فكر وثقافة

محمية “سكند”..جنةٌ في سقطرى طريقها محفوف بالمخاطر والمصاعب 

 يمن مونيتور/قشن برس  

تحتضن سلسلة جبال (حجهر) المطلة على ساحل حديبو عاصمة أرخبيل سقطرى، محمية “سكند” الطبيعية، التي تحتوي على الكثير من النباتات والأشجار النادرة، والمناظر الجميلة، والغابات الرائعة. 

يجد الزائر لتلك المحمية صعوبة في الوصول إليها بوسائل المواصلات، ويضطر للمشي سيراً على الأقدام من منطقة دكسم، ولذلك فالكثيرون لايزورون تلك المحمية لعدم وجود الطريق. 

سمعنا بتلك المحمية، ولأن الأذن تعشق قبل العين أحياناً أخذنا الشوق لزيارتها، عقدنا اجتماعاً مصغراً للترتيب للزيارة، كنا 7 أشخاص..جهّزنا الطعام والسيارة التي ستقلنا إلى نهاية الطريق في دكسم، وتحدثنا إلى المرشدين. 

 بداية الرحلة 

جاء يوم الانطلاق المحدد للرحلة، تحركنا بسيارتنا القديمة، ننظر إلى جبال حجهر التي تغطيها السحب، تشغلنا وعورة الطريق وصعوبة الوصول، وقسوة الطقس، لكن التحدي كان يدفعنا لاكتشاف المحمية. 

عصراً انطلقنا صوب منطقة دكسم الواقعة في المرتفعات الوسطى من سقطرى، وإلى الجنوب من جبال (حجهر) حيث محمية (سكند)،..وصلنا منطقة دكسم، لنخرج من الطريق الاسفلتي نحو طريق ترابي وعر أخذ من وقتنا نصف ساعة، بعدها بلغنا آخر نقطة تتحرك فيها السيارة مع غروب الشمس. 

كانت آخر نقطة تصلها السيارة هو المكان المسمى (ديطعهر)..يضم مبانٍ متواضعة يسميها الأهالي بـ(مبيت ديطعهر)، عبارة عن بضع غرف تم بناؤها هناك لغرض أن يبيت فيها السياح والزوار الذين يزورون محمية (سكند)، وتشرف عليه جمعية أهلية من أبناء المنطقة، إلا أن المكان أصابه الإهمال الشديد، فتكسرت الأبواب والنوافذ، لتبيت فيه المواشي بدلاً من البشر، وتعطلت منظومته الشمسية لتوليد الكهرباء، ليحل الظلام الدامس مكان الضياء، وانسدت مجاري المياه وأنابيب الماء، لترتع فيه الفئران والحشرات ليلاً ونهارا. 

 المبيت وكرم الضيافة 

تركتنا الشمس حينما وصلنا (مبيت ديطعهر)، فبدأنا نعد العدة لتجهيز وجبة العشاء، لكن أحد الساكنين في الجوار قطع علينا الفكرة، وأصرّ أن نكون نحن السبعة ضيوفه، لم نفلح في رفض الدعوة، لنتوجه نحو منزله القريب من المكان، كانت الحيوانات ترعى بعيداً عن منزله، لكن الكرم والشهامة التي ورثها الرجل عن آبائه وأجداده، دفعته للخروج في الظلام، يتلمس حيواناته ليأتي بذبيحة لضيوفه، ولا غرابة، فهكذا يفعلون مع كل آت. 

عدنا بعد وجبة العشاء للنوم في مكان التخييم، أوقدنا النار لتخفيف البرد الذي حلّ ليلا، تسامرنا نتحدث عن الرحلة، ثم ذهبنا للنوم. 

في الصباح الباكر وصل 5 أشخاص من المرشدين والحمالين المحليين، تقاسموا ما لدينا من أدوات وأكل وماء وأخذوا ما يستطيعون أخذه وتقاسمنا نحن ما تبقى. 

انطلقنا قبل طلوع الشمس نحو المحمية، بدأنا بالصعود، وبعد حوالي كيلومتر واحد بدأت الغابة تغطي الأرض، حين وصلنا قمة الجبل، دفعنا جمال المكان لتوثيق مافيه من مواقع أثرية، وذهبنا قليلاً جنوباً لنصل إلى حافة الجبل، ونرى أمامنا جزء كبيراً من الساحل الجنوبي لسقطرى، حيث يطل المكان على مياه البحر الزرقاء الصافية في منظر خيالي جميل. 

 معاناة الطريق وجمال المكان 

واصلنا المسير لنهبط إلى وادي (دمدعهر)، ذاك الوادي الذي تنساب فيه المياه الصافية الرقراقة الجارية طوال العام، وتملأه غابات الأشجار والنباتات، صعدنا جبلاً آخر، وقبل وصول قمته توقفنا لأخذ قسط من الراحة، وتناول وجبة الغذاء. 

وبعد الواحدة ظهراً واصلنا المسير، مع توثيق ما نمر به، لنصل إلى إحدى الغابات ذات الأشجار الكثيفة قبل غروب الشمس، ونجد فيها بعض المواقع الأثرية، فقررنا التوقف عندها للمبيت. 

قضينا ليلة ممتعة متميزة، فلا ترى إلا الغابات المليئة بأصناف من الأشجار والنباتات، ولا تسمع إلا أصوات الحيوانات والطيور والحشرات، وما زاد الأمر جمالاً هو السحب الكثيفة التي غطت المكان، فلا تكاد ترى الذي بجوارك. 

حصلنا على الماء من عين صغيرة توجد بين تلك الغابات، ويصعب الوصول إليها صعوبة بالغة بسبب التفاف الأشجار، لم نستطع المبيت إلا بعد إيقاد النار حيث ازداد البرد مع حلول الظلام، لم تكن ملابسنا التي أخذناها للتدفئة كافية فاضطر بعضنا للنوم بجوار النار المشتعلة طوال الليل. 

أما أنا واثنين من المرشدين فذهبنا نبحث عن مأوى نستطيع النوم فيه، دخلنا بين الغابة التي لا يستطيع أحد أن يسير فيها إلا العارف المتمكن من الطريق التي لا يراها أحد إلا تخميناً، لنصل إلى مبنى صغير جدا، مدخله لا يتجاوز نصف متر، دخلناه عنوة، لنجده من الداخل بارتفاع لا يتجاوز المتر والنصف تقريباً، وعرض دائري لا يتجاوز المتر والنصف أيضاً، وفيه ما فيه من تراكم روث الحيوانات، والأوساخ والطين الذي لم ينقله أحد منذ سنين. 

 قبل أن نصل 

بحثنا عن الحطب وأشعلنا النار للتخفيف من وطأة البرد، لكن الدخان في ذلك المكان الصغير كان مزعجاً، إذ لامنافذ لخروجه ودخول الهواء، والغرفة بنيت بأحجار كبيرة، وأُغلق كل منفذ فيها ولو كان صغيرا، أخبرني المرشد أن أهله كانوا يسكنونها، ولا سكن لهم غيرها، ورغم ذلك بتنا ليلتنا ولم نهنأ بلذة النوم وحلاوته، وهي ليلة تبقى في الوجدان ما حييت. 

في الصباح الباكر عدنا للفريق في الغابة، تناولنا وجبة الإفطار، واستأنفنا الرحلة مع طلوع الشمس نحو قلب المحمية الذي لم نصل إليه بعد، ندخل غابة ونخرج إلى أخرى، صعوداً ونزولاً، كثرة الأشجار وتماسكها تحد من سيرنا، وكذلك فعلت الأشجار الملقاة على الأرض نتيجة الأعاصير. 

بعد حوالي ساعتين كنا نحط رحالنا في قلب المحمية، في المكان الذي يتم التخييم فيه، ورغم التعب والإرهاق الذي أصابنا طوال رحلتنا، ورغم أننا مختصون بالموروث الثقافي إلا أن ما رأيناه من المناظر الطبيعية والأشجار التي لم نرها من قبل والأجواء الغائمة المبهرة قد أخذ بألبابنا، وصرنا نتيه في ذلك الجمال المبهر الخيالي، الماثل أمام أعيننا، ونذهب هنا وهناك للنظر والتقاط الصور، فسبحان الخالق المبدع. 

المكان الذي يتم التخييم فيه هو عباره عن غرفتين صغيرتين جداً، مبنيتين بطريقة سقطرية تقليدية، ظهر عليهما أثر الإهمال والدمار، حتى أننا لم نستطع السكن فيهما، وأمام الغرفتين باحة صغير، عليها حوش غير مرتفع، وحول الباحة أشجار كثيرة، كشجرة دم الأخوين وغيرها، وكان تخييمنا في تلك الباحة وبين تلك الأشجار، وقضينا هناك ثلاثة أيام لنعود في اليوم الرابع. 

 احذروا شجرة “درفهن” 

خلال رحلتنا حدثت لي حادثة، بينما كنا نتنقل بين الأشجار والغابات وقعت يدي بغير قصد على شجرة تسمى (درفهن)، وهي ذات أشواك كثيرة وصغيرة، إذا أصابت العين فالمصاب في حالة خطر، وقد كان الرعاة يوصون بعضهم بتجنبها لخطورتها، وقعت يدي عليها رغم معرفتي السابقة بها، وصلت يدي لعيني دون انتباه، بعد لحظات، بدأت أحس بألم وحكة شديدة في عيني فعلمت أنها أشواك شجرة (درفهن)، تألمت كثيرا، وانهمرت الدموع، ولم أعد أتحمل المشي، ولم استطع الرؤية، وعندما وصلنا مكان التخييم على عجل، ساعدني الزملاء بإخراج 3 شوكات صغيرة جداً من عيني وتماثلت للشفاء بإذن الله. 

جاء اليوم الرابع وتجهزنا في الصباح الباكر للرحيل، كان كلٌ منا يمني نفسه بالمكوث أكثر في تلك المحمية التي لا يوصف جمالها، لكننا انطلقنا عائدين حوالي الساعة السابعة صباحاً، لنصل إلى وادي (مدعهر) ظهراً، ونستريح للصلاة والغذاء، ثم في الواحدة والنصف تقريباً، واصلنا المسير نحو (مبيت ديطعهر) الذي وضعنا فيه سيارتنا، ووصلنا هناك مع صلاة العصر، ركبنا سيارتنا وعدنا نحو العاصمة حديبو، ووصلناها قبل مغيب الشمس. 

لم تكن الرحلة إلى محمية (سكند) سهلة، فالمكان بعيد المكان، والطريق إليه وعرة، ولاسبيل للوصول إليها سوى السير على الأقدام، قد تأخذ رحلة المشي من (مبيت ديطعهر) إلى قلب المحمية نحو أربع ساعات للسائح الذي ينوي وصول المحمية مباشرة. 

  

  

  

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق