كتابات خاصة

أزمة الفكر الزيدي في اليمن (2/2)

بالنظر لتاريخ الزيدية يظهر لنا تيار آخر داخل الزيدية كان أقل انحرافاً من الأول إلا أنه لم يلق نفس رواج الجارودية، فالصالحية وهم أصحاب الحسن بن صالح (168هـ)، وهو –بحسب الباحث محمد عزان- زيدي يرى أن الإمامة خاضعة لأنظار العارفين، وأنها تجوز في سائر الناس وإن كانت في أهل البيت أولى إذا توفرت سائر شروطها، وأن علياً كان الأحق بالخلافة من باب الأولوية لا النص، وما ورد من النصوص في ذلك فهي تدل على المكانة والفضل، وتأكيد الأولوية، ووافقه على ذلك بعض الزيدية فصاروا يعرفون (بالصالحية)، ومثلوا خط الاعتدال في الزيدية(1).

لكن هذا التيار لم يحكم إلا نادراً، فلم تترسخ فكرته كما الجارودية، يقول أحد أئمة الصالحية وهو من القلة النادرة التي حكمت وهو عز الدين بن الحسن (ت900 هـ): “أما أكثر أئمتنا وعلمائنا فالظاهر عنهم القول بعدم التفسيق، يعني لمن نفى إمامة الإمام، ولهذا نُقِلَ عنهم حسن الثناء على المشايخ المتقدمين على أمير المؤمنين علي عليه السلام، والترضية عنهم والتعظيم العظيم لهم”(2).

ومن الفوراق بين الجارودية والصالحية، أن الجارودية تطرفوا وغالو في الإمامة واعتبروها من أهم مسائل أصول الدين، و من خالفهم في ذلك حكموا بضلاله وزيغه، وتبرؤوا منه وعادوه واستحلوا حرمته وامتنعوا عن الصلاة خلفه، حتى وإن وافقهم في غير ذلك من مسائل الدين(3).أما الصالحية فقد اعتبروا المسألة مهمة في الدين، ولكنها ليست من أصوله التي لا يتم إلا بها، ولذا تعاملوا مع مخالفيهم بتسامح أكثر، فلا يكفروهم ولا يفسقوهم.

ومما خالفت فيه الصالحية الجارودية أنهم يرون أن طريق الإمامة بالعقد والاختيار في ذرية الحسن والحسين، وهذا ما أشار له يحيى بن حمزة (ت749هـ) في كتابه “عقد اللآلئ” فقال: “الصالحية، أتباع الحسن بن صالح، وهم يخالفون الجارودية… في أن طريق الإمامة العقد والاختيار”(4)، وقال في “المعالم الدينية”: وذهبت المعتزلة والأشعرية والخوارج والزيدية الصالحية إلى أن الاختيار طريق إلى ثبوتها”(5)، وبهذا يخالفون مذهب الزيدية في الدعوة.

إن حصر الإمامة في ذرية الحسن والحسين سواء كان تفضيلاً أو شرطاً كان أخطر انحراف عن مذهب زيد، إذ بُني ذلك الرأي على فكرة لم يقلها زيد وهي الوصية لعلي بالوصف. يقول المؤرخ اليمني القاضي عبدالله الشماحي: ” كان الإمام زيد أبعد نظراً من الهادي، فقد أبى أن يأخذ بنظرية حصر الخلافة على أبناء جدته فاطمة الزهراء ثم يربط بهذه الإمامة مذهبه، ويبني عليه دعوته ودولته”(6). فالشماحي يرى أن الهادي يحيى بن الحسين قد خالف زيداً في هذه الفكرة وأخذ بقول أبي الجارود.

وأما كون الخارجين في زمن الأمويين كانوا من فئة العلويين فإن ذلك لا يجعلها شرطاً في الإمامة، وإنما ذلك مما اقتضته الظروف التاريخية، كما يرى الدكتور أحمد  محمود صبحي(7).

وقد برزت في التاريخ اليمني فرقة زيدية تقول بمثل ما كان عليه زيد من عدم اشتراط الحصر في البطنين، ولكنها قوبلت بحرب استئصالية حتى أبادتهم، فالمطرفية وهي فرقة زيدية اعتزالية ظهرت في اليمن في نهاية القرن الخامس الهجري وانتهت في بداية القرن السابع الهجري، تقول بأن الإمامة ليست محصورة في البطنين، وهذا أدى إلى دخولهم في حرب عسكرية واجتماعية وثقافية مع عبدالله بن حمزة (ت 614هـ) انتهت بمأساة كبيرة ضدهم لم يشهد لها التاريخ اليمني مثيلاً، وانتهى معها كل أثرهم الفكري ولم يبق منه إلا ما كتبه خصمهم أو بضع مخطوطات عن أئمتهم.

إن فكرة الخروج والدعوة وحصرها في ذرية معينة قد خلق مناخاً لاستمرار الحروب طوال التاريخ اليمني، مرة بين الأئمة أنفسهم ومرة بينهم وبين غيرهم، سفك في تلك الحروب كثير من دماء اليمنيين، فمن يقرأ في التاريخ اليمني لا يكاد يجد فترة هدوء واستقرار بلا حروب واقتتال إلا في فترات نادرة جدا، كجزء من عهد الدولة الصليحية وجزء من عهد الدولة الرسولية وجزء من عهد الدولة العامرية، أما فترة حكم الأئمة الزيدية فربما لا يمر عام واحد دون أن تحصل حرب أو قتال، بل إن هناك فترات كثيرة كان في العام الواحد عدة حروب، وهذا ما زاد من سفك الدم اليمني طوال قرون.

إن الحكم في اليمن لم يستقر لتلك النظرية وليس كما يزعم البعض أنها حكمت اليمن قروناً، إذ ظهرت عدة دول في التاريخ اليمني حكمت فترة طويلة خارج تلك الفكرة، سواء قبل دخول الهادي لليمن كالدولة الزيادية (204هـ)، واليعفرية (247هـ)، أو بعد مجيء الهادي كالدولة النجاحية (403هـ) (وهي امتداد للزيادية)، والصليحية (429هـ)، والمهدية (مؤسسها علي بن مهدي الحميري أباضي المذهب) (538هـ)، والزريعية (476هـ)، والأيوبية (570هـ)، والرسولية (وهي أعظمها منذ مملكة حمير) (627هـ)، والطاهرية (855هـ)، ولم يستقر الحكم للزيدية إلا في عهد الدولة القاسمية ثم عهد بيت حميد الدين وقد خرجت عدة ثورات مناهضة لهم في هذه الفترة، منها ثورة الحجرية (1094هـ)، وثورة الفقيه سعيد الدنوي (1256هـ)، وثورة الزرانيق (1343هـ-1925م)، والثورة الدستورية (1367هـ-1948م)، ثم آخرها وأقواها الثورة الجمهورية (26سبتمبر 1962م).

كما برزت عدة شخصيات فكرية عارضت ذلك نظرياً، ومن أبرز من واجه وناهض فكرياً تلك النظرية في اليمن نشوان بن سعيد الحميري (ت 573 هـ) الذي قال: “من كان أتقى الناس وأكرمهم عند الله، وأعلمهم بالله، وأعلمهم بطاعته كان أولاهم بالإمامة، والقيام في خلقه، كائنا من كان منهم عربياً أو عجمياً”. واعتبر ذلك أقرب الوجوه إلى العدل وأبعدها من المحاباة(8)، وغيره من الشخصيات اليمنية كالمقبلي والجلال، وصولاً للشهيد محمد محمود الزبيري (أبو الأحرار) الذي ألف كتاباً بعنوان: “الإمامة وخطرها على اليمن” وناضل حتى أسقطها واقعاً بحكم جمهوري يقوم على أساس المواطنة المتساوية.

صحيح أن المذهب الزيدي في بداية نشأته كان مذهباً سياسياً، يقوم على فكرة الخروج والدعوة كما شرحتها من قبل، ولكنه فيما بعد صار مذهباً اعتقادياً وفقهياً أيضاً، أما في الجانب الاعتقادي فقد أخذ بعقائد المعتزلة، بحكم اتصال زيد بن علي بواصل بن عطاء وتأثره به كما يذكر أبو زهرة، وكان المذهب الزيدي أقرب للفرع البغدادي من الاعتزال والذي كان يميل للتشيع، ولم ينهج الخط الاعتزالي البصري، الذي هو الأساس في مدرسة الاعتزال، وهذا جعل المذهب الزيدي يحافظ على تراث المعتزلة حين كان يتعرض للزوال في مناطق أخرى نتيجة التعصب المذهبي، فلم يكن لهم من مكان غير اليمن لحفظ جزء ولو بسيط من تراثهم، ولا أدل على ذلك من كتاب “المغني” للقاضي عبدالجبار الهمداني آخر المعتزلة الكبار، والذي طبع كتابه لأول مرة في عام 1951م بعد وجود مخطوطته في اليمن.

أما في الفقه وإن كان في بدايته تأثراً بالمذهب الحنفي باعتبار اتصال زيد بأبي حنيفة، وباعتبار تأثر أحمد بن عيسى بن زيد (حفيد زيد) بتلاميذ أبي حنيفة وأخذه لكثير من آرائهم، إلا أنه فيما بعد صار فيه اجتهاد فقهي كبير، والمذهب الزيدي في كثرة آرائه والاجتهادات فيه يمكن موازاته بمذاهب أهل السنة جميعاً، فإذا ما أراد أن يبقى حياً اليوم فلابد من تجدده، ونقطة البداية في تجديده هي رفض أفكار قامت على تناقض تام مع روح الإسلام ومقاصده، كفكرة الولاية والخمس وأي تفضيلات لما يسمى “أهل البيت”، وتبقى الاستفادة من بقية تراثه الفقهي والعقدي كإحدى المدارس المتنوعة في مجتمعنا، والتي يمكن أن يستفاد من تراثها في أي اختيار مناسب في سن أي قانون معاصر، إذ تعدد الآراء يسمح بوجود الرأي الأكثر صلاحاً، والتنوع المستقر يزيد المجتمعات ثراء ثقافياً ومعرفياً ويساعدها في إنتاج الحكمة، أما التنوع الذي ينقض أساس الاجتماع السياسي فإنه يقوض التعايش والسلام.

إن هذا العمل ليس مستحيلاً ولا صعباً، فقد أثبتت جارتنا العمانية التي تتعدد فيها المذاهب من أقصى اليمين لأقصى الشمال أن ذلك ممكن التحقق، إذ منعت كل ما يخالف أصول الاجتماع السياسي داخل الدولة، ثم تركت تفاصيل كل مذهب ليعتنقها صاحبها كما يريد، مع تجريم لأي رأي أو فكرة تناقض فكرة الحرية أو المواطنة المتساوية، وتخل بأسس الدولة، إن الأمر لن يكون صعباً إن وجد من يريد الاستقرار والتعايش بين أبناء البلد الواحد، أما من لا يهمه استقرار وطنه فسيرى ذلك صعباً.

لقد أدرك واحد من أهم رجالات السياسة في الفكر الزيدي وهو أحمد محمد الشامي الرجل الذي كان على رأس مفاوضي المملكة المتوكلية بعد ثورة سبتمبر، عدم صلاحية فكرة الإمامة لزماننا، فرأى في آخر عمره  -وبعد تجربة طويلة من العمل السياسي في حياته- أن الأصلح والأولى لبني هاشم هو الابتعاد نهائياً عن الولاية العامة، فقال: “ولعل من واجبي لا كمؤرخ بل كناصح يتحرى الصواب أن أفصح عن وجهة نظر اقتنعت بها منذ أمد بعيد، وأشرت إليها مراراً في بعض كتبي وأشعاري، وفحواها أنه لا خير لمن حرمت عليهم الزكاة من آل البيت في (الولاية العامة)، بل الاستئثار بها واحتكارها”. ويرى أنه توصل إلى هذه القناعة بعد دراسة لأسباب ومسببات المآسي والكوارث التي حلت بهم وباليمنيين خلال أحد عشر قرناً(9). ولا أظن أنه قالها مراوغة كما يرى البعض، وإنما قالها كخلاصة لتجربته السياسية، وعلينا ظاهر الناس إن لم نستطع كشف باطنهم، وأي دعوة للتعايش والاستقرار يفترض أن يتلقفها الجميع بوعي وذكاء.

كان هذا حديثاً عن الفكر الزيدي ومشكلاته التاريخية، أما ما أضيفت له اليوم من مشكلات جاءته من المذهب الإمامي بعد تدخل إيران مؤخراً بشكل كبير، فإنه ضاعف مشكلاته، وسيقضي على كثير من أفكار الزيدية، ويحولها إلى إمامية خالصة، وهذا ما بدأ يلوح في المشهد الزيدي اليوم!!

…………………………………

 

(1 )قراءة في نظرية الإمامة عند الزيدية، محمد عزان، مجلة المسار، العدد التاسع: 1423هـ / 2002م.

( 2)حواشي الفصول (الفصل 178) عن تعليق الشرح، قراءة في نظرية الإمامة عند الزيدية، محمد عزان، مجلة المسار، العدد التاسع: 1423هـ / 2002م.

( 3)انظر عدة الأكياس في شرح معاني الأساس 2/109 ـ 117، لأحمد بن محمد الشرفي.

(4 )عقد اللآلئ ص177.

(5 )المعالم الدينية ص131.

( 6)اليمن الإنسان والحضارة 116.

( 7)انظر الزيدية ص 61.

( 8)انظر شرح رسالة الحور العين 153، 204 – شمس العلوم 1/49.

(9 )انظر تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي لأحمد محمد الشامي 1/121.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق