فكر وثقافة

اللّغة العربيّة ومشروع النهوض العلميّ العربيّ

حسين جواد قبيسي*

حسين جواد قبيسي*

احتفاءً بـ “اليوم العالمي للّغة العربيّة“، نظّم “معهد الضياء لتعليم العربيّة“ في باريس، بمُبادرة من مديرته عبير يحفوفي والشاعر محمّد أمين، ندوةً حواريّة شارك فيها قادر بوبكري وكمال طربيه وعلي إبراهيم ومحمّد سليمان وكاتب هذه السطور. بحثت الندوة في “قدرة اللّغة العربيّة على النهوض بمشروعٍ حضاري جديد عماده العلم“ على نحو ما فعلت هذه اللّغة عندما أنتجت حضارة عربيّة إسلاميّة كانت أساس الحضارة الغربيّة الحديثة، وانخرطت في صنعها، وباللّغة العربيّة أيضاً، شعوبٌ غير عربيّة. فهل ما زالت هذه اللّغة قادرة على أن تكون “وسيلةً وأداةً لصنع حضارة عربيّة جديدة عمادها العِلم“؟

على هامش الندوة رفعنا السؤال إلى صاحب الاختصاص الأكاديمي في هذا المشروع، ومَن أعلَمَ وأقدر وأكثر جدارةً بالإجابة عنه من العالِم العلامّة رشدي راشد، فهذا السؤال هو مفتاح المشروع العلمي الضخم الذي أنجزه البروفسور رشدي راشد أستاذ تاريخ وفلسفة العلوم العربيّة في جامعات عربيّة وألمانيّة وأميركيّة وبريطانيّة وفرنسيّة، والأستاذ الفخري في جامعة طوكيو في اليابان، الذي عمل في مراكز بحوث عربيّة وعالميّة، من بينها “معهد للدراسات المتقدّمة“ (Institute for Advanced Study) في مدينة برينستون الأميركيّة (ويُسمّى هذا المعهد أيضاً “مركز أينشتاين“، وقد أجرى فيه أبحاثه العلميّة)، وشغل منصب رئيس مركز الأبحاث في “معهد تاريخ العلوم والفلسفة“ في باريس. وعلى الرّغم من سنواته الستّ والثمانين، فإنّه ما زال يعمل مدير أبحاث في “المركز الفرنسي للبحوث العلميّة“ (CNRS).

حسين جواد قبيسي** مترجم وكاتب لبناني مُقيم في باريس

حقَّق رشدي راشد كتبَ علماءِ العرب الرياضيّين وترجمَ المخطوطات العربيّة إلى الفرنسيّة وشَرَحَها تاريخيّاً وفلسفيّاً ورياضيّاً، وعلَّق عليها، وأحيا تراث ابن الهيثم والخوارزمي والكندي وعمَر الخيّام والسموأل وقدَّم عنهم حقائق تاريخيّة لم تكُن معروفة من قَبل. وضعَ “معجم اللّغة العربيّة العلميّة” (بالفرنسيّة:Lexique historique de la langue scientifique arabe )، ويتضمَّن المصطلحات العلميّة التي لعبت دوراً أساسيّاً في فهم تكوين المفاهيم وتاريخها ودراسة تداول المعرفة في بلدان حوض المتوسّط وتكوين المفردات العلميّة باللّغتَيْن اللّاتينيّة والعربيّة. فهذا المعجم يقدّم لمؤرِّخ العلوم والفلسفة في بلاد العرب، بالإضافة إلى مؤرِّخ اللّغة العربيّة، أداةً لا غنىً له عنها في أبحاثه. وهو أيضاً عملٌ لا يستطيع مؤرِّخو العلوم اليونانيّة والوسطى والكلاسيكيّة الاستغناءَ عنه، ففيه إضاءاتٌ جديدة وتعمُّقٌ في شرْحِ المُصطلحات والمفاهيم الأساسيّة التي لا بدّ لهم منها في مجال دراستهم.

من مؤلّفات رشدي راشد، مؤرِّخ العلوم والباحث في فلسفة العلوم أو ما يُسمّى بالإبستيمولوجيا، نذكر: “Angles et grandeur: d’Euclide à Kamāl al-Dīn al-Fārisī” (تُرجِم إلى العربيّة بعنوان “الزوايا والمقدار من أقليدس إلى كمال الدّين الفارسي”)،”من الخوارزمي إلى ديكارت: دراسات في تاريخ الرياضيّات الكلاسيكيّة“، “دراسات في فلسفة أبي نصر الفارابي“، “دراسات في تاريخ علم الكلام والفلسفة“، “الرياضيّات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة” (خمسة أجزاء)، “رياضيّات الخوارزمي: تأسيس علم الجبر” (بالفرنسيّة، ترجمه إلى العربيّة البروفسور نقولا فارس)، “موسوعة تاريخ العلوم العربيّة” (ثلاثة أجزاء)، “رياضيّات عمر الخيّام“، “تاريخ الرياضيّات العربيّة بين الجبر والحساب“، “علم المناظر وعلم انعكاس الضوء ـ الكندي“، “الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر: مؤلّفات شرف الدّين الطوسي“، “الرياضيّات من الخوارزمي إلى ديكارت“… إلخ. ينطلق راشد في مؤّلفاته من موقفٍ فكريّ يرى أنّ الحضارة إرثٌ مُشترك، وأنّ العرب في عصورهم الزاهرة أسهموا إسهاماً حقيقيّاً في هذا الإرث. وعلى هذا الأساس يُعيد النّظر في تاريخ الرياضيّات والفلسفة استناداً إلى عددٍ كبير من المخطوطات غير المنشورة من قَبل. وهي مثبَتة في مؤلّفاته بأصولها العربيّة، وكذلك في ترجمة هذه المؤلّفات إلى لغاتٍ شتّى، حيث يتبيّن للقارئ ببساطة أنّها كانت مصادر عُلماء الرياضيّات الأوروبيّين في القرنَيْن السادس عشر والسابع عشر للميلاد.

يلتقي راشد في ذلك مع تيّارٍ عريض من مؤرِّخي العلوم الغربيّين أمثال الأميركيَّيْن جيفري لويد ونيثِن سيفين (Geoffrey Lloyd and Nathan Sivin) فهما يُثبِتان في كتابهما “الطريق والكلمة: العلم والطبّ في الصين القديمة وعند الإغريق” (The Way and the Word: Science and Medicine in Early China and Greece, Yale University Press, 2002) أنّ: “العلم الحديث لا يتَحدّر من خطٍّ واحد وحيد هو خطّ الفلسفة الطبيعيّة اليونانيّة. هذه الأسطورة تبخَّرت منذ زمن بعيد، عندما أدرك المؤرّخون سياقات تناسل العلوم بعضها من بعض. فقد رسموا خطَّ تَحدّرِ الاختصاصات العلميّة الحديثة من المزيج العالمي الذي تكوّن في العالَم الإسلامي وكان مزيجاً من تراث السريانيّة والفارسيّة والهنديّة واليونانيّة والرومانيّة، ومن تراث الشرق الأوسط القديم وشرق آسيا. هذا المزيج الذي دخل إلى أوروبا بدءاً من العام 1000 تقريباً، نقل إليها مكوّنات فاعلة وقويّة لم يكُن الإغريق ليروه حتّى في أحلامهم. تسبَّب ذلك بتغييرات تسارعت وصولاً إلى يومنا هذا”. ويلتقي رشدي راشد في دعوته تلك مع العالِم العلّامة أنطوان زحلان مؤسِّس “منظّمة المجتمع العلمي العربي” (2010) وصاحب المؤلّفات: “العلم والسيادة”، “العلم والسياسات العلميّة في الوطن العربي”، “إعادة إعمار فلسطين: قضايا وخيارات وسياسات واستراتيجيّات”، كما يلتقي مع مفكّرين آخرين دعوا، وعلى امتداد قرنَيْن من الزمن، إلى نهضة عربيّة. غير أنّ دعوة راشد تتميّز بوضوحها الحادّ وحدّتها الواضحة، فهي تضع العرب أمام خيارَيْن لا ثالث لهما: إمّا أن يندثروا وإمّا أن يصنعوا حضارة جديدة عمادها العلم وباللّغة العربيّة.

التقينا فيلسوف العلوم ومؤرّخها، في منزله في ضاحية “بورلارين“ الباريسيّة، حيث استقبلنا بأدبٍ جمّ فيه تواضُع العُلماء وبراءة الأطفال التي يرى نيتشه أنّها “من مزايا العظماء وحدهم“، وسألناه عن هذا الخيار، فأجاب: “طرحتُ هذا الخيار منذ أربعين عاماً، أمّا اليوم فأرانا قد دخلنا فعلاً مرحلة الاندثار: أُنظر الدّمار الذي حلّ في كلّ مكان، في كلّ بلد عربي. ليست الدعوة إلى صنْعِ حضارةٍ جديدة بلغة علميّة عربيّة، دعوة طوباويّة، فعلى الرّغم من أنّه قد انتُزِعت منّا كلّ قدرة، فإنّ الأمل ما زال موجوداً، وما زال عندنا مرتكزات حقيقيّة نعتمد عليها، ما زال هناك ناس لديهم القدرة: أوّلاً هناك طاقات وإمكانات عربيّة خارج البلدان العربيّة، وهُم المهاجرون، بل قُل المهجّرون، الذين لم يجدوا في بلدانهم مكاناً يستوعب قدراتهم العلميّة والتخصّصيّة، وفي المجالات العلميّة كافّة، فبحثوا عن عمل في بلدان أخرى؛ وهناك ثانياً طاقات في الداخل، فالداخل لم ينتهِ، صحيح أنّه مضروب ومعطوب، لكن ما زالت فيه قدرات الناس التي لم تقبل أن تنتهي. أعطيك مثلاً: درَّستُ العلوم في جامعة القاهرة، وعرفتُ عن كثب متعلّمين أكفّاء في ميدان الرياضيّات مصمّمين على عدم توظيف قدراتهم في الخارج، على الرّغم من الفَرق الهائل في رواتب العمل. ولكن يمكن لي القول، على الرّغم من وجود هذه المقوّمات، فإنّ السنوات الطويلة من حظر التفكير والتعبير في الدول العربيّة، والاضْطهاد والقمع والزجّ في السجون، تجعل النهضة العلميّة في بلداننا العربيّة مستحيلة في ظلّ الظروف السياسيّة الحاليّة، وغير ممكنة إلّا بثورة اجتماعيّة شاملة تُقاوِم الاستعمار الحالي المتمكِّن من كلّ شيء في بلادنا. ليس هناك أمل إلّا بثورة من الداخل، وأتكلّم هنا بصورة خاصّة عن مصر، بعدما جرى تدمير سوريا والعراق واليمن وليبيا ويجري تدمير دول أخرى، وذلك لأنّ المواطن لا يُمكن أن يتكوّن علميّاً إلّا إذا كان حرّاً. إذ ما معنى الديمقراطيّة وحريّة التفكير والتعبير؟ معناها أنّها توفّر للفرد إمكان أن يتكوّن علميّاً، باطّلاعه على كلّ شيء، فيُخالِط كلّ الناس، يستمع إلى كلّ الآراء، يقرأ كلّ الكُتب، يتكلّم في كلّ شيء، يحصل عنده نَوعٌ من حوار أو نقاش داخلي.. هذه التربية الداخليّة التي توفّرها له الحريّة والتسامُح في إبداء الرأي، هي بداية التكوين العلمي أو العقليّة العلميّة، فإذا نزعتَ من الإنسان هذا الحوار الداخلي، أو منعته عنه، وقضيت على نشوء هذا الحوار داخله، فماذا ستتوقَّع منه؟ هل تنتظر أن تنشأ عنده عقليّة علميّة؟ وإذا قضيت على كلّ إمكانيّة لنشوء عقليّة علميّة عند الناس، وقضيتَ على إنسانيّة الإنسان فيهم، فماذا يبقى لديك؟ حيوانات فقط. وما هي الحضارة؟ الحضارة ليست مجموعة من العلماء في الرياضيّات والفيزياء وميادين العلوم الأخرى، بل هي جوّ عامّ، مناخ عامّ من السماح الفكري. هي التسامح، وأوّله السماح الفكري.

سألناه: في فترة تاريخيّة محدَّدة، وحّد العرب الفكر الذي أنتجته النُّخب العلميّة لدى شعوب حوض المتوسّط وصهروه في بوتقةٍ واحدة، في مزيجٍ معرفي كان في أساس الحضارة العربيّة الإسلاميّة التي هي في أساس الحضارة الغربيّة الرّاهنة، فهل يُمكن للعرب أن يُعيدوا إنتاج هذه البوتقة مجدّداً؟ أم أنّ الأمر دوّار: يكون مرّةً للعرب ومرّة لغيرهم وهكذا، كما يقول مؤرِّخو الحضارات، بمَن فيهم ابن خلدون؟، فقال: “للنهضة العلميّة المنشودة شروط لا بدّ من توافرها كشرط التسامُح في التفكير والتعبير، والشرط السياسي أن تتبنّى الحكومات برامج تعليميّة فتُنشئ جامعات تخصّصيّة ومراكز البحث العلمي الذي لا يقتصر على التطبيق فقط، كما هو واقع الحال في بعض الدول العربيّة، بل يتعدّاه إلى الابتكار. وثمّة شرط الترجمة، فالعلوم وبخاصّة التخصُّصات العلميّة تحتاج إلى ترجمة ولكن أيّ ترجمة؟ هناك نوعان من الترجمة: ترجمة العبيد وترجمة الأحرار، فالترجمة يجب ألّا تكون ترجمة عبيد بل ترجمة أسياد، أي أن تكون تلبيةً لحاجة الباحث العلميّة واستجابةً لأسئلته البحثيّة التي لا يجد لها جواباً في لغته، فيعمد إلى البحث عنها في لغاتٍ أخرى، تماماً كما فعل المُترجمون العرب أمثال الكندي الذي ترجم عن اليونانيّة كلّ ما كان يحتاجه في علم انعكاس الضوء وعلم المناظر (Optique)، وكما فعل قسطا بن لوقا مترجم “صناعة الجبر عند ديوفنطس الأسكندراني“ وغيرهما من مئات العلماء.. ففي ذلك الوقت جرى تكوين علماء كانت لهم أسئلتهم الخاصّة فاستعانوا في الإجابة عنها بما كان يوجد في فكر شعوب أخرى كالهنود والإغريق والفُرس والروم، وتلك هي ترجمة الأسياد التي يحتاجها البحث العلمي، أمّا الترجمة من أجل الترجمة فهي أشبه بعمل العبيد. بطبيعة الحال، هناك ترجمة من أجل الثقافة العامّة أو من أجل الترفيه والتسلية، لكنّها لا تُسهِم في صنع نهضة علميّة. وهناك أيضاً الشرط المالي، إذ لا يُمكن أن تقوم مؤسّساتٌ علميّة وأن يكون هناك بحث علمي من دون المال، والمال يأتي إمّا من الدولة (وهو مال الأمّة على أيّة حال) وإمّا من متموّلين أثرياء. لكن هؤلاء لهم أهداف معيّنة، ومن هذه الأهداف الفخر الشخصي، فصاحب الثروة لا يدعم البحث العلمي إلّا مشترطاً أن تكون ثمرته العلميّة مقرونةً باسمه، وإلّا فلن يدعم الباحثين وأبحاثهم. وما أكثر ما نرى عندنا من كُتبٍ لمفكّرين لا تُطبَع إلّا مرفقةً بإهداءٍ إلى الزعيم أو إلى المسؤول الفلاني، مع أنّ الكِتاب يكون ذا قيمة كبرى في مجاله العلمي، في حين أنّ المموِّل لا تكون له أيّة قيمة ولا أحد يعرف مَن هو. من دون دعمٍ مالي (أيّاً كان اسم هذا الدعم: مؤسّسة رأسماليّة أو دولة أو صاحب ثروة…) يستحيل أن تقوم نهضة علميّة، فعلى سبيل المثال ظهرت العلوم والأبحاث العلميّة في الدولة العباسيّة لأنّها اهتمّت بالعُلماء وأنشأت لهم مؤسّسات ويُمكن أن نتكلّم مطوّلاً في هذا، في حين أنّ الدولة العثمانيّة لم تخلق علماً واقتصر نتاجها الحضاري على بعض الهندسة المعماريّة، والدراسات القانونيّة، ولا شيء غير ذلك“.

تشعَّب الحديث مع العلّامة رشدي راشد، فتناولَ تطوُّرَ الإطار السياسي الحقوقي الذي طُرِحت فيه مسألة النهوض العلمي في البلدان العربيّة: فمن إطار السلطنة العثمانيّة الذي كان يضمّ المجتمعات العربيّة في المشرق والمغرب، انتقلت هذه المُجتمعات إلى إطارٍ سياسي حقوقي رسمته لها الدول الغربيّة التي استولت على المنطقة العربيّة برمّتها، فجزّأتها وأطّرتها داخل حدود “دول“ مستقلّ بعضُها عن بعض، ولكن غير مستقلّة عن بريطانيا وفرنسا، ولا عن الولايات المتّحدة لاحقاً. في جميع هذه الأُطر، لم يؤدّ العمل على نهضة علميّة عربيّة، إلى توفير الشروط اللّازمة لمثل تلك النهضة. فمنذ البداية، رافقت الدعوة إلى نهضة علميّة عربيّة، نزعةٌ عروبيّة إلى الاستقلال تُخرِج المنطقة العربيّة من هَيمنة السلطنة العثمانيّة، وتمثَّلت في محاولاتٍ كان أبرزها مشروع توحيد سوريا ومصر على يد محمّد علي باشا الذي وقف في وجه الجيش الانكشاري ثمّ الجيش البريطاني ثمّ أخفقت محاولته على الرّغم من التحديث العلمي الذي وفّره لمصر من خلال البعثات العلميّة إلى أوروبا. منذ ذلك الوقت لم تتوقّف الدول الاستعماريّة عن السعي لإقامة دولة عازلة بين مصر وسوريا (Beffer State) وقويّة تحول دون الجمع بينهما. وسرعان ما تجسّدت تلك الدولة، في ظلّ “الاستقلالات“ العربيّة، في قيام الكيان الإسرائيلي الذي أوكِلت له مقاومة كلّ تقدُّم علمي في الدول العربيّة، فاغتالت إسرائيل كثيراً من عُلماء مصر والعراق وسوريا، وسابقاً اغتالت حسن كامل الصبّاح، ولاحقاً الدكتور هادي قصب، كما حرصت على منْعِ الدول العربيّة من حيازة قدرات علميّة ومن التعاون في ما بينها للعمل في هذا الاتّجاه، وذلك بحجّة أنّه يُفضي إلى اختلال ميزان القوى في ما عُرِف زوراً وبهتاناً بأنّه “صراع عربي ـ إسرائيلي“، في حين أنّه لم يكن يوماً كذلك.

سألناه أيضاً: هزال الشروط التي تقتضيها نهضة علميّة عربيّة، بل انعدامها في الدول العربيّة، ألا يدعو إلى اليأس وانعدام الأمل في أن تجد هذه الدعوة طريقها إلى التنفيذ؟ قال: “إذا شئنا أن نستطلع آفاق الأمل، نجد أن ليس هناك أمل إلّا بثورة من الداخل، هناك أمرٌ آخر يخصّ الأمل أيضاً، وهو عدد المتعلّمين والخرّيجين والمختصّين في مختلف الفروع العلميّة. ففي جميع الدول العربيّة أجيال من المتعلمين لكن لا يُستفاد منها، ولا تُستعمَل، بل تُقبَر في الداخل، أو تُهجَّر إلى الخارج: أنظر في فرنسا مثلاً إلى عدد الأطبّاء والمهندسين من شمال أفريقيا، ناهيك بالأطبّاء السوريّين واللّبنانيّين والعراقيّين، وغيرهم وغيرهم.. العقول عندنا إمّا تُقتَل، وإمّا لا تُستعمَل، وإما تُهجَّر. خُذ المغرب العربي مثلاً: هناك جيل كامل استعاد العربيّة على نحوٍ تامّ ويتكلّمها بإتقان وهذا لا يقوى عليه إلّا شعبٌ قويٌّ مُقتدِر، وسيأتي يومٌ، لا مندوحة منه، يكون فيه للعقول العربيّة فعلٌ وتأثير، وسيحصل هذا في بلادنا حتماً. لكنّ المصيبة الكبرى ليست في أنّه يحصل أو لا يحصل، بل هي في الفَرق الزمني: فنحن نقيس أنفسنا وأوضاعنا بمَن؟ إذا كنّا نقيسها بإسرائيل فإنّ الثروة العلميّة فيها نحتاج إلى خمسين سنة لبلوغها، هذا إذا بدأنا الآن، وعملنا بجدّ واجتهاد، فنحن لا نحتاج إلى الناس فقط بل نحتاج إلى الزمن أيضاً. لنفترض أنّك تريد إدخال مادّة علميّة جديدة، يلزمك عشرين أو ثلاثين سنة لإدخالها، ثمّ يلزمك التراكُم، ونحن ليس لدينا تراكُم. لم يعُد همّنا اليوم تعريب العلوم وتدريسها وما إلى ذلك من خطوات على طريق النهضة العلميّة (كما حصل في فترات قريبة نسبيّاً)، بل بات همّ الناس عندنا محصوراً في خبزهم وتحصيل لقمة عيشهم. وما كان قد تمَّ إنجازه من تلك الخطوات في سوريا مثلاً أو في العراق وفي لبنان أو حتّى في الجزائر، جرى تحطيمه، وما لم يتحطّم أوكِل أمرُه إلى انتهازيّين يقضون عليه من الداخل. أذكر لك مثالاً: أحمد زويل حائز جائزة نوبل في الكيمياء حاول أن يُنشئ جامعة تكنولوجيّة في مصر في عهد مبارك، فوضِعت في وجهه كلّ العقبات المُمكنة حتّى لا ينجح مشروعه. ليست هناك نوايا حقيقيّة لإنجاح المشروع العلمي في بلادنا. نعود هنا إلى المسألة السياسيّة: ليست هناك أحزاب سياسيّة تتبنّى هذا المشروع، أو تدافع عنه، أو تضعه في برامجها وترفع لواء النهضة العلميّة وتعمل من أجلها، مع أنّ هذه المسألة تفتح نقاشاً واسعاً وتدفع الناس إلى القراءة وهذه هي الطريقة الوحيدة لتربية الأجيال وليس هناك من طريقةٍ أخرى. كانت هناك إمكانيّة فعليّة في لبنان، عندما كوّنا مجموعة من مؤرِّخي العلوم هناك وكنّا نجتمع ونناقش وننشر، وكان هناك نواة عمل علمي حقيقي مع “الجمعيّة العلميّة اللّبنانيّة“ التي تُصدِر مجلّة فيها مقالات علميّة مهمّة في الرياضيّات والفيزياء وهي تُعنى بالعلوم الصحيحة فقط، ولا تهتمّ بالعلوم الإنسانيّة. وكانت لي مقالات نُشِرت في هذه المجلّة.

تأسّست الجمعيّة العلميّة اللّبنانيّة سنة 1997 على يد عدد من العُلماء اللّبنانيّين أمثال نقولا فارس وبدوي مبسوط، وكان للعلّامة رشدي راشد دَور مهمّ في ولادة هذا المشروع الهادف إلى “الإسهام في جمْع ودراسة ونشر التراث العلمي العربي ودراسة مصادره وانعكاساته العالميّة، ومسْح وتصنيف المخطوطات العلميّة العربيّة، واسترجاع القاموس العلمي الأصيل الذي يُعيد للغتنا العربيّة بُعدها العالمي، وإعادة الاعتبار إلى العِلم كجزء من التاريخ العربي“. ومن منجزات الجمعيّة العلميّة اللّبنانيّة نشْرُ بعض نتاج رشدي راشد كـ “موسوعة تاريخ العلوم العربيّة“ (ثلاثة أجزاء) و“الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر. المؤلّفات الرياضيّة لشرف الدّين الطوسي“، و“تاريخ الرياضيّات العربيّة بين الجبر والحساب“، و“الهندسة وعلم المناظر في القرن العاشر: ابن سهل، القوهي، ابن الهيثم“، و“أعمال الكندي العلميّة“.. كما نَشرت الجمعيّة كذلك كتبَ العالِمة منى سنجقدار شعراني، ومنها: “الفيزياء التطبيقيّة والهندسة الميكانيكيّة عبر العصور الذهبيّة عند العرب، بالصور“، وكتاب “الطُّرق السنيّة في الآلات الروحانيّة. دراسة تحليليّة لمخطوط تقيّ الدّين بن معروف“. ونشرت كذلك، باللّغتيْن الفرنسيّة والعربيّة، كتاب “أبحاث في التراث العلمي العربي“ الذي ضمّ أعمال “اللّقاء السوري اللّبناني حول البحث في التراث العلمي العربي“، وكان المجلس الوطني للبحوث العلميّة في لبنان أحد الجهات المنظِّمة فيه.

يرى راشد أنّ لدينا مراكز بحوث، لكنّها مراكز تطبيقيّة كالمركز الذي يُنتج في مصر أبحاثاً علميّة عن دودة القطن مثلاً، أو في مجال الكيماويّات.. ولكنّها كلّها أعمال تطبيقيّة وليست بحوثاً علميّة. في سوريا أيضاً كان هناك مجلّة علميّة ومركز بحوث تابع للجيش.. ويقول: إذا بحثتَ ستَجد أشياءً متفرّقة هنا وهناك ولكنّ هذا كلّه لا يؤدّي إلى شيء كبير، على أنّ جميع الباحثين في هذه الأماكن، ينتظرون أوّل فرصة للهجرة إلى الخارج.

يمكن القول إنّ رشدي راشد هو هيرودوت العلوم العربيّة التي شكَّلت رافعة الحضارة العربيّة الإسلاميّة ومضمونها، فهو مؤرِّخ النّتاج العلمي لتلك الحضارة على تعدُّد تلك العلوم وتنوّعها وغزارتها في مختلف فروع المعرفة التي كانت معروفة في تلك الحقبة من التاريخ والممتدّة على مدى خمسة قرون من القرن التّاسع الميلادي إلى القرن الرّابع عشر، فقد ناف عدد مؤلّفاته على سبعين كتاباً ومنها: “العلوم في عصر الثورة الفرنسيّة“، “أعمال الكندي الفلسفيّة والعلميّة“، “أعمال السجزي الرياضيّة“، “فلسفة الرياضيّات ونظريّة المعرفة عند جول فيامين“… وليست غاية رشدي راشد، الذي كرَّس حياته لتأريخ العلوم العربيّة، دغدغة مشاعر النرجسيّة العربيّة، بل على العكس من ذلك، فقد كانت غايته الدعوة للكدّ والسعي إلى خلق عقليّة علميّة في المجتمعات العربيّة.

 

نحو بناء حضارةٍ إنسانيّة جديدة

على الشقّ الثاني من السؤال الذي طرحناه أعلاه أجابنا البروفسور راشد: “يُقال إنّنا ورثة صُنّاع الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ولكن هذا غير صحيح، ولو أنّنا ورثناها لَما كانت حالتنا العلميّة مُزرية إلى هذا الحدّ. الصحيح، أنّ الورثة الحقيقيّين هُم سبينوزا وديكارت وباسكال وماركس.. أمّا نحن فنكتفي بأنّنا نتكلّم اللّغة التي استخدمها العرب في صنعِ تلك الحضارة، ونستنكف عن الاستخدام العلمي نفسه لهذه اللّغة. هذا الاستخدام العلمي طُوِّعت له لغاتٌ أخرى لصنع الحضارة التي يعيشها العالَم اليوم. ولا غرو، فلكي يتحقّق العطاء العلمي المنشود، لا بدّ أن يكون هذا العطاء عالَميّاً، أي إسهاماً في التقدُّم العلمي المُتسارع. ولكي يُسهِم العرب اليوم في هذا العطاء ويكون لهم دَور في التقدُّم العلمي، لا بدّ من وجود مدينة علميّة عربيّة لها أسئلتها وخصائصها ومكوّناتها، فتساعد على التحديث في الواقع العربي، من ناحيةٍ أولى، وتسهِم في تطوُّر العلم الإنساني من ناحيةٍ ثانية، وهذان أمران لا يُمكن الفصل بينهما. وعلى هذا النحو فقط يُمكن تحقيق الدعوة إلى بناء حضارة إنسانيّة جديدة تُسهِم فيه شعوب الأرض جميعاً على ما يدعو إليه بعض المفكّرين أمثال إدغار موران (Edgar Morin, Pour une politique de civilisation) ومارك لويكس (Marc Luyckx Ghiz, Co-créer le monde nouveau) وغيرهما. أمّا الذين يتصوّرون في دعوتهم إلى إشراك شعوب الشرق (ومنهم العرب) في خلق حضارة إنسانيّة جديدة، لما لدى هذه الشعوب من بُعد روحاني، فهذه دعوة ليست لديها مقوّمات النجاح، لأنّها ما زالت تقوم على أوهامٍ قديمة، غير واقعيّة وغير علميّة“.

يختم راشد حديثه بقوله: “نحن ندرك هول المصيبة وندرك أنّنا لا نستطيع أن نتداركها وحدنا، والأدهى أنّنا متفرّقون، ولكن على الأقلّ يستطيع كلٌّ منّا أن يعمل في مجاله وبحسب هِمّته وقدرته على العمل، وما يجعله يفعل ذلك هو تفكيره في خدمة مستقبل هذه الأمّة التي هي أمّته لا أكثر ولا أقلّ، ولسان حاله يقول: أنا أعمل في مجالي وأحاول أن أصل إلى أعلى مستوى مُمكن، وهذا يُمكن أن يخدمها في المستقبل وإن لم يخدمها هي بالذّات فإنّه سوف يخدم أُمماً أخرى على أيّة حال. يُمكن لك، وأنت واثق في قرارة نفسكَ من أنّ هذا الوضع لن يدوم، أن تخدم مستقبل هذه الأمّة، وأن تتساءل على الدوام ماذا أستطيع أن أفعل قبل أن أموت، لمستقبل أمّتي، وأمامي خيارات شتّى من الالتزامات فهناك التزام خلقي والتزام عِلمي والتزام مهني والتزام سياسي…إلخ… ولكي أحقِّق ما أريد لا يكفي أن أخرج في تظاهرة“.

***

*مترجم وكاتب لبناني مُقيم في باريس

*مؤسسة الفكر العربي-نشرة أفق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى