كتابات خاصة

حِرْفة الحُرْفة!

قَدَر الكاتب الكتابة مهما تبدَّلت أقداره، ودوره في الحياة ترويض الكون باللغة مهما اختلفت أدواره. وتأتي أحوالٌ أو مواقف على الكاتب تدعوه الى ترك الكتابة فلا يستطيع، مهما تفاقمت هذه الأحوال أو تعاظمت تلك المواقف.

ولأكثر من ثمانية وثلاثين عاماً (هي عُمْر علاقتي بالقلم) سفحتُ أنهاراً من رحيق الفؤاد وحريق الجسد، وكنتُ أهيم في سحابٍ من المتعة وأتشظَّى في زجاجٍ من اللذة وأغوص في بحرٍ من النشوة، حتى أكاد أبلغ النارفانا، ولعلِّي بلغتها في أحايينَ كثيرة.

كتبتُ العمود والمقال وسائر ألوان الفنون الصحافية. وكتبتُ الشعر والدراسة النقدية والبحث الأدبي والسياسي والاجتماعي. وكتبتُ أشتاتاً من النص المسرحي لم ترَ النور غير أولى هذه النصوص على خشبة المسرح المدرسي. كما كتبتُ أصنافاً أخرى من تلاوين الكتابة الابداعية، كان بعضها نحتاً في طين التجريب ونقشاً على حجر التنويع.

بَيْدَ أنني بعد هذا العمر، أراني أقف قُبالة مرآة الذات – بل أحاول الغوص في أغوار هذه الذات – لأجد حصيلة هذا العمر وحصاد تلك التجربة تكاد تكون صفراً، بل لعلَّها كانت حقاً عند الرقم صفر!

واليوم، تراني أتساءل: ماذا جنيتُ من هذه الحِرْفة سوى الحُرْفة؟

ففي هذا الزمن، وفي هذا اليمن، يجوع الأديب أو الكاتب أكثر مما تجوع كلاب الشوارع. ويمرض فلا يلقى سبيلاً الى التشافي لضيق ذات اليد. وحين يموت يكتشف ذووه أنه لم يكن يمتلك ثمن الكفن وقيمة القبر.

وطوال حياته، لا يلقى كلمة طيبة تُلقى في طريقه. ولكنه بعد رحيله تُدبَّج المُعلَّقات في الاطراء عليه وتعداد مناقبه.

وذات يومٍ بعيدٍ بعيد، قال لي زميل دراسة: الصحافة ” شغلة ” جميلة، لكنها لن تُطعمك. انظرْ الى حال ” فُلان ” وخُذْ منه الدرس والعِبْرة!

وقال لي صديق مرحلةٍ من مراحل الحياة الماضية: الشعر ” حاجة ” حلوة، ولكنك هل ستكون مطمئناً في مستقبلك مع الشعر والأدب؟

وسألني أبي وهو يكظم حزنه ويُداري أساه: لماذا؟ كان ذلك لحظة عرف أنني اخترتُ اكمال دراستي الثانوية في القسم الأدبي بدلاً عن العلمي، برغم درجاتي المرتفعة.

والسؤال ذاته كرَّره – باستنكارٍ لافت – عدد ممن درستُ عليهم. وكنتُ أُجيبهم: لن أكون طبيباً أو مهندساً، بل أديباً أو صحافياً. فكانوا يُعقِّبون على كلامي: ولكنك ذكي جداً! وكنتُ أتساءلُ في سريرتي: وهل الذكي لا يصلح أن يكون أديباً أو صحافياً؟

وبعد هذا العمر في هذا المشوار، عرفتُ الاجابة.

فعلاً، لو كنتُ ذكياً حقاً لما اخترتُ طريق الندامة هذا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق