كتابات خاصة

بن بريك مكان بن مبارك: ديمة قلبنا بابها

 

يقول المثل اليمني الشهير “ديمة قلبنا بابها”، في إشارة إلى التغيير الشكلي الذي لا يمس جوهر المشكلة، وهذا ما ينطبق على تعيين سالم بن بريك رئيسًا للحكومة خلفًا لأحمد عوض بن مبارك، بعد صراع طويل داخل “المجلس الرئاسي”، وبتدخل مباشر من سفراء الدول الكبرى لحسم الخلاف بين العليمي وبن مبارك.

هذا التغيير ليس أكثر من انتصار طرف على آخر في صراع شخصي استنزف مؤسسات الدولة، ولا ينبغي الوقوع في وهمْ أنه يمثل حلا للأزمة، لأن جوهرها أعمق بكثير من اسم رئيس الحكومة، ذلك أن المشكلة كامنة في بنية سلطة الأمر الواقع ذاتها، التي يُطلق عليها “المجلس الرئاسي”.

لأكثر من عام، انشغل العليمي بصراع هدفه الأساسي الإطاحة ببن مبارك، لكنه فشل في كسب تأييد أغلبية أعضاء المجلس، كما لم يحصل على دعم الرياض وأبوظبي، اللتين صاغتا تشكيل المجلس في أبريل 2022، في لحظة يعتبرها كثيرون نهاية للشرعية الدستورية.

لقد بلغ الصراع ذروته في الأيام الأخيرة، حين سعى أعضاء المجلس لكسب دعم السفراء الأجانب المتدخلين في تفاصيل المشهد السياسي، وتكشف التسريبات المتداولة، أن العليمي تحدث في أحد اجتماعات المجلس قائلا “إما أنا أو بن مبارك”. وهكذا تمت صفقة سياسية، حصل بموجبها “المجلس الانتقالي الجنوبي” المهيمن على القرار منذ تشكيل المجلس، على ستة نواب وزراء ونائب رئيس حكومة، مقابل الموافقة على الإطاحة ببن مبارك، فيما أكتفى العميد طارق صالح والشيخ سلطان العرادة، بتفاهمات تحول دون تدخل رئيس الحكومة الجديد في مناطق نفوذهما. ومن الجدير ذكره أن مثل هذه الإزاحة ما كانت لتتم دون ضوء أخضر من الرياض وأبوظبي، رغم أن أسباب تغير موقفهما لا تزال غير واضحة.

ما تسرب من كواليس الصفقة يبعث على الخجل، ويعكس مدى ارتهان النخب السياسية للخارج، وابتعادها الكامل عن هموم الناس.

أخطر ما تكشفه هذه الأحداث هو أن “المجلس الرئاسي” فقد بشكل كبير ما تبقى من مؤهلات الشراكة الجادة مع المجتمع الدولي في أي مشروع لاستعادة الدولة. على مدى ثلاث سنوات، فشل المجلس في إدارة نفسه، وانشغل بصراعات داخلية على المناصب، وعجز حتى عن إقرار لائحة تنظم عمله إلا بعد ثلاث سنوات، ومع ذلك لم تحظَ بموافقة كل أعضائه بسبب اعتراض الزبيدي.

لقد أهدر المجلس فرصا عديدة لإضعاف الحوثيين سياسيا وعسكريا، خصوصا مع التغيرات الجيوسياسية التي قلّصت من نفوذ إيران في المنطقة. واليوم يتكرر الحال ذاته، في ظل التصعيد الأمريكي ضد الحوثيين، الذي يشمل ضربات عسكرية وعقوبات اقتصادية، حيث يبدو المجلس أكثر انقساما وضعفا، بينما يظهر الحوثي كطرف موحد على الأرض ولو بالقوة.

التغيير الأخير لا يوحي برغبة في تحسين الأداء أو تخفيف معاناة المواطنين، بل يُظهر بوضوح أنه مجرد تعزيز النفوذ داخل سلطة مترهلة، ولا يحمل أي مضمون إصلاحي، كما أن الرسالة التي يرسلها للمجتمع الدولي هي أن هذه السلطة لا تستحق الدعم.

والسؤال الجوهري اليوم: ما الذي يدفع المجتمع الدولي لدعم سلطة كهذه؟ لا مصالح استراتيجية تحفّز العالم، وكل ما يعنيه من اليمن هو ضبط سلوك الحوثي خارجيا وتأمين الملاحة الدولية، وإذا ما تحقق ذلك، فقد تنتهي الحملة الأميركية، ويُترك اليمنيون لمصيرهم في ظل سلطة مشلولة غارقة في مصالحها الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى