطاردهم وتكمم افواههم، وما زال نظام وفكر وثقافة صالح سائد، وما زلنا نحتاج لتستمر الثورة لتغيير الفكر والسياسات والاستراتيجيات، لنتغير ونغير واقعنا .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى